نُسَخُ جَمْهَرَةِ ابنِ دُرَيْدٍ علَى مَدَارِ التَّاريْخِ – د. محمد علي عطا

نُسَخُ جَمْهَرَةِ ابنِ دُرَيْدٍ علَى مَدَارِ التَّاريْخِ

13346624_10209193508333341_7684041628349350927_n

د.محمد علي عطا

Ma.ata.2020@gmail.com

دعا السيوطي (ت911هـ) في كتابه”المزهر في علوم اللغة” أن يطبق علوم الحديث على اللغة وعلومها، وأفرد بابا للحديث عن الخط العربي وأول من كتب به، وبابا للتصحيف والتحريف، ولم يتحدث عن النسح الخطية وكيفية توثيقها وتدقيقها وتقييمها، كما ورد في كتب علوم الحديث.

ورغم كثرة الدراسات التي خدمت تراث ابن دُرَيْدٍ(ت321هـ) عامة وكتاب الجمهرة خاصة فإنه تبقَّت ثغرتان أولاهما جمع ذكر نُسَخ الجمهرة، وتتبع سيرتها على مدار التاريخ، والثغرة الثانية هي جمع أسانيد رواية الجمهرة من بطون كتب التراجم والبرامج ووصل ما يمكن وصله منها حتى يتصل بابن دريد، فعزمت على سد الثغرة الأولى ويسر الله لي سد الثغرة الثانية.

وبعض الناس ينظرون للنسخ الخطية على أنها مجرد وعاء، وأنا أنظر إليها على أنها حياة وحضارة، فهي شاهد على الحركة العلمية للأمة عامة، وعلى حركة الكتاب الذي تحمِلُه خاصة، وعلى حياة من ألفه ومن نسخه ومن قرأه ومن باعه ومن اشتراه، كلها أنفاس تعْلَق بذرَّات الورق، ودراما متكاملة تحكي سعادة من نَسَخ ومن اشترى، وفخر من قرَأ وروَى، ومن عقَّب وحشَّى، وبؤس من باع مضطرًّا.

ونُسَخ كتاب “جمهرة اللغة” لابن دُرَيْدٍ (ت321هـ) من الشواهد على هذه الحياة والحضارة، ومن رعاية الله أن حفظ لنا التاريخ ذكر مائة واثنتين وثلاثين نسخة تقريبا من نسخ هذا الكتاب، تداولتها الأيادي في الفترة من(356-1093هـ)، منها مائة كاملة كانت في خزانة العزيز بالله(ت386هـ) وحده، وبقي منها ما بقي وضاع منها ما ضاع، والنسخ التي وقفت على ذكر لها هي:

  1. نسخة أبي علي القالي(ت356هـ): وكانت عند أبي عمران موسى بن رباح بن عيسى، حتى شهور سنة (375هـ)، وقد قرأها عليه في مصر في القَرَافة أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرَّزاذ النَّجِيرَميّ(ت423هـ)، كما على طُرَّة إحدى نسخ الجمهرة التي اعتمد عليها منير بعلبكي.
  2. نسخة جَخْجَخ(ت358هـ): أملى ابن دُرَيد (ت321هـ) الجمهرة عدة مرات من حفظه؛ لذا اختلفت نسخه، وكان آخر ما صحَّ منها نسخة أبي الفتح عبيد الله بن أحمد بن محمد النحوي المعروف بــ”جَخْجَخ”(ت358هـ)؛ لأنه كتبها من عدة نسخ وقرأها على ابن دريد([1]).
  3. نسخة المَرَاغي، أبي الفتح محمد بن جعفر الهمداني الوادعي: أشار إليها السِّيْرَافي(ت368هـ) في حواشيه على إحدى نسخ الجمهرة([2]).
  4. نسخة ابن خَالَوَيه (ت370هـ): وقد رآها ابن العَديم(ت660هـ)، ورأى قراءة عدة أشخاص عليها، هم:

-أبو النَّمِر أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس الطرابلسي اللغوي (كان حيًّا 413هـ)، قرأها على ابن خالَوَيه بحلب سنة (370هـ)؛ أي في نفس سنة وفاة ابن خالويه، وقد شاهد ابن العَديم(ت660هـ) قراءته على أصل ابن خالويه بخطه([3]).

