د. محمد عبد الله دراز من أعلام الأزهر ودار العلوم د. نعيم محمد عبد الغني

 

 

2992820

 

الدكتور محمد عبد الله دراز شمس تشرق في سماء العلم

…………………….

دكتور نعيم محمد عبد الغني

الدكتور محمد عبد الله دراز شخصية لا يعرفه كثير من الناس، رغم أنه عالم كبير، وله إسهامات لا يقدر عليها إلا أولو العزم من الشباب الطموح، ومن ثم نود أن نعرف به في هذه الصفحة، لعلها تكون إسهاما يساعد الباحثين في دراسته والتعريف به، ولست أزعم أني أول من يكتب عن الشيخ فقد كتبت فيه مقالات تتشابه كثيرا في مضمونها؛ لاعتمادها على كتب الشيخ، إلا أن كل مقالة كانت تتفرد بشيء لم تذكره الأخرى، فكتب عنه أنور الجندي في كتب أعلام القرن الرابع عشر، والدكتور محمد رجب بيومي في مجلة الأزهر، ومحمد الشنقيطي في مقال قال فيه إنه ألف كتاب عن الشيخ سيصدره مركز القرضاوي للوسطية بكلية الدراسات الإسلامية، ورجب عبد المنصف وغيرهم كتبوا مقتصفات عن الراحل، وسأحاول أيضا أن أنقل ما سمعته عن الشيخ من الذين رأوه أو عاصروه، وأنقل بعض ملامح فكره من خلال معايشة طويلة تزيد على سبعة عشر عاما، حيث سمعت صوته على أثير الإذاعة ذي النبرة الأخاذة، والعبارة الجميلة، والإحكام الجيد للفكرة، بحيث لا يفهم كلامه إلا مع حسن إنصات، وطول تأمل، وكثرة تفكر.

الشيخ من الميلاد إلى الوفاة

إن الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله استقبلته قرية ديا بدسوق في كفر الشيخ عام 1984م أي بعد انتهاء الثورة العرابية بفترة قليلة، ثم عاش ليشاهد ثورة 1919م التي تزعمها سعد زغلول ورأى ثورة 1952م ثم انتقل إلى جوار ربه عام 1958 مفي باكستان بعد أن ألقى محاضرة في لاهور عن الدين الإسلامي، واستطاع أن يقنع بعبقريته الفذة كل الحاضرين من كل الديانات بأن الدين الإسلامي هو مصدر إسعاد البشرية كلها، وظلت هذه المحاضرة القيمة التي ألقاها الدكتور مصدر إعجاب حتى طبعها المؤتمر وترجمت إلى لغات متعددة، وأعادت مجلة الأزهر طباعتها عام 2005م، وهي جدير بالدراسة في هذه الأيام حيث تعلم المشتغلين بالدعوة كيفية مخاطبة الآخر، والانطلاق من مبادئ مشتركة مع البشر.

كفاح في طلب العلم

لقد قدر الله أن يكون الدكتور محمد عبد الله دراز عالما من ظهر عالم، فأبوه الشيخ عبد الله دراز الذي قام بتحقيق كتاب الموافقات في أصول الفقه، ذلك الكتاب الذي يهتم بمقاصد الشريعة ويبحث في أسرارها، وهذا يحتاج إلى طول نظر وتأمل، ومن هنا يمكن القول بأن الولد ورث عن أبيه هذه النظرة، حيث إن ما تركه كان مليئا بآراء لم يسبق إليها، ولعل هذا يفسر قلة ما تركه الدكتور محمد عبد الله دراز من مؤلفات، إذ لم يترك سوى كتب قليلة منها دستور الأخلاق في القرآن الكريم الذي نال به رسالته للدكتوراه، وكتابه النبأ العظيم، وكتاب الدين، وكتاب المعاملات المالية في الإسلام. يقول رجب عبد المنصف في وصف لطيف لهذه النشأة: “هو سليلُ بيتِ علمٍ ودين، تنفَّس في هوائه عَبَق العلم، وتنسَّم في ظلاله شذى التِّلاوة وأريج التقوى؛ فأبوه هو الشَّيْخ “عبدالله دراز” الفقيه الأصولي الذي جعل من بيته منتدى للعلم وكعبة للعلماء، تهفو لغشيانه القلوب، وتأنس لما يلقى فيه من بيِّنات العلم، ولوامع الفكر، وجوامع الأدب، وسديد الرأي، الأمر الذي أَوْرث مترجمنا ملكاتٍ شتَّى، والعهدُ فيها الكَسْب لا الوراثة، غير أنها لما رأت لشيخنا من كرامةِ المحتد، وطيب الأرُومة، ما جعلها تخرجُ عن طبعها وتأتيه طَيِّعةً خالصة، وقد علمتْ فيه طيبَ الغرس، وحسن المنبت، فأكرم وِفَادتَها، ومكَّن لها من نفسه وأنزلها منزلةَ الطَّبع، فنمت وربَتْ”.

