القيمة الأخلاقيَّة لكتاب”المَلاحِن” لابن دريد، بقلم: د.محمد علي عطا

القيمة الأخلاقيَّة لكتاب”المَلاحِن”

د. محمد علي عطا

Ma.ata.2020@gmail.com

“المَلاحِن” هو كتاب من تأليف العلامة الأديب اللغوي ابن دُرَيد الأَزْديّ(ت321هـ)، صاحب كتب: “الجمهرة”، و”الاشتقاق”، و”الأمالي”، و”صفة السرج واللجام”، و”المطر والسحاب”، و”المجتنى”، وغيرها من الكتب النافعة.

 وهو معجم من معاجم المعاني، يشمل الألفاظ التي لها معنى قريب يعرفه الجميع ومعنى غير شائع لا يعرفه إلا لغوي، فكأنها لغز من الألغاز، مثال تلك الكلمات: كلمة(أَعْلَمْتُه) فإن لها معنى شائعا يعرفه العامة وهو أعلمته الخبر، ولها معنى بعيد وهو شقَقْتُ شَفَتَه العُليا،  وكلمة(كَلْبٌ) لها معنى شائع يعرفه الجميع وهو الحيوان المعروف ولها معنى بعيد وهو المسمار في قائم السيف، وكلمة(الفَهْد) لها معنى شائع عند العامة وهو الحيوان المعروف ولها معنى بعيد لا يعرفه إلا المتخصص وهو مسمار في وسط رَحْل الدَّابَّة، وهكذا.

الاهتمام به قديما:

حظي هذا الكتاب بالاهتمام منذ القدم حيث اهتم الرواة بروايته كما في فهرست ابن خير الإشبيلي(ت575هـ) ([i])، حيث ذكر أربعة طرق لروايته. ولخصه السيوطي(ت911هـ) في المزهر([ii])، كما نسج المؤلفون على منواله كما سيأتي.

تحقيقه ونشره:

نشره “وليم رايت” في ليدن 1859م، ونشرته المطبعة السلفية، وطبعه المستشرق هينرش توربكة في جامعة هيدلبرج 1882م معتمدا على مخطوطة غوتا، ونشر بمصر 1323هـ، وحقَّقه أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش الجزائري، ونشر مرة بتحقيقه في المطبعة السلفية 1347هـ، ومرة أخرى في دار الباز للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، ودار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1407م= 1987م، ثم حقَّقه د. عبد الإله نبهان، تحت عنوان “الملاحن معجم تراثي في الدلالات غير الشائعة للألفاظ”، فقد أضاف لاسمه عبارة توضيحية تبين موضوعه،  ونشر أولا في وزارة الثقافة بدمشق عام 1992م، ثم في مكتبة لبنان، ط1، 1996م.

هدف الكتاب:

ذكر ابن دُرَيد في مقدمته هدفه من تأليفه، فقال: “هذا كتاب ألَّفناه ليفزع إليه المجبَر المضطهد على اليمين، المكرَه عليه فيعارض بما رسمناه ويُضْمر خلاف ما يُظهر؛ ليسلم من عادية الظالم ويتخلَّص من جنَف الغاشم”.

