في حضرة الشيخ والمريد: قراءة نقدية لكتاب ” المريد: في صحبة عبد الحليم عويس” – بقلم: فريد لطفي أحمد

في حضرة الشيخ والمريد:  قراءة نقدية لكتاب ” المريد… في صحبة عبد الحليم عويس”

images

بقلم: فريد لطفي أحمد (قسم اللغويات – جامعة الأزهر)

  هنا أنا ذا من بعدك أغدو في الطرقات والسبل …

أُفتش عن وجهك في كل الوجوه, وأبحث عن ذاتي في ذاتك….

أبحثُ ..عن إنسان !

                                      **********

بهذه الكلمات العذبة الرقيقة يختتم الأستاذ وليد عبد الماجد كسَّاب أحد فصول كتابه الجديد الرائع ” المريدفي صحبة عبد الحليم عويس” الصادر عن دار البشير وقد حظي الكتاب بمقدمتين ضافيتين للأستاذ الدكتور سعد مصلوح والأستاذ الدكتور خالد فهمي.

والدكتور عبد الحليم عويس ــــــــ أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية وصاحب المؤلفات الماتعة التي أثرت ــــ ولا تزال ـــــ المكتبة الإسلامية لعقود طويلة ـــــــــ رجل كالشمس لا يحتاج إلى تعريف.

أما وليد كسَّاب فهو شاب متعدد المواهب, أديب وناقد وإعلامي وباحث إسلامي من طراز نادر, من مؤلفاته: “أبو عبيدة ابن الجراح … رجل السقيفة وفاتح بيت المقدس“و ” التلوين البلاغي في القرآن الكريم“و” قضية الفقر وكيف تناولها أدب الرافعي“.

  عمل الأستاذ وليد مديراً لإدارة التنسيق والمتابعة برابطة الجامعات الإسلامية, وسكرتيراً لتحرير مجلتها ” الجامعة الإسلامية“, وقد سعد وليد بصحبة الدكتور عويس لمدة عشر سنوات اقترب فيها من جوهره النبيل ومعدنه الإنساني, ونهل من علمه الغزير, وعاد من رحلته في صحبة شيخه العلامة بصيد وفير ضَمَّنه هذا الكتاب الصغير الحجم العظيم القيمة.

   ومنذ الصفحة الأولى يبادرنا صاحب الكتاب بقوله: ” ليس هذا الكتاب سيرة ذاتية للمريد.. ولا تأريخاً لحياة الشيخ, إنما هو بعض ما جرى بيننا … وشذرات من أحوال الشيخ مع بني آدم.” ليضع لقارئه شرطه في كتابه ومنهجه في عرضه وتأليفه.

على أن الكتاب قد تجاوز هذا الأفق المحدود ليحلق في فضاءات أخرى اقتحمها المؤلف برفق ورقة وإبداع … وربما دون أن يدري؟

ثم يهدي وليد الكتاب لروح شيخه الطاهرة: ” حباً بحب … ووفاءً بوفاء … وعرفاناً …إلى يوم اللقاء.”

وإذا كان البارودي يقول: ” إن التذكر للنفوس غرام”  وأجل الذكريات منزلة كما يقول أستاذنا الدكتور خالد فهمي هي” تلك التي تفيض بها النفوس النبيلة بغير دافع إلا من دافع الوفاء, والمروءة, وحسن العهد, والامتنان, والشعور الجارف بالمحبة لمن رحلوا وكانوا شموساً تنير الدروب, وأقماراً تبدد ظلمة الليالي, وتهدي في مسارب الحياة.”

فقد مضى وليد كسَّاب مع هذا الغرام, يسترجع الذكريات, ويعيد تأملها, ويلقي عليها أضواء ًكاشفة من قلبه وعقله.

والكتاب يحمل بين صفحاته عبيراً نقياً جميلاً يفيض بمعاني النبل والوفاء وحفظ الجميل للراحل الكريم د. عويس.

وهو في حقيقته سيرة بينية مشتركة نطالع من خلالها جوانب وضَّاءة من حياة المريد وشيخه الراحل, نرى فيها عمق العلاقة بين الرجلين… في نشأتها وتطورها!!

 في أيام الصفاء ولحظات التوتر !!

