الفواصل القرآنية: مفهومها وأنماطها وأسرارها البلاغية – د. محروس بريك

الفواصل القرآنية: مفهومها وأنماطها وأسرارها البلاغية

13119032_10209905080563748_7631104483942211766_n

د. محروس بريك

مفهوم الفاصلة:

للفاصلة تعريفات، أهمها ثلاثة:

  • *قيل: هي كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع.
  • *وقيل: كلمة آخر الجملة.
  • *وقيل: الفواصل حروف متشاكلة في المقاطع يقع بها إفهام المعاني.

هذا الاختلاف في تعريف الفاصلة مَرَدُّه إلى اختلاف زوايا النظر إلى الفاصلة، وغرض كل باحث من دراستها؛ فمن نظر إليها من الجانبين النحوي والصرفي عرَّفها بأنها كلمة آخر الآية أو آخر الجملة، ومن نظر إلى الجانب الصوتي عدَّها مجموعة من المقاطع. والمقاطع هي ما تقابل تعريف الخليل بن أحمد للقافية؛ وهي (مجموع آخر ساكنين في البيت وما بينهما من متحركات إن وجد والمتحرك الذي قبل الساكن الأول).

بيان ذلك أن القافية في قول الشاعر:

ألا ليت الشباب يعودُ يومًا ** فأخبره بما فعل المَشِيْبُ

هي هذا المقطع (شِيْبُو) وهو يتكون من حركة فساكن فحركة فساكن.

وفي قول الشاعر:

وإنّي وإن كنتُ الأخيرَ زمانُهُ ** لآتٍ بما لم تستطعه الأوَائِلُ

نجد القافية هي هذا المقطع (وَائِلُو) حركة فساكن فحركتان فساكن.

ومن ثَم فالفاصلة في القرآن هي ما يوازي هذا المقطع، مع الأخذ في الاعتبار أن مبنى الفواصل على الوقف؛ ففي قوله تعالى: (الحمد لله رب العالمين) نجد أن الفاصلة هي المقطع (مِين) وهو حركة فساكن فساكن، وهكذا بقية السورة مبنية على هذا المقطع الصوتي (الرحمن الرحيم .. مالك يوم الدين . إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم…).

وفي قوله تعالى (والشمس وضحاها) تتمثل الفاصلة في المقطع (حاها) حركة فساكن فحركة فساكن ، وهكذا بقية السورة (والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها ،والليل إذا يغشاها ، والسماء وما بناها …) وهكذا.

وتقع الفاصلة عند الاستراحة في الخطاب لتحسين الكلام بها وهي الطريقة التي يباين القرآن بها سائر الكلام، وتسمى فواصل لأنه ينفصل عندها الكلامان، وذلك أن آخر الآية قد فصل بينها وبين ما بعدها.

تاريخ التأليف في علم الفواصل القرآنية والبحث فيها:

يمكننا تتبع التأليف في فواصل القرآن على مراحل:

المرحلة الأولى: تمثلت في إشارات متناثرة لدى النحويين وخاصة أصحاب كتب (معاني القرآن)؛ إذ نجد إشارات في معاني القرآن، للأخفش (ت 215هـ) ومعاني القرآن للزجاج (ت 311هـ)، ووجدت تلك الإشارات صدى لها في كتب النحاة فيما بعد كما في البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (ت 745هـ). 

المرحلة الثانية: تخصيص باب أو فصل في كتاب عن فواصل القرآن ورؤوس الآي، كما في (البرهان في علوم القرآن) للزركشي ت 794هـ (أواخر القرن الثامن الهجري) حيث تحدث عن النوع الثالث من علوم القرآن وهو : معرفة الفواصل ورؤوس الآي، وتابعه في ذلك السيوطي ت911هـ في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) مقتبسًا كثيرًا مما ذكره الزركشي في بابه المتقدم.

المرحلة الثالثة: تخصيص كتاب متكامل عن فواصل القرآن، نحو شرح الشيخ رضوان المخللاتي (ت 1311هـ) المعروف بـ (القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز) وقد حققه عبد الرزاق موسى، ونشر في المملكة العربية السعودية عام 1412هـ/1992م.

المرحلة الرابعة: تناوُل الفواصل تناولا علميًّا أكاديميًّا من خلال بحوث علمية أو كتب علمية رصينة أو فصول في كتب، ألّفها عدد من المتخصصين؛ منها (على سبيل المثال لا الحصر) :

  • *دراسة بلاغية في السجع والفاصلة القرآنية، د. عبد الجواد محمد طبق، (دار الأرقم، القاهرة، 1993م).
  • *فواصل الآيات القرآنية، د. كمال الدين المرسي (المكتب الجامعي الحديث، الأسكندرية، الطبعة الأولى، 1999م).
  • *الفاصلة في القرآن الكريم، محمد الحسناوي، (دار عمار، الأردن، 2000م).
  • *دراسات لغوية في القرآن الكريم، د. أحمد مختار عمر، (عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولى، 2001م).
  • *البيان في روائع القرآن ، د. تمام حسان، (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م).
  • *فواصل الآيات القرآنية: دراسة بلاغية دلالية، د. السيد خضر (مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009م).
  • *ثم بحث لي بعنوان: إيقاع الفواصل المنفردة: دراسة دلالية في القرآن الكريم، نُشر بمجلة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – ع65 – 2012م.