ويفهم من هذا الكلام أن هدفه هدف نبيل وهو إيجاد مخرج للمظلوم المُكْره على اليمين، وهذا الهدف قد يصدق على من يحلف: “واللهِ، ما سألتُ فلانًا حاجةً قَط”، يريد بالحاجة: ضربا من الشجر له شوكٌ؛ فقد يكون حَلِفُه لنفي علاقته بشخص تستريب فيه السلطة أو الحاكم ويريد المتهم أن ينفي صلته به، ويصدق هذا أيضا على من يحلف: “والله، ما رأيتُ فلانًا قَطُّ ولا كَلَّمْتُه”، يريد برأيته: ضربتُ رئتَه، وبكَلَّمْته:جرحته، وكذلك في حلف الحالف: “والله ما أَعْلَمْتُ فُلانًا ولا أَعْلَمَني”، و”والله ما أخذتُ من فلان خُفًّا ولا نَعْلا”، يريد بالخُفِّ خُفَّ الإبل وبالنَّعْل القطعة الغليظة من الأرض، و”والله، ما أخذت من فلان جُبَّة ولا لبستها”، يريد بالجُبَّة جُبَّة السِّنان وهي الموضع الذي يُدخَل فيه رأس الرُّمح، و”والله، ما كنتُ ساعيًا قَطّ ولا أصلحُ لذلك”، يريد بالسَّاعي الذي يلي الصدقات، و”والله ما دخلتُ لفلانٍ بيتًا”، يريد بالبيت القبر. والحالف:”والله، ما لي في هذا الكتاب خطٌّ”، يريد بالخط سِيْف البحر؛ أي شاطئه.

صدقه في هدفه:

 ولكننا نصدم في هذا الهدف النبيل حين نجد في الكتاب ما يخالفه، بل يعكسه إلى مساعدة الجاني على الكذب وعلى استباحة الأعراض وعلى الخروج من تنفيذ حد الله عليه، ومثال ذلك قول الحالف:”والله، ما لفلان عندي جاريةٌ ولا اغتصبته عليها”، يريد بالجارية المعنى البعيد الذي لا يعرفه إلا ضميره وهو السَّفينة، فهل يحلف هذا الحلف إلا من اغتصب جارية بالفعل، ويريد أن يخرج من التهمة؟ وقس على ذلك قوله:”والله، ما كسرت لفلان ضَرْسا ولا سنًّا”، يريد بالسِّنِّ قطعة من العشب تتفرق في الأرض أو الثَّوْر الوَحْشي، وبالضرس قطعة من المطر تقع متفرقة في الأرض، وقول الحالف:”والله، ما ظلمت فلانا ولا غيره”، يريد ما سقيته الظَّلَيم وهو اللبن قبل أن يروب، وقول الحالف:” والله، ما أخذت من فلان حَلِيًّا ولا رأيته”، يريد بالحَلِيِّ ضربا من النبت ترعاه الإبل، وقول الحالف:”والله ما رأيت له أَتَانًا ولا أخذتها منه”، يريد بالأتان صخرة في بطن الوادي، وقول الحالف:”والله، ما أخذت له دَجاجة ولا فرُّوجا”، يريد بالدَّجاجة الكبَّة من الصوف وبالفروج الدَّرَّاعة، وقول الحالف:”والله ما أخذت لفلان بقرة ولا ثورا”، يريد بالبقرة العيال الكثيرة ويريد بالثور القطعة العظيمة من الأَقِط، وقول الحالف:”والله، ما ضربت لفلان بطنا ولا ظهرا”، يريد بالبطن المنخفض من الأرض، ويريد بالظهر المرتفع من الأرض، وقول الحالف:”والله، ما مسست أَليْة فلان”، يريد بالأَلْية أصل الإبهام، وقول الحالف:”والله، ما كشفت لها قِناعا، ولا عرفت لها وجها”، يريد بالقناع الطبق وبالوجه القَصْد، وكثير من مادة الكتاب على هذا المنوال، منها الكلمات رقم: 90، 126، 134، 137،150، 167، 173، 177، 182.

وقد لمَّح لذلك -دون استقصاء – محقق الملاحن الدكتور عبد الإله نبهان (ص19) حيث يقول: “فزعم أنه ألفه ليفزع إليه المجبَر المضطهد على حلف اليمين فينجو من جنف الظالم وحيفه؛ أي أنه قدَّم سببا دينيًّا شرعيًّا لتأليفه، ولا أحب أن أنفي ما زعمه وإن كنت أرجح أن غايته الأساسية إنما هي غاية تعليمية الغرض منها الرياضة اللغوية، وحفظ المزيد من مفردات اللغة، وحفظ المعاني المعجمية الأخرى لكثير من الألفاظ المشهورة بمعنى واحد بين الناس”.

