من صور الإجمال في القرآن الكريم – د. تامر عبد الحميد أنيس

12721886_1292358907446798_738512481_n

د. تامر عبد الحميد أنيس

كلية دار العلوم – جامعة القاهرة

لا يلتزم الاستعمال اللغوي دائمًا بالكشف التام بل يلجأ أحيانا إلى درجات من الغموض في العبارة لمقاصدَ لا تتحقق إلا بها، ويعرف ذلك عند علماء أصول الفقه بالإجمال، قال عنه إمام الحرمين: «المجمل في اصطلاح الأصوليين هو المبهم، والمبهم هو الذي لا يُعقَلُ معناه، ولا يُدرَك منه مقصودُ اللافظ ومبتغاه»([1])، وعرَّفه ابن الحاجب في المختصر وتاج الدين السبكي في جمع الجوامع بأنَّه «ما لم تتضح دلالتُه»([2]).

وينبغي هنا أنْ نُؤَكِّدَ أنَّه على الرغم من أنَّ الأصلَ في الكلام الإبانةُ التَّامَّةُ فإنَّ المتكلم قد يقصِدُ الإجمالَ أحيانًا ليحقق هدفًا تداوليًّا أعلى من الهدف الدلالي، وقد نبه بعض البلاغيين إلى نوعٍ من هذا وسموه (التوجيه)، وهو عندهم «إيرادُ الكلام محتملًا لوجهين مختلفين كقول من قال لأعور يسمى عمرًا:

خاط لي عمرٌو قباءْ \ ليت عينيه سواءْ

وعليه قوله تعالى: (واسمع غير مسمع وراعنا ) [النساء:46]»([3])، قال الزمخشري: «(غيرَ مُسْمَعٍ) حالٌ من المخاطب، أي: اسمع وأنت غيرُ مسمع، وهو قولٌ ذو وجهين يحتمل الذم، أي اسمع منا مدعوًّا عليك بلا سمعت، …، أو اسمع غير مجاب ما تدعو إليه، ومعناه: غير مسمع جوابًا يوافقك فكأنك لم تسمع شيئًا، أو اسمع غير مسمع كلامًا ترضاه فسمعك عنه نابٍ، …، ويحتمل المدح أي اسمع غير مسمع مكروهًا، من قولك: أسمع فلانٌ فلانًا إذا سبَّه، وكذلك قوله: (راعنا) يحتمل: راعنا نكلمْك أي ارقبنا وانتظرنا، ويحتمل شبه كلمة عبرانية أو سريانية كانوا يتسابون بها وهي (راعينا) فكانوا سخرية بالدين وهزءًا برسول اللَّـه ﷺ يكلمونه بكلام محتمل يَنْوُونَ به الشتيمةَ والإهانة ويظهرون به التوقير والاحترام»([4]).

ولاينبغي لنا أن نخلط بين الإجمال ـ وهو مقصد من مقاصد البلغاء ـ وبين اللبس الذي تنفر منه اللغة، وتتعالى عليه البلاغة، وذلك أنَّ الإجمال في أبرز صوره أن يحتمل اللفظ معنيين أو أكثر على السواء، أما اللبس فهو أن يتبادر إلى الذهن من اللفظ عكس المقصود، والفرق بين الأمرين بيِّنٌ.

وسوف نتكلم في هذه المقالة عن زاوية واحدة من زوايا الإجمال، وهي الإجمال الناشيء عن الإحالة.

صور الإجمال بسبب الإحالة

يقصد بالإحالة – بعبارة مبسطة – العلاقة بين اللفظ المفتقر إلى غيره في التعيين – كالضمير واسم الإشارة والمعرف بأل العهدية – وبين ما يكسبُه ذلك التعيين، وتتعرض هذه العلاقة للاحتمال كثيرًا، ومن ثم تصبح سببا مهما من أسباب الإجمال، وقد عد الأصوليون من أسباب الإجمال تعدد مرجع الضمير «إذا تقدمه أمران أو أمور يصلح لكلِّ واحدٍ منها»([5])، وتعدد مفسِّر اسم الإشارة([6])، وهما من باب الإحالة، ونستطيع أن نضيف إليهما كذلك احتمال المعرف بـ(أل) والموصولية والإضافة الدلالةَ على أكثرَ مِنْ معهود، أو الترددَ بين العهد والجنس، ومعنى هذا أنَّ عناصر الإحالة تحقق الإجمال في التركيب بوصفها محيلة، فما العلةُ الجامعة المتحققة في هذه العناصر التي تؤهلها لمثل هذا النمط من الدلالة؟

إنَّ ما يجمع هذه العناصر هو افتقارُ اللفظِ إلى قرينةٍ تُعَيِّنُ المرادَ منه من جهة، وقابليةُ هذه القرينةِ لعدم التَّعَيُّن من جهة أخرى، والأمر الثاني متوقف على الأول، ويتحقق الإجمال عند تحقق الأمرين معًا، وعند احتمال اللفظ للافتقار والاستقلال بأن يكون مترددا بين العهد والجنس.