 

بين الفاصلة والقافية والسجع:

لم يسم أكثر العلماء الفاصلة أسجاعا، لأسباب؛ منها:

  • *أصل السجع من سجع الطير فشُرف القرآن الكريم أن يستعار لشيء فيه لفظٌ هو أصل في صوت الطائر.
  • *تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس.
  • *السجع مما كانت كهان العرب تألفه، ونفيه من القرآن أولى من نفي الشعر؛ لأن الكهانة تخالف النبوات ففي سورة الحاقة (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) آية 42.
  • *القرآن من صفات الله عز وجل فلا يجوز وصفه بصفة لم يرد الإذن بها وإن صح المعنى.
  • *هناك فرق بين الفاصلة والسجع، فالسجع هو الذي يقصد في نفسه ثم يحيل المعنى عليه، والفواصل على عكس ذلك؛ إذ تأتي تابعة للمعاني ولا تكون مقصودةً في نفسها.

وذهب بعض العلماء إلى إثبات السجع في القرآن وزعموا أن ذلك مما تبين فيه فضل الكلام وأنه من الأجناس التي يقع بها التفاضل في البيان والفصاحة كالتجنيس والالتفاف ونحوها، وأقوى ما استدلوا به الاتفاق على أن موسى أفضل من هارون عليهما السلام، ولما كان السجع قيل في موضع {هَارُونَ وَمُوسَى} فقدّم هارون على موسى (قالوا آمنا برب هارون وموسى) طه/70 ذلك أن فواصل سورة طه التي وردت فيها هذه الآية مبناها على صوت الألف،  ولما كانت الفواصل في مواضع أخر بالواو والنون قيل {مُوسَى وَهَارُونَ}.

وردّ المانعون بأن ما ذكره المجيزون في تقديم موسى على هارون في موضع وتأخيره عنه في موضع لأجل السجع ليس بحجة؛ وقالوا إن الفائدة فيه إعادة القصة الواحدة بألفاظ مختلفة تؤدي معنى واحدا، وذلك من مقتضيات الفصاحة والبلاغة، ولهذا أعيدت كثير من القصص في مواضع كثيرة مختلفة على ترتيبات متفاوتة تنبيها بذلك على عجزهم عن الإتيان بمثله مبتدأ به ومكررا.

ويمتنع استعمال القافية في كلام الله تعالى لأن الشرع سلب عنه اسم الشعر ؛ فقال تعالى: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) سورة الحاقة: 41.

وكما يمتنع استعمال القافية في القرآن لا تطلق الفاصلة في الشعر لأنها صفة لكتاب الله فلا تتعداه.

وهناك فارق مهم بين القافية والفاصلة أن مبنى الفواصل على الوقف؛ في حين أن القافية منها القوافي المقيّدة (الساكنة الروي) ومنها المطلقة (المتحركة الروي)؛ ولهذا شاع في الفاصلة مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون ومنه قوله تعالى {بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} و{ قَدْ قُدِرَ} وكذا {وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} مع {وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ}

ويشترط بعض النحاة أن تتفق حركة الروي في الشعر المقيّد حالَ إطلاقه، وبه صرح ابن الخشاب معترضا على قول الحريري في المقامة التاسعة والعشرين:

يا صارفا عني المودة … والزمان له صروفْ / ٌ

ومعنفي في فضح من … جاوزت تعنيف العسوفْ/ ِ

لا تَلْحَنِي فيما أتيتُ … فإنني بِهِمُ عَرُوفْ/ ٌ

ولقد نزلتُ بهم فلم … أرَهُم يراعون الضيوفْ/ َ

وبلوتُهم فوجدتهم … لما سبكتُهُمو زُيُوفْ/ ً

فلو أعيد إطلاق هذه القوافي لاختلفت حركة الروي (الفاء)، وسنجد البيتين الأول والثالث مرفوعين والرابع والخامس منصوبين والثاني مجرورًا.  وهذا يعده بعض العروضيين عيبا في الشعر، لكنه في الفاصلة لا يعد عيبا.

وهذا فارق جوهري بين الفاصلة وغيرها، ومَردُّه إلى أن السجع والتقفية غرض صوتي رئيس في الشعر والنثر، في حين يأتي المعنى تاليًا للإيقاع، أما في القرآن فتأتي الفاصلة مستوفيةً المعنى في المقام الأول ثم مُطربة مشجية في المقام الثاني.