كما نبَّه الدكتور شرف الدين الراجحي في كتابه”محمد ابن دريد وكتابه الجمهرة”([iii]) إلى هذا الأمر، وربط بين صنع ابن دريد وما عرف في الفقه بالحيل الشرعية التي وقف ضدها بعض الفقهاء، فقال:”ومجمل القول أن كتاب ابن دريد في الملاحن يشبه مسألة الحيل فهو يتساهل أو يتسامح ويتحايل على اللغة للميل إلى معنى آخر”.

دورته التراثية:

وهذا الكتاب ينتمي إلى دورة تراثية صغيرة هي دورة فن الملاحن، ألَّف فيها:

-المفجَّع البصري(ت327هـ) كتاب “المنقذ من الأيمان”، ولم تبق منه غير نصوص في خزانة الأدب([iv])؛ في الموضع (3/336) وفيه أنه ترجم لمحمد بن اليحمدي، و(3/117) وفيه ذكر للغري وهو موضع بالكوفة، وفي معجم البلدان(3/247) وسماه المنقذ من الأيمان في أخبار ملوك اليمن، وفيه حديث عن قصة الملك شمر وفتحه سمرقند، وفي(3/440) ذكر أنه وضعه على مثال الملاحن لابن دريد، وفي هذا الموضع ذكر للصين ومن نسب إليها.

-وأبو العلاء المعري(ت449هـ) في بعض نصوص “الصاهل والشاحج” ([v]).

-وابن فارس(ت495هـ) ألف كتاب”فُتْيَا فقيه العرب”([vi]).

-والحريري (ت516هـ) في مقامته الثانية والثلاثين؛ الطيبية.

-والكلاعي محمد بن عبد الغفور(ت550هـ) في فصل من  كتابه”إحكام صنعة الكلام”، وسمَّاه المورَّى([vii]).

ورغم أن اسم كتاب المفجَّع البصري يوحي بأنه سارٍ على منهج ابن دريد نفسه في الحلف على شيء يجهله المستمع ويقصده الحالف ونص البغدادي على هذا الشبه، إلا أن النصوص القليلة التي وصلت لنا لا تدل على ذلك، ففكرتنا عن منهجه مشوشة.

وأما أبو العلاء المعري(ت449هـ)، فقد أدار الأمر في “الصاهل والشاحج” (ص 222-224) على حكاية تاريخية عن سمات أهل البيت وأفعالهم، مثل : “وكان علي عليه السلام يرحم الأرملة، ويبر اليتيم، ويضرب بحد سيفه أم الصَّبيين، ويقطع يد الفيل على السَّرَق..إلخ”.

وأما كتاب ابن فارس(ت495هـ) فصياغته أنبل من صياغة ابن دريد أيضا، حيث تخيل لغويًّا يسأل فقيهًا سماه”فقيه العرب” بألغاز لغوية فيجيب بلا تردد ملاحظا المعنى البعيد المراد لا المعنى القريب، ثم يشرح ابن فارس المعنى البعيد الذي فهمه الفقيه، مثال ذلك: “قيل لفقيه العرب: هل يجب على الرجل إذا أسهد الوضوء؟ فقال: نعم. والإسهاد أن يمذي الرجل”.

وأما الحريري(ت516هـ) فقد قلَّد ابن فارس(ت495هـ) في مسألة المستفتي والفقيه الأريب.