وعاش طالبا للعلم ومدرسا له، وعندما سافر إلى فرنسا لم يشأ اأن يأخذ درجة الدكتوراه بالطريق السهلة، بل سلك مهيعا صعبا، وطريقا وعرا، إذ أصر على دراسة الفرنسية ونيل \رجة الليسانس أولا ثم الدكتوراه فمكث بذلك اثني عشر عاما، وبعد أن هضم المناهج الغربية، وتتلمذ على كبار فلاسفة فرنسا بدأ في دراسة الأهلاق في القرآن الكريم، فعرف الغرب به، إعجاب كبار المستشرقين الفرنسيين، ومنهم ليوي ماسينيون وليفي بروفنسال. وكانت مناقشتها يوم 15/12/1947.

لقد كانت حياة الشيخ في خدمة القرآن، فننتاجه العلمي كله ينصب حول القرآن وتفسيره، رغم أنه درس علوم الفلسفة والأخلاق العربية والغربية، ودرس الفلسفات جميعها، ومناهج البحث وتشرب بهذه الثقافت جميعا، كي يقرأ القرآن بعقلية تضيف للبشرية فهما عميقا وتحليلا دقيقا، فما كتبه غير مكرر، وما استنبطه من آراء غير مسبوق، وهذا يظهر من تقديمه لكتاب دستور الأخلاق في القرآن الكريم، حيث نقل قول شمس الدين البابلي الذي يقول فيه: “لا يؤلف أحد كتاباً إلا في أحد أقسام سبعة ولا يمكن التأليف في غيرها وهي أما أن يؤلف في شيء لم يسبق إليه يخترعه أو شيء ناقص يتممه أو شيء أخطأ فيه مصنفه يبينه أو شيء مفرق يجمعه”.

وقد بدأ الشيخ بكثرة التأمل فألف في شيء لم يسبق إليه، فرغم كثرة من يقرأون القرآن إلا أن آيات الله لا يعقلها إلا العالمون، ولا يستخرج كنوزها إلا من وهبوا حياتهم لها، وقد وهب الشيخ حياته للقرآن، فقد كان يقرأ ستة أجزاء يوميا، وكان لا يرى إلا قارئا للقرآن أو مصليا، وقد صحبه الشيخ محمد أبي زهرة رحمه الله، وقال عنه: ” كان يؤمُّنا في صلاة العشاء، ثم يأوي كل منا إلى فراشه، ويأوي هو إلى صلاته وقرآنه. وكنت لا تراه إلا قارئا للقرآن أو مصليا”.

وكان مشغولا بالإسلام والمسلمين، وقد قال الدكتور القرضاوي في ذلك: “ما حدثنا وجلسنا إليه إلا وجدناه مشغولا بأمر الإسلام وهموم المسلمين.” ومن مظاهر عزة نفسه دعمه العلني –وهو مقيم بفرنسا- لحركات التحرر في المغرب العربي الذي كانت فرنسا تحتله آنذاك. وحينما عرض عليه رجال الثورة المصرية أن يكون شيخا للأزهر اشترط أن يتمتع الأزهر باستقلالية أكاديمية عن السلطة. ولما رفض رجال الثورة ذلك اعتذر دراز عن قبول المنصب، وأصرَّ على رفضه له رغم المحاولات والعروض المتكررة”.

أخلاقه

وهذا الشغل الشاغل بالقرآن والإسلام لم تغيرة سنوات قضاها في فرنسا، حيث حصل من السوربون على درجة الدكتوراه التي كتبها تحت ضوء الشموع في مخبئ تحت الأرض وهو يسمع نيران الحرب العالمية الثانية، بل لم يأبه إلى الانحلال الأخلاقي الذي رآه في فرنسا وعاد إلى مصر وهو ثابت على أخلاقه الحسنة، وإيمانه العميق، يقول الشَّيْخ “محمد أبو زَهْرة” – وكان قريبًا منه، مصاحبًا إياه قبل إقامته في “فرنسا” -: (وقد عاد بعد هذه الرِّحلة الطويلة الشَّاقة المجهدة، وتوقعنا أن نجدَ تغيرًا في مظهرِه أو ملبسه أو عاداته أو تدينه، كما رأينا في بعض من ذهبوا وأقاموا بعضَ إقامته، ولكنَّا وجدناه كما تركناه خلقًا ودينًا وإيمانًا، فأثبتَ بذلك سلامةَ جَوْهره؛ لأنَّ جيد المعادن تجلوه التَّجارِبُ، وتصقلُه الحوادثُ من غير أن يفنى ويبلى.