طرق معرفة الفواصل القرآنية:

لمعرفة مواطن الفواصل طريقان: توقيفي وقياسي.

الأول: التوقيفي: روى أبو داود عن أم سلمة لما سئلت عن قراءة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: (كان يُقطّع قراءته آيةً آية) وقرأت {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} تقف على كل آية. فمعنى (يقطع قراءته آية آية) أي: يقف على كل آية. وإنما كانت قراءته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كذلك ليُعلم رءوس الآي؛ فما وقف صلى الله عليه وسلمَ عليه دائما تحققنا أنه فاصلة، وما وصله دائما تحققنا أنه ليس بفاصلة، وما وقف عليه مرة ووصله أخرى احتمل الوقف أن يكون لبيان الوقف التام أو للاستراحة.

الثاني: القياسي : فالقرآن محل فصل ووصل؛ والوقف على كل كلمة جائز، ووصل القرآن كله جائز. فاحتاج القِياسِيُّ من الناس إلى طريقٍ تُعرِّفُه موطن الفاصلة، وذلك بأن يعرف أن فاصلة الآية هي ما يقابل السجع في النثر وقافية البيت في الشعر. مع الأخذ في الاعتبار أن ما يذكر من عيوب القافية من السناد والإقواء والتوجيه ونحوه لا يُعَدُّ عيبًا في الفاصلة، لذا جاز الانتقال في الفاصلة من نوع إلى آخر بخلاف قافية القصيدة. ومن ثم ترى: {يَرْجِعُونَ} مع: {عليم} و: {الْمِيعَادَ} مع: {الثَّوَابِ} و: {الطَّارِقُ} مع: {الثَّاقِبُ}. وهكذا.

من فوائد الفواصل القرآنية:

أولا: اطراد الإيقاع: إذ نجد القرآن يغير من بنية الكلمة كي يطرد الإيقاع ويتحقق التطريب كما في قوله تعالى: {وَطُورِ سِينِينَ} وهو طور سيناء لقوله تعالى: {وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ}، لكن (سينين) تطّرد إيقاعيًا مع (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين …)، وكذلك يحذف حرفا كي يطّرد الإيقاع كقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ}  وأصل الفعل (يسري)، فحُذفت لام الفعل (الياء) دون جازم، وبقيت كسرة الراء دالة عليها؛ وما ذاك إلا ليطّرد الإيقاع باتحاد صوت الراء (الساكن حال الوقف) في الفواصل قبلها وبعدها. وكذلك تأخير ما أصله أن يقدم كقوله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى} في سورة طه، لأن مبنى الفواصل فيها على صوت الألف، وأصل الكلام أن يتصل الفعل بفاعله ويؤخر المفعول لكن أخر الفاعل وهو موسى لأجل رعاية الفاصلة، وللتأخير حكمة أخرى قيل إنها تتمثل في أن النفسَ تتشوق لفاعل أوجس.

ثانيًا: التمكن من التطريب: لذلك خُتمت أكثر مقاطع الفواصل بحروف المد واللين وبُنيَ أكثرها على الميم والنون لما فيهما من غُنة وتطريب؛ ففي ختم كلمة المقطع من الفاصلة بحروف المد واللين وإلحاق النون تطريب يجري على عادة العرب؛ فقد كان بعض العرب يترنمون ويمدون أصواتهم بالقوافي تطريبًا، يقول سيبويه رحمه الله: (أما إذا ترنموا فإنهم يُلحِقون الألفَ والواو والياء ما يُنوَّن وما لا يُنوَّن لأنهم أرادوا مد الصوت). ويقول الزركشي: (وناس من بني تميم يبدلون مكان المَدَّة النون).

وقد رُوي قول جرير:

أقلي اللومَ عاذلَ والعتابا … وقولي إن أصبتُ لقد أصابا

بإبدال ألف المد نونًا زيادةً في التطريب والترنّم:

أقلي اللوم عاذل والعتابَنْ … وقولي إن أصبت لقد أصابَنْ

 ثالثا: الوفاء بالمعنى : وسأتناول طَرَفًا من ذلك في نهاية هذه المقالة.

أنواع الفواصل:

أولا: تقسيم الفواصل باعتبار المتماثل والمتقارب في الحروف:

مثال المتماثلة في حرف الفاصلة، قوله تعالى: {وَالطُّورِ. وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ. وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ}؛ إذ تكرر حرف الراء مردوفًا بالواو، وقوله تعالى {طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى. ِإلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى. تَنْزِيلاً مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى. الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}

ومثال المتقارب في الحروف قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين. الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}؛ إذ الميم والنون متقاربان. وقوله تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ}؛ إذ الدال والباء متقاربان.