 -وقرأه عليه أيضا إسحاق بن عمَّار بن جُشِّ بن محمد بن جُشّ، أبو يعقوب الأزدي المُهَلَّبِي، شيخ المِصِّيْصَة وأميرها، وقد شاهد ابن العَدِيم(ت660هـ) سماعه وسماع ولده محمد بن إسحق على نسخة أبي عبد الله بن خالويه من الجمهرة في سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة([4]).

-وأبو صالح بن نَانَا السَّدِيد (كان حيًّا371هـ) كاتب الأمير أبي المعالي شريف بن سيف الدولة بحلب، وجد ابن العَديم(ت660هـ) قراءته على أبي الحسين بن خالويه بخطِّه عليها([5]).

  1. نسخة أبي عبيدة صخر بن محمد، كتبت(377هـ): ومنها المجلد السادس وهو آخر كتاب الجمهرة كان بخزانة العلامة صدر الدين الحسيني العلوي البغدادي، وعلى ظهره:”قرأ عليّ أبو عبيدة صخر بن محمد هذا الكتاب من أوله إلى آخره، وكتب محمد بن إسحاق المؤدِّب بخطِّه”. وعليه أيضا بخط أبي عبيدة صخر المذكور:”قرأت هذا الكتاب من أوله إلى آخره على أبي عبد الله محمد بن إسحاق المؤدِّب قال: أخبرنا أبو سعيد السِّيْرَافي، قال: أخبرنا الحسن بن دريد الأزدي، وكتب صخر بن محمد أبو عبيدة بخطه في غرة شعبان سنة(377هـ)، وسمع بقراءتي: أبو منصور الحاتمي، وأبو نصر الطلابي، والحمد لله”. وهذ الجزء من أقدم نسخ الجمهرة([6]).
  2. نسخة كتبت (379هـ): موجودة في القسطنطينية في جامع السلطان أحمد خان([7])، ولم يعتمد عليها أي من محققي الجمهرة.
  3. نسخة البَرْنِيقيّ(كان حيًّا384هـ): وقد رأى القِفْطي(ت646هـ) نسخة منه بخط علي بن نصر بن سليمان أبي الحسن البَرْنِيْقِيّ النحوي نزيل مصر(كان حيًّا 384هـ)، وكان خطه حسنا يحرص الناس على اقتنائه، وبيعت هذه النسخة في تَركِة الجمال البَجَلي البغدادي، ابن الفضل الكَرْخِي، مدرِّس المدرسة الحنفية بالقاهرة بمبلغ أربعة وعشرين دينارا مصريا، اشتراها سيف الدولة المبارك بن منقذ التَّبْريزي(ت589هـ) أحد أمراء الدولة الصَّلاحية، ولولا الحياء منه لبيعت بأكثر من ذلك([8]).
  4. نسخ العزيز بالله الفاطمي(ت386هـ): وذكرت عند العزيز بالله الفاطمي(ت386هـ) جمهرة ابن دريد فأخرج منها مائة نسخة كان يحتفظ بها في مكتبته([9]).
  5. نسخة جُنَادة بن محمد أبي أسامة الهَرَوي الأزْدِي(ت399هـ)، كتبت(397هـ): ومنها المجلد الرابع كان بخزانة العلامة صدر الدين الحسيني العلوي البغدادي، وعلى ظهره خط جُنادة بن محمد بن الحسين الأزدي الهروي اللغوي(ت399هـ)، وصورته:”قرأ عليَّ هذا الجزء من أوله إلى آخره أبو سهل محمد بن علي الهروي النحوي(ت433هـ)، وكتب جنادة بن محمد بن الحسين الأزدي سنة(397)”. وعليها أيضا:”بلغ سماعا على الشيخ أبي يعقوب ين خرَّزاذ [النَّجِيْرَمي](ت423هـ) بقراءة الشيخ أبي الحسين عبد الوهاب بن علي بن أحمد السِّيْرَافي[قاضي