فأمَّا الضمائر وأسماء الإشارة والأعلام فلا تنفكُّ عن الافتقار، بمعنى أنَّها لا تكون إلا محيلةً؛ وذلك لأنَّ الضمائر وأسماء الإشارة لا تدلُّ على جنس من الأجناس بمادتها، فتحتاجُ دائمًا إلى الارتباط بلفظ أو شيء خارجي يُبَيِّنُ ما أريد بها، يقول ابن الخشاب: «ألا ترى أنك كما تقول: ذا زيدٌ، تقول: ذا عمرٌو، بل وينتقل هذا الاسم في الإشارة به إلى الأنواع المختلفة والأجناس المتباينة؛ فتقول: ذا فرسي، وذا رمحي، وذا ثوبي، وذا عملي، …، فيقع اسم الإشارة كما ترى على هذه المختلِفات ولا يختصُّ بواحدٍ منها دون آخرَ، وهذه حقيقة الإبهام، فلذلك قيل لها مبهمة، وكذا قيل في المضمرات لتنقُّلِها وأنَّها لا تكون لمسمًّى دون مسمًّى»([7]).

أمَّا العَلَمُ فإنَّ دلالته على مسماه إنما تكون بوضعٍ خاصٍّ، فلا بُدَّ للمخاطب من العلم بهذا الوضع الخاص حتى يدرِكَ المرادَ منه، وهو ما يمثل قرينة العهد في العَلَمِ، وهذا نوعُ افتقارٍ في دلالة العَلَم، أضف إلى هذا أنَّ العَلَم كثيرًا ما يتعدد وضعه فيحتاج إلى قرينة أخرى على تعيين المراد من بين الأفرادِ الصالحِ لها، وقد تخفى هذه القرينة على بعض المتلقِّين، وليس في القرآن شيءٌ منه.

وأمَّا بقيةُ المعارف فقد تكون مفتقرةً إِنْ دلَّتْ على معهودٍ وقد تكون غير مفتقرة إنْ دلَّتْ على الجنس ماهيَّةً أو استغراقًا.

وإذن فمنشأ الإجمال من باب الإحالة هو كون العنصر المحيل إما مترددا بين الدلالة على العهد والدلالة على الجنس، وإما أنَّه مع دلالته على العهد لا تتعين قرينة المعهود به، فلدينا إذن صورتان للإجمال الناشئ عن الإحالة:

الصورة الأولى – أن يكون المحيل مترددًا بين معهودين أو أكثر

وقد وقع هذا مع اتحاد نمط القرينة كما في قوله تعالى: (أو لحم خنزير فإنه رجس) [الأنعام:145]، فإنَّ الضمير يحتمل العود إلى كل من (لحم) و(خنزير)، وهما ملفوظان، وكذلك قوله تعالى:  (فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ) [الأنعام:147]، واو الجماعة في (كذبوك) إما عائدة إلى المشركين وأقرب ذكر لهم في الآية 136 ( وكذلك زين لكثير من المشركين )، أو إلى (الذين هادوا) وهو مذكور في الآية السابقة مباشرةً  (وعلى الذين هادوا حرومنا كل ذي ظفر) [الأنعام: 146]([8]).

كما وقع مع تردد القرينة بين ملفوظة وملحوظة، كما في قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين) [البقرة:45]، فالضمير في (إِنَّها) «للصلاة أو للاستعانة، ويجوز أن يكون لجميع الأمور التي أُمِرَ بها بنو إسرائيل ونُهُوا عنها من قوله: (اذكروا نعمتي ) إلى (واستعينوا (»([9])، وقوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما ( [النساء:35] أي إن يرد الحكمان أو الزوجان يوفق اللَّـه بين الحكمين أو الزوجين، قال الزمخشري مبيِّنًا ما حملت عليه الآية من أوجه: «والألف في (إن يريدا إصلاحا ) للحكمين، وفي (يوفق الله بينهما ) للزوجين أي إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه اللَّـه بورك في وساطتهما، وأوقع اللَّـه بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاق والألفة، وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة. وقيل: الضميران للحكمين، أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق اللَّـه بينهما، فيتفقان على الكلمة الواحدة، ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتم المراد. وقيل: الضميران للزوجين؛ أي: إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح اللَّـه بينهما الألفة، وأبدلهما بالشقاق وفاقا وبالبغضاء مودة»([10])، فـ(الحكمان) ملفوظ متعدد، و(الزوجان) ملحوظ من قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء ) الآية [النساء:34]([11]).