ويرى الزركشي أن فواصل القرآن الكريم لا تخرج عن هذين القسمين بل تنحصر في المتماثلة والمتقاربة ؛ وبناء على ذلك رجّح مذهب الشافعي على مذهب أبى حنيفة في عد الفاتحة سبع آيات مع البسملة وذلك لأن الشافعي المثبت لها في القرآن قال: {صِرَاطَ الَّذِينَ} إلخ السورة آية واحدة وأبو حنيفة لما أسقط البسملة من الفاتحة قال: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} آية و{غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} آية. قال: ومذهب الشافعي أولى لأن فاصلة قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} لا تشابه فاصلة الآيات المتقدمة ورعاية التشابه في الفواصل لازم وقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ليس من القسمين فامتنع جعله من المقاطع وقد اتفق الجميع على أن الفاتحة سبع آيات لكن الخلاف في كيفية العَدّ.

لكنني أرى أن هناك نوعًا آخر هو الفواصل المنفردة وأعني بها أن ترد فاصلة ليس لها نظير في بقية السورة من حيث: الإطلاق والتقييد، أو حرف الروي (حرف الفاصلة)، أو الردف، أو التأسيس. وقد يتحقق انفراد الفاصلة بأحد تلك الأنواع أو باجتماع بعضها في فاصلة واحدة. ومن ثمّ لا يُعد الرأي السابق الذي رجح به الزركشي مذهب الشافعي على مذهب أبي حنيفة – لا يعد حجة ملائمة؛ لأن القرآن يحتوي كثيرًا من ذلك النوع من الفواصل المنفردة التي غفلَ عنها كثير من المفسرين. وربما كان الترجيح مراعاة للملاءمة الصوتية بين الفواصل المتقاربة، لا لنفي وجود هذا النوع من الفواصل المنفردة في القرآن.

ثانيًا: تقسيم الفواصل إلى متوازٍ ومُطرَّف ومتوازن:

قال الزركشي: وأشرفها المتوازي وهو أن تتفق الكلمتان في الوزن وحروف السجع كقوله تعالى: {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ. وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ}.

والمطرف أن يتفقا في حروف السجع لا في الوزن كقوله تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}.

والمتوازن أن يراعى في مقاطع الكلام الوزن فقط دون حرف الفاصلة مثل قوله تعالى: {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ}. وقد تتوازن كلمتان لا كلمة واحدة في الفاصلة نحو قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فلفظ الكتاب والصراط متوازنان ولفظ المستبين والمستقيم متوازنان.

ثالثا: تقسيم الفواصل إلى فواصل متمكنة وموشَّحة ومُوغِلة ومُصدَّرة:

فهذه أربعة أشياء: التمكين والتوشيح والإيغال والتصدير:

الأول: التمكين: وهو أن يُؤتى قبلها بتمهيد تأتي به الفاصلة متمكنةً في مكانها، مستقرةً في قرارها، مطمئنةً في موضعها، غيرَ نافرة ولا قلقة، متعلقًا معناها بمعنى الكلام كله تعلقا تاما بحيث لو طرحت اختل المعنى واضطرب الفهم، ومن أمثلته قوله تعالى {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً}، فإن الكلام لو اقتصر فيه على قوله: {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} لأوهم ذلك بعض الضعفاء موافقة الكفار في اعتقادهم أن الريح التي حدثت كانت سبب رجوعهم ولم يبلغوا ما أرادوا وأن ذلك أمر اتفاقي فأخبر سبحانه في فاصلة الآية عن نفسه بالقوة والعزة ليزيد المؤمنين يقينا وإيمانا بأنه الغالب الممتنع وأن حزبه كذلك، وليعلم الذين كفروا أن تلك الريح التي هبّت ليست اتفاقا بل هي من إرساله سبحانه على أعدائه.

الثاني: التصدير: وهو أن تأتي كلمة في صدر الآية ثم تختم الآية بفاصلة من مادتها المعجمية وترتبط بها بعلاقة دلالية هي السببية في الغالب، نحو قوله تعالى: {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}. وقوله: {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}. وقوله: {خُلِقَ الأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ}. وقوله: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ}. وقوله: {فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.

الثالث: التوشيح: ويسمى به لكون نفس الكلام يدل على آخره، فنزل المعنى منزلة الوشاح ونزل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يجول عليهما الوشاح؛ ولهذا قيل فيه إن الفاصلة تعلم قبل ذكرها. كقوله تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}، وقوله عز وجل: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ} فإنه من كان حافظا لهذه السورة متيقظا إلى أن مقاطع فواصلها النون المُردَفة وسمع في صدر هذه الآية: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} علم أن الفاصلة (مظلمون) فإن من انسلخ النهار عن ليله أظلم.