وما ظنك  بشيخ مؤرخ كبير داعية مسكون بهمَّ نهضة أمته, ومريد نابه متفتح القلب والوجدان لكل جديد ومفيد .. ما ظنك بهما عندما يجمعهما الحب المودة الإنسانية الخالصة لمدة عشر سنوات ؟!!

كانت زاوية “الرؤية” في الكتاب تتراوح بين الشيخ ومريده, في توازن دقيق محكم, إلا في مواضع قليلة كانت صورة الشيخ تطغى حتى تكاد تحجب المريد عن الصورة … ولعل هذا أمرٌ طبيعي؛ فالشيخ بطل الكتاب وصاحب السيرة.

  ومن أهم ما ينبغي الوقوف عنده لغة الكتاب فقد جاءت وكأنها قطعة موسيقية هادئة, عذبة, سلسلة, فصيحة إلا في بعض الحوارات( وقد كان بوسع د. وليد أن يكتبها كلها بالفصحى البسيطة التي كتب بها حواراته الأخرى!!!).

وهي على بساطتها لغة قوية تشي بفحولة صاحبها وأصالته وصلته العميقة بتراث الأدب العربي في عصوره الزاهية.

 ولقد قرأت (المريد) كله في جلسة واحدة وكان أول ما استرعى انتباهي هو عرامة الحسِّ الروائي لدى الكاتب؛ فروح القاص الحكَّاء تطل برأسها من خلال صفحات الكتاب, وتفرض نفسها فرضاً على القارئ, سواء من خلال السرد القصصي الذي اتسم بالاختزال, وقصر الجمل, وتتابعها, وقدرتها الفائقة على التصوير, وكأنها ضربات محكمة سريعة من فرشاة فنان ماهر.

أو من خلال حواره الرشيق الذي نجح في تصوير ما في قلوب وعقول أصحابه من مشاعر وأفكار وقيم.

وليس هذا فقط كل ما في هذا العمل الجميل؛ ففيه من المزايا ما يفوق الحصر, ومنها أن صاحبنا الوليد لم يقع في شباك الحب الأعمى لصاحبه عويس؛ فلم يغالِ في مديحه, ولم يقدمه لنا باعتباره قديساً, بل كان  ناضجاً بدرجة مدهشة وهو يقدم لنا صورة واقعية للرجل حيث نراه ويأكل ويشرب, يضحك ويبكي, ويثور ويغضب ويتجاوز حده ويعتذر, هذا إلى جوار مكارمه التي لا يحيط بها حصر.

ومن أمارات نضجه أيضاً أن جاء (المريد) خالياً تماماً من “الطرطشة العاطفية” والتهويم الصوفي المحلق بلا ضابط ولا رابط ــــــ رغم البعد الوجداني البارز في الكتاب ـــــــ وهذه من حسنات د.وليد الكبرى !!

وفي الختام أقول إنَّ في المريد الكثير من القيم النبيلة, والمعاني الفاضلة ـــــ فنياً وإنسانياً ــــــ التي تستحق الوقوف عندها, وهي من الكثرة بمكان بحيث لم تبدأ بوفاء الكاتب الكريم لأستاذه الراحل, ولم تنتهِ عند مكارم أخلاق الشيخ الجليل !!

ولعلني أذكر منها عفة لسان وليد ونبل سجاياه؛ فلقد تعفف عن ذكر أسماء بعض المشاهير الذين انتقد بعض سلوكياتهم, وقد كان بوسعه أن يسجل أسماءهم, فيحقق لنفسه شيئاً من المجد الزائف الذي يغري صغار الكتاب وهم في أول الطريق.

 هذا غيض من فيض وقليل من كثير مما حفل به ذلك الكتاب الجميل الذي أدعو لقراءته, والتعلم منه, ومن كاتبه الوليد الذي استحق ما قاله عنه الدكتور خالد فهمي في مقدمته الضافية  ” وليد كسَّاب اكتشاف جديد, واكتشاف حقيقي, واكتشاف يبعث على الأمل, ويولد البهجة في نفوس عطشى للبهجة.”

وما أشد عطش نفوسناً إلى البهجة التي يبعثها فنك الجميل أيها الكاتب الصغير السن العظيم القدر!!!

 

التعليقات مغلقة.