ومن أخلاقه رحمه الله أمه كان كريم الضيافة لين الجانب، وعنه يقول الدكتور سيد البدوي الذي شرف بمصاهرته وكان معه في فرنسا: ” كنت مع الطَّلبة العرب في “باريس” نتلمَّس في رحابِ الأستاذ الجليل ما نحتاج إليه من رعايةٍ في وقت الشِّدة، وكان يجمعنا في منزله في المناسبات الدِّينية والقومية؛ ليشعرَنا بما افتقدناه من جوٍّ عائلي.

وكنا نجد عنده كرمَ الضِّيافة العربية، ونستمتع بأحاديثه ومناقشاته في شؤون الدِّين والعلم والسياسة، وكان – رحمه الله – لا يضيق بما نثير من آراءٍ متطرِّفة أحيانًا، بل ينقدُها بروح العالم المستنير في سماحة ورَحابة صدرٍ، ولا يزال بنا حتى يقنعنا بوجهة نظره المستنِدة إلى البُرهان العلمي والمنطقي.

ووصفه شيخ أهل قَطَر في زمانه الشيخ عبد الله الأنصاري بصفات، عدَّ منها: “الفطنة، والذكاء، والحِلْم، والأناة، والتواضع، والوداعة، والوفاء، والجرأة، والإقدام، والشهامة، والصلابة في الحق، ولباقة الحديث، ولين العريكة، والحدب على المرافقين”.

وسألت عنه الدكتور عبد الصبور شاهين –رحمه الله- الذي كان يدرس لنا في دار العلوم علم الأصوات، فقال لي: لقد قمت بترجمة كتابه وأنا شاب وهذا الرجل درس لنا علم التفسير في هذه الكلية في نهاية الخمسينات، وكنت في قاعة الدرس أحاول أن أرفع صوتي بمعلومة كي يراني وأتظاهر أمامه بمعرفة الفرنسية التي يتقنها، ويبتسم الشيخ ويفهم مرادي بأني أود أن أوثق صلتي به”

وقال لي الدكتور جابر قميحة عنه: “إن الدكتور دراز كان مثالا للعالم المؤمن، فقد درس لنا مادة التفسير عام 1956م، وكان يعظم القرآن فعندما تأتي آية فيها سجدة يقوم من على الكرسي ويخر ساجدا لله أمام الطلبة، ولم يكن رحمه الله مداهنا للساسة وأهل السياسة، فكان يحترم علمه، وزيه الأزهري، فقد سأله أحد الطلاب وكان تابعا للأمن في نظام عبد الناصر ففطن الشيخ إلى أن الطالب يحاول إيقاعه ليتكلم عن النظام الناصري بسوء، فقام بطرده من المحاضرة بعد أن أوضح رأيه بشجاعة للطلاب مبينا ما قام به عبد الناصر من أخطاء.

ولعل هذا القول يؤكد لنا ما روي أن الشيخ الذي كان عضوا في هيئة كبار العلماء رفض أن يتولى مشيخة الأزهر حيث اشترط استقلال الأزهر في كل شيء، ولا يكون تابعا للدولة، فرفض مجلس قيادة الثورة ذلك، ومن ثم اعتذر عن قبول المنصب وتولاه الشيخ محمد الخضر حسين.

هذه بعض صفات الشيخ التي أوجزها كتقدمة لمقالات أتبعها إن شاء الله متحدثا فيها عن أفكاره وآرائه من خلال كتبه التي تركها لنا.

 

تعليق واحد

  1. توكل قال:

    نعم رفض قبول مشيخة الأزهر لما عرضه عليه جمال عبدالناصر إلا بشروط أولها ان تنتخبه هيئة كبار العلماء ولا يعين من قبل رئيس الجمهورية وثانيها أن يستقل الازهر عن الحكومة المصرية باعتباره جهة إسلامية عالمية وثالثها ألا يشرع قانون إلا بعد موافقة الازهر … هكذا سمعته من الشيخ عبدالخالق حسن الشريف

التعليقات غير مفعلة.