الرابع: الإيغال: وسمى به لأن المتكلم قد تجاوز المعنى الذي هو آخذ فيه وبلغ إلى زيادة على الحد. يقال أوغل في أرض كذا: إذا بلغ منتهاها؛ فهكذا المتكلم إذا تم معناه ثم تعداه بزيادة فيه فقد أوغل. ومنه قوله تعالى: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} فإن المعنى قد تم بقوله: {وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ} ثم أراد أن يُعلم تمامُ الكلام بالفاصلة فقال: {إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} ؛ ذلك أنه لما أخبر الله تعالى عنهم أنهم صم لا يسمعون أراد تتميم المعنى بذكر توليهم في حال الخطاب لينفي عنهم الفهم الذي يحصل من الإشارة، فإن الأصم يفهم بالإشارة ما يفهم السميع بالعبارة إذا كان مقبلا، فإذا أدبر عنك فقد فاتت كل سبل الإفهام.

من الأسرار البلاغية للفواصل المنفردة:

من مظاهر تحقق الانفراد الإيقاعي للفاصلة ورودها مقيدة على اعتبار أن “مبنى الفواصل على الوقف ولهذا ساغ مقابلة المرفوع بالمجرور وبالعكس وكذا المفتوح والمنصوب غير المنون”([1])، وذلك في السور التي وردت آياتها جميعها موصولة بأصوات الوصل المعروفة (الألف أو الواو أو الياء أو الهاء).

وفي هذا النوع من الانفراد يتغير النمط المقطعي من المقطع المفتوح المنتهي بمتحرك (ص ح ح) إلى المقطع المغلق المنتهي بصامت (ص ح ص) أو (ص ح ح ص).

يرى فريق من النحويين والمفسرين أن للفواصل القرآنية قيمةً جماليةً إيقاعيةً، وأنها لا تدل بالضرورة على معنى، ويرى فريق آخر أن لكل فاصلة قرآنية دلالة معنوية لا يؤديها لفظ سواه. قد نتدبره فنهتدي إلى سره البياني ، وقد يغيب عنا فنُقِرُّ بالقصور عن إدراكه، وأميل إلى أولئك الباحثين الذين يلتمسون لكل فاصلة معنى وسرًّا بلاغيًّا، مع الاهتمام بدورها الإيقاعي بالطبع، والتماس دلالة ملائمة للإيقاع دون تعسف.

إن أصحاب الرأي الأول يرون أن إلحاق ألف الإطلاق في فواصل الآيات في قوله تعالى في سورة الأحزاب:

إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا.(الأحزاب:10).

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا.(الأحزاب:66).

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. (الأحزاب:67).

غرضه “تساوي المقاطع وتناسب نهايات الفواصل”([2])؛ إذ إن “قوما من العرب يجعلون أواخر القوافي إذا سكتوا عليها على مثل حالها إذا وصلوها؛ وهم أهل الحجاز. وجميع العرب إذا ترنموا في القوافي أثبتوا في أواخرها الياء والواو والألف”([3]).

والحق أنه لو كانت ألف الإطلاق في هذه الآيات لمجرد تساوي المقاطع وتناسب الفواصل للحقت ألف الإطلاق فاصلة الآية الرابعة في السورة نفسها (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) (الأحزاب:4)، وبخاصة أن كلمة الفاصلة هنا هي الكلمة نفسها التي لحقتها الألف في الآية السابعة والستين. لا شك أن هناك أغراضًا دلالية وراء كلا الأمرين: ورود الفاصلة مقيدة أو مطلقة بالألف أو الواو أو الياء أو الهاء؛ وبخاصة إذا ما ورد التقييد والإطلاق في سورة واحدة.

إن النظر المجمل إلى تعريف الفاصلة على أنها “قرينة السجع في النثر وقافية البيت في الشعر”([4]) كان سببا رئيسا في محاولة رد أمثال تلك الفواصل إلى مراعاة التناسب الإيقاعي كما هو الحال في الشعر والنثر المسجوع؛ لذا نظر أصحاب هذا الرأي إلى حروف الوصل في فواصل القرآن نظرَتَهم إلى حروف الوصل في الشعر، على اعتبار أن الوصل “قرين الروي غير المقيد؛ لأن تقييد الروي معناه الصمت عنده؛ ومن ثم فإن إطلاق الروي جريان به إلى الوصل، وما دام الوصل تتمة للروي فاللزوم فيه بداهة متحقق ما دمنا قد التزمنا حد الروي”([5]). والحق أن هذا اللزوم متحقق في كثير من سور القرآن ، إلا أن هناك مواضع عدل القرآن فيها عن الفاصلة المطلقة -في السورة الواحدة بل في القصة الواحدة- إلى الفاصلة المقيدة، والعكس. ولا شك أن لهذا العدول الإيقاعي دلالات أو إيحاءات يحددها سياق الآيات السابقة واللاحقة؛ إذ للأصوات آثار ينصرف علم الأصوات السمعي إلى بيان وقعها “في أذن السامع، من الناحيتين العضوية والنفسية”([6]).