 وأما الكلاعي فقد بدأ فصله بتعريف معنى المُورَّى وذكر أمثلة له من السنة النبوية، ومن الآثار، والذي ذكره تورية في الجملة كلها وفي المعنى، فهي مرادفة للكناية، وليست تورية في اللفظة، ثم ذكر من اهتم بهذا الفن وذكر ابن دريد وابن فارس والمعري، ثم ذكر قطعة مما أنشأه في هذا الفن معارضةً “للصاهل والشاحج” لأبي العلاء المعري، في رسالة سماها”الساجعة والغريب”،  وهي حوار بين حمامة وغراب، وجاءت التورية فيها في اللفطة كما عند ابن دريد وابن فارس والمَعَرِّي، وبدلا من أن تكون سؤالا وجوابا من فقيه أدارها على وصف حال فقيه واخياراته الفقهية- كما يتضح من القطعة التي ذكرها-([viii])، ثم بعد سوق قطعته ذكر نوعا آخر من المورَّى، وهو ما يجري مجرى اللُّغْز في النثر، ثم ذكر ما كان منه من لُغْزٍ في الشعر.

وممَّا سبق يظهر أن كل كتب هذه الدورة التراثية تقريبا صاغت الأمر صياغة شريفة عدا ابن دريد.

والحيل اللغوية تأخذ حكم الحيل الفقهية، ويمكننا تقسيمها -كما تقسم الحيل الفقهية – بحسب الباعث عليها وهدفها إلى نوعين:

1-حيلة لغوية تستهدف إبطال حق أو إحقاق باطل وهذا نوع خطير ومحرَّم.

2- حيلة لغوية تستهدف إثبات حق أو دفع باطل، وهذا قد يصل لدرجة الوجوب في بعض الحالات.

وخلاصة الأمر أن الإمام الأديب اللغوي ابن دريد صاغ الكتاب على نحو أخرج  غالب محتواه-دون قصد- إلى منحى غير أخلاقي ربما يساعد ذوي الأخلاق المنحرفة على الخروج من الحدود، وكان يمكن أن يتخير له صيغة شريفة كما فعل مَن بعدَه.

وعلى كلٍّ فخطورة الأمر ليست كبيرة خاصة في زمننا هذا؛ لانتفاء وجود المحتال العالم باللغة، فهذا أمر ارتبط بفترة رفاهية لغوية تماما كما ارتبطت الحيل الفقهية بفترة رفاهية فقهية، جادَى الغيثُ هاتين الفترتين! وتبقى للكتاب قيمته اللغوية لم تُمَسّ.

_______________________

الهوامش:

([i])  انظر فهرسة ابن خير الإشبيلي، (1/325-326)، تحقيق محمد فؤاد منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، 1998م.

([ii])  انظر المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي، (1/445-447)، تحقيق فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1998م.

([iii])  انظر محمد ابن دريد وكتابه الجمهرة، (ص159، 220)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985م.

([iv])  انظر خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغدادي، تحقيق محمد نبيل طريفي، وإميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت.

([v])  تحقيق بنت الشاطئ، ص(222)، دار المعارف، ط2، 1984م.

([vi])  وقد حقَّقه الدكتور حسين علي محفوظ، ونشره في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد 33، يوليو 1958م، ص443، وما بعدها، والجزء الثاني نشره فيها في العدد 4 ديسمبر 1958م، ص633.

([vii])  إحكام صنعة الكلام في فنون النثر ومذاهبه في المشرق والأندلس، لأبي القاسم محمد بن عبد الغفور الكلاعي الإشبيلي الأندلسي، تحقيق دكتور محمد رضولن الداية، ص185-192، عالم الكتب، ط2، 1985م.

([viii])  هذه الرسالة مفقودة حتى الآن، وذكر الكلاعي ص 188، أن أبا بكر بن العربي الوزير الفقيه(ت543هـ) مدح رسالته هذه برسالة سماها “لمحة البارق في تقريظ لواحظ السابق”، وذهب باحث إلى أنها معارضة لرسالة الكلاعي، وذكر أن ممن عارضها أيضا من أهل الأندلس الوزير أبو أيوب ابن أبي أمية كما في الإحكام ص138. انظر الدرس البلاغي عن أبي القاسم الكلاعي في كتابه إحكام صنعة الكلام، رسالة ماجستير للطالب لطفي عبد الكريم، ص 28-29، جامعة أبي بكر بلقايد، تلمسان، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية وآدابها، 2005م.

التعليقات مغلقة.