ووقعت هذه الصورة أيضًا مع تردد القرينة بين ذكرية وذهنية كما في قوله تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ) [البقرة:137]، الهاء في (به) ترجع إلى اللَّـه تعالى أو القرآن أو محمد ×([12]) وهذا بناءً على أن الباء زائدة و(ما) مصدريَّة، أي فإنْ آمنوا إيمانًا مثلَ إيمانكم به، والقرينة مع الأول والثاني ذكرية في قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا ) [البقرة: 136]، ومع الثالث ذهنية يستعان عليها بقوله تعالى: (لا نفرق بين أحد منهم ) [البقرة: 136].

والصورة الثانية – أن يكون الـمُعَرَّفُ مترددًا بين الدلالة على معهود والدلالة على الجنس أو الاستغراق.

ومن أبرز ما يندرج تحت هذه الصورة ما يلي:

1- استعمال (الذين) بين الدلالة على العموم والخصوص، كما في قوله تعالى:  (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) [آل عمران:77].

2- استعمال (أهل الكتاب) بين عموم اليهود والنصارى وخصوص إحدى الفرقتين، كما في قوله تعالى: (قل يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) [المائدة: 77].

3- استعمال (الكتاب) بين عمومه وخصوص التوراة والإنجيل أو أحدهما، كما في قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) [البقرة:113]، فإنَّ الكتاب يحتمل إرادة الجنس على معنى أنهم أهل علم في مقابل (الذين لا يعلمون)، والدلالة على معهود إمَّا التوراة أو الإنجيل.

4- استعمال (الناس) بين الدلالة على العموم (جميع الناس) والعهد (العرب أو قريش أو أخص من ذلك)، كما في قوله تعالى: (وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون ) [يونس: 19].

5- استعمال (الأرض) بين الدلالة على عموم الكرة الأرضية والدلالة على مكة مثلا، كقوله تعالى: (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظنَّ وإن هم إلا يخرصون ) [الأنعام: 116].

6- استعمال نحو: (كلمة ربك) و(آيات ربك) بين الدلالة على عموم القضاء والدلائل، وخصوص حكم معين مع الأول، ودلائل القرآن أو آيات معينة منه، كما في قوله تعالى: (وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم) [الأنعام: 115]، وقوله عز اسمه: (كذلك يبيِّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون ) [آل عمران: 103].

7- استعمال (الشيطان) بين العهد في إبليس والجنس في كل شيطان، كما في قوله سبحانه: (إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوًّا مبينا ) [الإسراء: 53].

8- استعمال ضمير الغائب بين عموم معنى الشأن وخصوص مرجع محدد، كما في قوله تعالى: (ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) [البقرة:283]، فالضمير في (إنَّه) يحتمل أن يكون ضمير الشأن، وأن يكون عائدًا على (مَنْ) الشرطية رابطًا للجواب بها.

ولا شكَّ أنَّ هناك وسائل للترجيح بين هذه الأوجه المحتملة لعلنا نتناولها – إن شاء الله تعالى – في مقالة أخرى.

__________________

الهوامش:

([1]) البرهان في أصول الفقه، لإمام الحرمين 1/419.

([2]) شرح مختصر ابن الحاجب لعضد الدين الإيجي  3/107، وجمع الجوامع في أصول الفقه، لتاج الدين السبكي ص 55.

([3]) بغية الإيضاح 4/57، 58، وانظر: مفتاح العلوم ص 233.

([4]) الكشاف 1/517.

([5]) إرشاد الفحول 2/20، وانظر: الإتقان في علوم القرآن 3/53.

([6]) أسباب الإجمال في الكتاب والسنة وأثرها في الاستنباط، د. أسامة عبد العظيم، ص 54-71.

([7]) المرتجل ص 304.

([8]) التحرير والتنوير 8/145.

([9]) الكشاف 1/134.

([10]) السابق 1/508.

([11]) انظر: التحرير والتنوير 5/45.

([12]) انظر: التبيان 1/121.

التعليقات مغلقة.