ففي قوله تعالى في سورة الأحزاب: (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا).(الأحزاب:10). جاءت الفاصلة موصولة بالألف على هيئة المقطع المفتوح المتوسط الطول (نَا: ص ح ح) لا من أجل أن يتساوى مقطع هذه الفاصلة مع بقية مقاطع فواصل السورة إنما لغرض دلالي؛ إذ إنّ في مَدّ الصوت بالألف عند الوقف إشارةً إلى إطلاق تلك الظنون والذهاب بها كلَّ مذهب، ولِمَ لا وقد جاءهم الأحزاب من كل حَدَبٍ وصوب وبلغت القلوب الحناجر. ويؤكد ذلك ورود المصدر جمعًا، و”المصادر تجمع إذا اختلفت أجناسها”([7])؛ إذ بين المسلمين منافقون ظنوا “أن المسلمين يُستأصلون وظن المؤمنون أنهم يُنصرون”([8])، “فقوله: (الظُّنُونَا) أفاد أن فيهم من أخطأ الظن ، ولو قال تظنون بالله ظناً ما كان يفيد هذا”([9]). إن هذا السياق ناسبه الإتيان بألف الوصل لتؤكد إطلاق تلك الظنون المتباينة.

وفي قوله تعالى في آخر سورة الأحزاب: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} (الأحزاب: 66-67) نجد أن السياق يرشح إتيان الفاصلة في الآيتين موصولة بالألف على هيئة المقطع المفتوح المتوسط الطول (لَا: ص ح ح) لا من أجل أن تتساوى المقاطع وتتناسب نهايات الفواصل بل لغرض معنوي؛ إذ الكلام على لسان الكافرين وهم يصطرخون في نار جهنم، ويمدون أصواتهم بالعويل، نادمين –ولاتَ ساعةَ مندمٍ- على عدم اتباع الرسول، وطاعة سادتهم الذين زينوا لهم الباطل فأضلوهم سبيل الحق. ففي زيادة الألف إطلاقٌ للصوت حكايةً لمد أصواتهم بالاصطراخ والعويل، وتجسيدًا للمشهد وكأننا نبصرهم يتقلبون في نار جهنم ونسمع صراخهم وبكاءهم.

أما في قوله تعالى في سورة الأحزاب نفسها: {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}(الأحزاب: 4) وقوله تعالى في سورة الفرقان: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ} (الفرقان:17) جاءت الفاصلة غير موصولة بالألف على هيئة المقطع الطويل المغلق (بِيل: ص ح ح ص) في حين أن آياتِ السورتين جميعَها – عدا هاتين الآيتين – جاءت موصولة بالألف على هيئة المقطع المفتوح المتوسط الطول (ص ح ح)، ولو كان تساوي المقاطع وتناسب الفواصل هو الغرض الأوحد للحقت ألف الوصل هاتين الفاصلتين، كما لحقتها في آية سورة الأحزاب نفسها في قوله تعالى: (فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) (الأحزاب:67). وكذلك الأمر في سورة الفرقان؛ إذ وردت كلمة (سبيلا) نكرة موصولة بالألف أربع مرات في السورة نفسها هي قوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا} (الفرقان: 27) ، وقوله عز وجل: {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان:34) ، وقوله عز من قائل: {وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان: 42) ، وقوله تعالى: {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا} (الفرقان: 44) . لكنه لما كان المعنى هو المقصود الأول للقرآن وردت كلمة (السبيل) في هاتين الآيتين معرفة بالألف واللام؛ لأن سبيل الحق سبيل واحد معروف، ولا سبيل غيره؛ إنه ذلك السبيل الذي يهدي إليه الله عز وجل من يشاء من عباده {وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ}(الأحزاب: 4)، أما سبُل الضلال فكثيرة متشعبة لا تفضي بصاحبها إلا إلى الضلال. فلما كان سبيل الحق يخالف تلك السبل جاءت الفاصلة مخالفة لتلك السبل إيقاعيا – في سورتي الفرقان والأحزاب – لتتأكد المفارقة بين سبيل الحق وسبل الضلال. ولم تدخل ألف الوصل في (السبيل) كما دخلت في (السبيلا) في آخر سورة الأحزاب لأن السياق هناك سياق خاص هو سياق مد الصوت بالعويل والاصطراخ في جهنم كما أوضحنا، ولألف الوصل فيه دلالة خاصة تتفق مع ذلك السياق.

وفي قوله تعالى: { ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلا إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا } (المدثر 11-17) عُدل في قوله عز وجل : {ثم يطمعُ أن أزيدَ} من الإطلاق إلى التقييد، على الرغم من أن الفعل منصوب بـ(أن) ، مما يجعل ورود ألف الوصل له ما يبرره؛ لكن الفاصلة جاءت مقيدة غير موصولة بالألف. فهذا الكافر وهو الوليد بن المغيرة “يطمع بعد هذا كله أن أزيده في المال والولد. وقال الحسن وغيره : أي ثم يطمع أن أدخله الجنة ، وكان الوليد يقول : إن كان محمد صادقا فما خلقت الجنة إلا لي ؛ فقال الله تعالى ردا عليه وتكذيبا له : {كَلَّا} أي لست أزيده”([10])، “والكافر لا يستحق المزيد”([11]) وفي {كَلَّا} “ردع وزجر عن طمعه الفارغ، وقطع لرجائه الخائب، أي: لا نجمع له بعد اليوم بين الكفر والمزيد من النِّعم، فلم يزل بعد نزول الآية في نقصان من المال والجاه، وانتكاس، حتى هلك”([12]).

