القصيدة الموسيقية الجديدة: تائية أحمد بخيت الصغرى – بقلم: د.أحمد درويش

القصيدة الموسيقية الجديدة: تائية أحمد بخيت الصغرى

10384834_1513404678871593_7331550992811127429_n

بقلم: د.أحمد درويش

تكاثرت نقاط الجودة والإبداع لدى الشعراء الذين تنافسوا في مهرجان المديح النبوي الذي نظمته مؤسسة كتارا خلال الأسابيع الماضية. وكان تزاحم نقاط الجودة لدى شعراء كثيرين سببًا في حرص لجان التحكيم على احتساب درجات تراكم الجودة في الإنشاء والإنشاد، ومرور هذه الدرجات المتراكمة بما يشبه ما يحدث في السباقات المرئية من تقارب الخطى سعيًا إلى ملامسة نقطة الوصول بفوارق تقاس أحيانًا بجزء من الثانية، لكنها تبقى عنصرًا مرعيًا في ترتيب النتائج النهائية. ومن الشعراء الذين تألقوا وشارفوا خط النهاية، الشاعر أحمد بخيت المعروف بتاريخه الشعري الذي يجمع فيه بين أصالة الشكل وحداثة وسائل البناء الشعري، ويبدو اسمه شديد التميز بين شعراء مدرسة «القصيدة الموسيقية الحديثة» وقد شارك أحمد بخيت في هذا الملتقى بقصيدة متميزة، من بحر الكامل التام وقافية «التاء» وحملت عنوان «المشكاة» وقد أعطى العنوان وهو عتبة النص الأولى إحساسا قويا بالمنبع الذي ارتوت منه القصيدة طوال رحلتها وهو المنبع القرآني. وعندما اختار الشاعر من هذا المنبع عنوانه «المشكاة» فإنه اختار كلمة «مصورة» تمثل «صورة متشعبة» فالكلمة ترسلنا مباشرة إلى النص القرآني: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهي من ثم كلمة تحمل الإشارة إلى الصورة المتشعبة المباركة التي كانت مدخلاً للشاعر ليستقي في كثير من خطوات بناء الصورة، والصفة في قصيدته من المنبع القرآني المبارك.
وحين اختار الشاعر لقصيدته أن تجيء على قافية التاء، فقد قدم إشارة تالية أو «عتبة تالية» لمصادر الاستلهام عنده، ومن بينها التراث الفني لقصيدة المديح النبوي والإلهي في الموروث العربي ومن أشهرها «تائية ابن الفارض» التي شاعت من خلال حرف القافية الذي اختارته واتبعه شعراء كثيرون تعلقوا بأهدابها ومن بينهم أحمد بخيت في هذه القصيدة التي يمكن أن تسمى بحق «التائية الصغرى» وقد اتضح استلهام النص القرآن العظيم منذ الأبيات الأولى في القصيدة:
الزيت والمصباح والمشكاة… نور، على نور، ولا ظلمات
ميقات حجاج الحقيقة واحد… ومحمد هو وحده الميقات
إن قال قلبي: يا حبيب، تسابقت… بفم الخلائق كلها الياءات
لك أول الكلمات في فم آدم… أبغير أحمد تبدأ الكلمات؟
لك لا شبيه، لكي يقال كأنه… فأمام أحمد تسقط الكافات.
وهو مفتتح جيد، يلقى بنا مباشرة في جوف قصيدة «المديح النبوي» وميراثها الواسع، ومبالغتها المقبولة، والتي كانت مجالا واسعا، لشعراء الحب الإلهي والنبوي وشعراء التصوف على مر العصور التي كانت من المألوف فيها أن تسقط الكافات في التشبيه وتهرول «ياءات» النسب لتلحق بكلمة «حبيب» من كل الشفاه، ولا بد أن نسجل هنا أن الشاعر برع في توظيف «الحرف» في بناء القصيدة، وهو مجال تسابق فيه الشعراء المجيدون في هذا المجال، حتى وصلوا إلى مجال توظيف «أسرار الحروف» وقيمها ودلالاتها منفردة أو مجتمعة، حتى إن بعضهم يأخذ حرف «الباء» الذي يبدأ به المصحف الشريف في «بسم الله الرحمن الرحيم» وحرف «السين» الذي ينتهى به مع نهاية سورة «الناس» ليجمعهما معًا في كلمة واحدة تلخص غاية مراد الإنسان في طلب العرفان فيما بين هذين الحرفين بدءا ونهاية.
والشاعر هنا يوظف حرف «الواو» حضورًا أن غيابًا توظيفًا جديًّا ومن ذلك رصده لصفات الرسول صلى الله عليه وسلم متتابعة دون حرف العطف:
العاقب، المدثر، المزمل، الـ… ماحي لليل الشرك. لا ريبات
المنذر، الهادي، البشير الصادق، الـ … وعد الأمين، الرحمة المهداة
والهاشمي، الخاتم، الأمي، من… سبقت إليه شفاهنا الصلوات
فمن بين أربع عشرة صفة متتالية، لم ترد واو العطف، كما يفضي سياق اللغة العادية بين الأشياء المتوالية المختلفة، سوى مرة واحدة.
والشاعر يعود إلى هذا المنهج الفني مرات مختلفة في قصيدته في مثل قوله..
الأبلج، الأقنى، الأزج، الأكحل ال… مربوع، غصن ليس فيه هنات
فنحن هنا أيضا أمام ست صفات مختلفة متغايرة تم الربط بينها دون توظيف حرف الواو، وأصبح غيابها دلالة لافته في البناء الشعري.
ومع أن كثيرًا من الصور الشعرية في فن المديح النبوي تجد نفسها أمام بحر زاخر من رصيد السابقين، ولابد أن تستقي منه، فإن الشاعر يوّلد هنا أحيانًا صورًا نادرة لم يسبق إليها ومن ذلك قوله في وصف بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم..
يا من له فصحى اللسان، ومنتهى قوس البيان وصمته إخبات
كم تحمل المعنى المسيح جوامع الـ.. كلم الصحيح وهن عذراوات
شرف القصيدة أن تقول لي: اتئد… إن الفصاحة ها هنا الإنصات
ولم تقع عيني من قبل على صورة المعنى المسيح الذي تحمله جوامع الكلم العذراوات، في إشارة شعرية جميلة تحمل عمق اتصال للرحم بين الديانات.
إن التائية الصغرى لأحمد بخيت قصيدة متميزة في المديح النبوي.

التعليقات مغلقة.