تِنِّيس](ت428هـ)، وسمع معي: أبو محمد حمزة بن علي الزبيري، وأبو نصر عبيد الله بن سعيد بن حاتم الوائلي السِّجِسْتَاني(ت444هـ)، وأبو محمد عبد الله بن علي بن سعيد النَّجِيْرَميّ، وأبو القاسم عبد السلام بن إسماعيل الهلالي، وولده محمد، وأبو أحمد عبد السلام بن عبد الله بن قَمْصَة، وعلي بن بَقَاء الورَّاق(ت451هـ)، وذلك يوم الأربعاء التاسع من شعبان سنة(418هـ)”. وهذ الجزء أيضا من أقدم نسخ الجمهرة([10]).
  6. نسخة أبي النّمِر أحمد بن عبد الرحمن بن قابوس الطَّرَابُلْسيّ اللُّغوي (كان حيًّا413هـ): وقد رأى هذه النسخة ابن العَديم(ت660هـ) ورأى عليها نص سماعه على أصل ابن خالويه بحلب سنة (370هـ)، بروايته عن ابن دريد([11])، ووصلت هذه النسخة للسيوطي (ت911هـ) وقد كُتِب عليها حواش من استدراك ابن خالويه على مواضع منها ونبَّه على بعض أوهام وتصحيفات([12])، ولم تصلنا، ولكن وصلت نسخة لعلها منقولة عنها وهي النسخة الآصفية التي اعتمد عليها منير بعلبكي في تحقيقه للجمهرة مع غيرها، حيث نقلت تعليقات بخط ابن خالويه.
  7. نسخة الفَالي(ت448هـ): وكان عند أبي الحسن الفَالي (ت448هـ) نسخة منه بخط ابن دريد، وكان ضنينا بها ولكنه اضطر لبيعها وقال في ذلك شعرا ([13]) .
  8. نسخة المَعَرِّي(ت449هـ): وكان منه نسخة غاية في الحسن عند أبي العلاء المعري(ت449هـ)، ولها قصة ذكرها ابن العديم([14]).
  9. نسخة البركي(ت468هـ): كما رأى القِفْطِيّ نسخة بخط ناصر بن محمد بن علي بن عمر البركي أبي منصور(ت468هـ) في غاية الصحة والجودة والضبط، ابتاعها عبد العزيز بن هلال الطَّلَبِيْري الأندلسي من همذان من بيت أبي العلاء الحافظ الهمذاني، وأحضرها إلى حلب فرآها القِفْطِيّ معه في حلب، ونقلها إلى دمشق ومات، فبيعت في تركته هناك([15]).
  10. نسخة ابن المأمون (ت586هـ): ونسخة بخط ابن المأمون النحوي، أحمد بن علي بن المأمون النحوي القاضي(ت586هـ) صاحب الخط المليح والنقل الصحيح، حُبِس إحدى عشرة سنة فكتب بخطه الحسن ثمانين مجلدة منها الجمهرة لابن دريد في مجلدين([16]).
  11. نسخة الموصلي: وهي بخط محمد بن ميكائيل أحمد[كذا] الموصلي، وكتبت سنة(644هـ)، في ثلاثة أجزاء والقسم الثاني والثالث منها برواية أبي سعيد السِّيْرَافي(ت368هـ) وله عليها تعليقات، محفوظة في ليدن واعتمد عليها رمزي البعلبكي في تحقيقه([17]).
  12. نُسَخ السيوطي(ت911هـ): ونص جلال الدين السيوطي(ت911هـ) على أنه يوجد منه النسخ الصحيحة المروية عن أكابر العلماء([18])، ولا أدري يقصد بذلك في عصره تحديدا أم عموما فيما سبق، وقد ذكرت سابقا أنه رأى نسخة أبي النَّمِر.
  13. نسخة البغدادي(ت1093هـ):كما كان منه نسخة عند عبد القادر البغدادي(ت1093هـ) كما ذكر في مقدمة الخزانة ([19]).