إن هذا القطع لرجائه ونقصان ماله ناسبه أن تأتي الفاصلة في قوله تعالى (أن أزيد) منفردةً عن غيرها من فواصل ذلك الجزء من السورة؛ إذ جاءت على هيئة المقطع الطويل المغلق (زِيد: ص ح ح ص) ؛ وبذلك يتناسب نقصان ماله وجاهه مع هذا الإيقاع المغلق المنتهي بالصامت. كما أن ردعه وزجره عن طمعه ناسبه أن يُعدل عن المقطع المتوسط المفتوح (دَا: ص ح ح) -إذ الروي (حرف الفاصلة) الدال الموصولة بالألف التي يوحي فيها الإطلاق الصوتي بإطلاق العطاء فيما مضى (مالا ممدودا وبنين شهودا…) – إلى ذلك المقطع الطويل المغلق لكي يوقف على حرف الروي (الدال) بالسكون فيتحقق له شيء من الشدة والانفجار عند النطق وهو ما يُعرف بالقلقلة التي “لا تعدو أن تكون تحريكا خفيفا لا يدخل في إطار الصوت بالمعنى الاصطلاحي الموسوم بالفتحة أو الضمة أو الكسرة ، إنه في حقيقة الأمر مجرد إطلاق الهواء (release) بعد الوقفة الحادثة عند بداية النطق بالصوت الشديد المجهور ليحدث الانفجار، فيكتمل نطق هذا الصوت الشديد ويتحقق”([13]). إن ذلك العدول الإيقاعي بهبوط نغمة إيقاع هذه الفاصلة ثم صعود نغمة إيقاع الفواصل التالية مرة أخرى يوحي بالجزم في عدم الزيادة التي عهدها من قبل، وذلك الجزم والحسم أكده السياق اللغوي للآيات اللاحقة التي بدأت بـ(كلا) زجرًا له، وأكده كذلك سياق حاله بعد نزول الآيات ؛ إذ ما زال في نقص من ماله وجاهه حتى هلك.

وفي قوله تعالى في نهاية الحديث عن قصة فرعون مع موسى بسورة طه: (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) (طه: 78) نلحظ أن فواصل الآيات التي تحكي قصة فرعون وموسى –عليه السلام- جاءت جميعها –فيما عدا هذه الآية- على هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة (ص ح ح) كما في المقاطع الآتية على سبيل المثال لا الحصر:(نِي، لِي، رَا، سَى، شَى، غَى) من كلمات الفواصل الآتية: (لساني، قولي، أهلي،كثيرا، بصيرا، موسى، يخشى، يطغى)، حتى إذا ما وصلنا إلى نهاية القصة عدل القرآن -في فاصلة الآية التي تحكي نهاية فرعون وجنوده بغرقهم في اليم- إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المغلق (هُمْ: ص ح ص) في قوله (غشيهم)، ولو كان مراد القرآن مجرد مراعاة اطراد الفواصل -وبخاصة في القصة الواحدة- لاستبدل بـ (غشيهم) (يغشى) أو ما إلى ذلك من مفردات، لتتوافق هذه الفاصلة مع بقية فواصل القصة إيقاعيًّا. لكنه لمـَّا كان القرآن يؤثر المعنى على تناسب الإيقاع، عدل في الآية التي تجسد نهاية القصة إلى ذلك المقطع المغلق المنتهي بصامت، فيما يشبه إسدال الستار في نهاية المشهد الختامي لذلك الصراع الطويل بين الحق والباطل. ولعل في انغلاق الشفتين عند النطق بالميم الساكنة من (غشيهُمْ) مناسبةً شكليةً مع هيئة انطباق جانبي البحر على فرعون وجنوده، وما ساد من سكون لفّ الكون في تلك اللحظة الفارقة بين الحق والباطل، ثم تعود الآية التالية إلى الإيقاع الأصلي لفواصل القصة: (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) (طه: 79) فيما يشبه التعليق الختامي للمُشاهِد لتلك الأحداث، وإنما آثر القرآن العودة بإيقاع هذه الفاصلة إلى الإيقاع الأول لارتباط مضمونها بمضمون قصة موسى وفرعون؛ إذ تقابل قول فرعون في سورة غافر: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر: 29).

لقد انتهى بإغراق فرعون وجنوده فصلٌ من فصول الصراع بين الحق والباطل. وعاد إيقاع الفواصل مرة أخرى إلى هيئة المقطع المتوسط الطول المفتوح المنتهي بحركة طويلة (ص ح ح) -وهو الإيقاع الأصلي لفواصل هذه السورة- إذ تحكي الآيات فصلاً آخر من الصراع بين الحق والباطل، لكنه هذه المرة بين موسى والسامري، ولمّا كان موسى –عليه السلام- طرفَ الحق في القصتين كلتيهما جاءت الفواصل في آيات القصتين على نمط واحد([14]).

_____________________________

الحواشي:

([1]) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ج1ص69، وانظر: الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، ج5 ص1824.

([2]) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ج1ص61 وانظر: روح المعاني، الألوسي ج16ص237 (دار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ت.)، و: التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور، ج16ص271 (دار سحنون، تونس، 1997م) و: البيان في روائع القرآن، د. تمام حسان، ج1ص200.

([3]) معاني القرآن للأخفش، تحقيق: د. هدى قراعة، ج1ص79 (مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990م).

([4]) مناهل العرفان في علوم القرآن، محمد عبد العظيم الزرقاني، ج1ص341 (مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الثالثة، د.ت.)، وانظر: القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز، الشيخ رضوان المخللاتي، ص124.

([5]) القافية تاج الإيقاع الشعري، د. أحمد كشك، ص64-65 (دار غريب، القاهرة، 2004م).

([6]) علم الأصوات، د. كمال بشر، ص8 (دار غريب، القاهرة، 2000م).

([7]) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، ج7ص420 (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م).

([8]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، تحقيق: هشام سمير البخاري، ج14ص114(دار عالم الكتب، الرياض، 1423هـ/2003م).

([9]) مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، ج25ص161 (دار الكتب العلمية، بيروت، 2000م).

([10]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج19ص72.

([11]) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، ج 8ص365.

([12]) البحر المديد، أحمد بن محمد بن عجيبة، ج8ص175 (دار الكتب العلمية، بيروت، 2002م).

([13]) علم الأصوات، د. كمال بشر، ص380.

([14] ) للاطلاع على أنواع الفواصل المنفردة وأسرارها، راجع: إيقاع الفواصل المنفردة: دراسة دلالية في القرآن الكريم، د. محروس بريك، مجلة كلية دار العلوم – جامعة القاهرة – ع65 – 2012م.

المراجع:

  • الإتقان في علوم القرآن، السيوطي، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملك فهد، ( مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، السعودية، د. ت.).
  • الإعجاز البياني للقرآن الكريم، د. عائشة بنت الشاطئ، (دار المعارف، القاهرة، 1971م).
  • البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، تحقيق: عادل عبد الموجود، وعلي معوض، (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 2001م).
  • البحر المديد، أحمد بن محمد بن عجيبة، (دار الكتب العلمية، بيروت، 2002م).
  • البرهان في علوم القرآن، الزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، (مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1957م).
  • بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروزآبادي، تحقيق: محمد علي النجار، (لجنة إحياء التراث، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، 1964م).
  • البيان في روائع القرآن ، د. تمام حسان، (الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2002م).
  • التوجيه الوافي بمصطلحات العروض والقوافي، محمد يوسف علي العثماني، (طبعة الهند، 1881م/1299هـ).
  • دراسة بلاغية في السجع والفاصلة القرآنية، د. عبد الجواد محمد طبق، (دار الأرقم، القاهرة، الطبعة الأولى، 1993م).
  • دراسات لغوية في القرآن الكريم، د. أحمد مختار عمر، (عالم الكتب، القاهرة، الطبعة الأولى، 2001م).
  • علم الأصوات، د. كمال بشر، (دار غريب، القاهرة، 2000م).
  • الفاصلة في القرآن الكريم، محمد الحسناوي، (دار عمار، الأردن، الطبعة الثانية، 2000م).
  • فواصل الآيات القرآنية، د. كمال الدين المرسي (المكتب الجامعي الحديث، الأسكندرية، الطبعة الأولى، 1999م).
  • فواصل الآيات القرآنية: دراسة بلاغية دلالية، د. السيد خضر (مكتبة الآداب، القاهرة، الطبعة الثانية، 2009م).
  • في ظلال القرآن، سيد قطب، (دار الشروق، القاهرة، د.ت.).
  • القافية تاج الإيقاع الشعري، د. أحمد كشك، (دار غريب، القاهرة، 2004م).
  • القول الوجيز في فواصل الكتاب العزيز، الشيخ رضوان المخللاتي، تحقيق: عبد الرازق إبراهيم موسى، (طبعة وزارة الإعلام، المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1412هـ/1992م).
  • المُحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي، (دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1993م).
  • معاني القرآن، الأخفش، تحقيق: د. هدى قراعة، (مكتبة الخانجي، القاهرة، الطبعة الأولى، 1990م).

التعليقات مغلقة.