والنسخ التي حُقِّق عليها: حقَّقه رمزي البعلبكي على أربع نسخ سبق ذكرها مفرقة، هي([20]):

نسخة ليدن وهي في ثلاثة أجزاء والقسم الثاني والثالث منها برواية أبي سعيد السِّيْرافي(ت368هـ) وله عليها تعليقات أثبتها المحقق في الحواشي، وهي بخط محمد بن ميكائيل أحمد الموصلي، وكتبت سنة(644هـ).

-والنسخة الثانية محفوظة في المتحف البريطاني في لندن وهي ناقصة، وبها قسم برواية أبي علي القالي(ت356هـ) وتختلف عن غيرها في قصر الشواهد الشعرية.

-والنسخة الثالثة قطعة صغيرة في المتحف البريطاني ووصفت بأنها من عهد المؤلف، وعليها تعليقات لغلام ثعلب أبي عمر الزاهد(ت345هـ).

-والنسخة الرابعة نسخة المكتبة الآصفية وهي منسوخة من نسخة مقروءة على ابن خالويه وأبي العلاء المعري، ولهما حواش عليها وفيها زيادة في الشواهد الشعرية، وقد كتبت(1078هـ).

وهناك نسخ موجودة ولم يطلع عليها أي من محققي الجمهرة، وهي([21]):

– سبع نسخ في القسطنطينية: اثنتان في مكتبة كوبريلو زاده، ونسخة في جامع أيا صوفية، ونسخة في مسجد عاكف أفندي، ونسخة في جامع السلطان “أبا يزيد”، ونسخة في مسجد داماد إبراهيم، ونسخة في مسجد داماد زاده محمد مراد.

– نسختان قديمتان كانتا في خزانة العلامة صدر الدين الحسيني العلوي البغدادي، وهما مجلدان الرابع والسادس وقد سبق ذكرهما.

-نسختان قديمتان في جامع القرويين بفاس.

-نسختان سقيمتان في دار الكتب السلطانية بالقاهرة وهما نبذة من أول الكتاب حتى حرف الدال من الثلاثي الصحيح.

هذا حديث نُسَخ الجمهرة، وحديث الذين خالطت أنفاسُهم ورقَها وخلَّدوا ذلك بتدوين أسمائهم عليها، كما دوَّنوا علمهم وبعضا من نفثات صدورهم، أليست دراما متكاملة الجوانب؟!

______________________________

الحواشي:

([1])  انظر  المزهر في علوم اللغة وأنواعها، للسيوطي، (1/69)، تحقيق فؤاد علي منصور، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1998م.

([2])  انظر الجمهرة في اللغة، لابن دريد، تحقيق رمزي منير بعلبكي، (ص523)، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 1987م.

([3])  انظر بغية الطلب في تاريخ حلب، لابن  العديم، (ص1154)، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر. وبغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، للسيوطي، (1/323)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، لبنان.

([4])  انظر بغية الطلب، (ص1490).

([5])  انظر بغية الطلب، (ص4486).

([6])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، (ص18، 19)، مطبعة مجلس دائرة المعارف، حيدر آباد، الدكن،  الهند، ط1، 1344هـ.

([7])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، الطبعة الهندية، ص 19 .

([8])  إنباه الرواة على أنباه النحاة، للقفطي، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، (2/323)، دار الفكر العربي، القاهرة، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط1، 1406هـ/ 1982م.

([9])  اتحاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا، لتقي الدين المقريزي، (1/378)، تحقيق جمال الدين الشيال، وزارة الأوقاف المصرية، ط2، 1996م.

([10])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، الطبعة الهندية، (ص18، 19).

([11])  انظر بغية الطلب، (ص1154)، وانظر أيضا بغية الوعاة للسيوطي، (1/323).

([12])  في المزهر في علوم اللغة، (1/73).

([13])  اختلفت المصادر في نسبة خبر هذه النسخة؛ فقد نقل السيوطي في المزهر نسبتها لأبي علي القالي، وذكرت مصادر أخرى نسبتها لأبي الحسن الفالي، وقد حققت أمرها في بحث”بين القالي والفالي..خلط بالمصادر شعرا ونثرا”، المنشور في موقع د حماسة رحمه الله (http://www.hamassa.com/2016/04/14/%D8%A8%D9) وأثبت أن الخبر والشعر هو للفالي وليس للقالي.

([14])  انظر بغية الطلب، لابن  العديم، (ص875).

([15])  إنباه الرواة على أنباه النحاة، (3/340).

([16])  الوافي بالوفيات، خليل بن أيبك الصفدي، (20/88)، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى،  دار إحياء التراث، بيروت، 2000م.

([17])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، منير بعلبكي، ص31.

([18])  انظر المزهر (1/69).

([19]) انظر خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، عبد القادر البغدادي، (3/116)، تحقيق محمد نبيل طريفي، وإميل بديع يعقوب، دار الكتب العلمية، بيروت.

([20])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، منير بعلبكي، (ص31-32).

([21])  انظر مقدمة تحقيق الجمهرة، طبعة الهند، ص(18-19).

تعليق واحد

  1. Chrinstine قال:

    Wow, this article is pleasant, my sister is analyzing these things,

التعليقات غير مفعلة.