ذكريات الحجيج د. نعيم محمد عبد الغني

ذكريات الحجيج

د. نعيم محمد عبد الغني

“نصوص حلقات إذاعية بإذاعة القرآن الكريم بالدوحة عام 1432 هـ”

رحلة الحج لها مكان ومكانة، وإليها تحن القلوب، وتشتاق النفوس، وهي أهم رحلة في حياة المسلم الذي يجمع لها من الزاد ما يستطيع، لينفق ما وسعته النفقة، ويعطي ما قدر عليه من العطاء، وهو فرح مسرور، يحلم بهذه الزيارة في صحوه ومنامه، وجلوسه وقيامه، حتى إذا رأى الكعبة والمقام ذرف الدمع فرحا بنعمة الله عليه، ولهج لسانه قائلا لبيك، ليطوف بالكعبة ويشرب من ماء زمزم، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقف بعرفات، ويبيت في مزدلفة، ويرمي الجمرات ويذبح الهدي، وهو في رحلته بين عج وثج، عج يرفع فيه الصوت بالتلبية، وثج يريق فيه الدماء في يوم الأضحى الذي تكون فيه إراقة دم الأضحية أحب عبادة إلى الله تعالى، ليقضي الحاج نسكه ثم يطوف طواف الوداع، ويزور سيد الخلق وأشرفهم محمدا -صلى الله عليه وسلم-، ليعود من بعد إلى وطنه حاملا بين جنبيه ذكريات أيام لا تنسى، وأماكن نقلت بصخورها إلى قلبه فصارت جنة رويت من بحر الحب، فآتت أكلها ثمرات لسان حالها يقول:

قد يهون العمر إلا ساعة

وتهون الأرض إلا موضعا.

يعود الحاج وهو يحمل بين جنبيه هذه الذكريات في بهجة وفرح، ونشوة وفخر، مستذكرا نعمة الله عليه، وما تعلمه من دروس وعبر، وما جاءته من خواطر وفكر، وناسيا وعثاء السفر وفراق الأهل وما وجده في الرحلة من مشاق.

وحول هذه الذكريات يكون حديثنا، آخذين من هذه الذكريات أجملها، ومن أحاديث الحجاج أطرفها وألطفها، معتمدين في ذلك على ما ثبتت صحته من روايات، وما استنبطه العلماء في شرح الأحاديث والأقوال والآيات، ناسبين القول لقائله، ومعلقين عليه بالتحليل قدر المستطاع.

إنها ذكريات كانت في الحج قبل الإسلام وبعده، وذكريات حدثت للأنبياء والعلماء، والشعراء والأدباء.

نذكر مثلا ذكريات العلماء عندما شربوا ماء زمزم سائلين الله من فضله ومستذكرين حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- (ماء زمزم لما شرب له)، فنذكر مثلا قول أبي سهل محمد بن سليمان الحنفي سمعته الذي يقول: (شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف، فوقع من تصانيفه المسموعة في أيدي الناس ما يبلغ ألفا وخمسائة جزء).

ونذكر مثلا من طرائف الأقوال ما روي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا) صحيح ابن خزيمة. وفي رواية (إن الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وإنه يبعث يوم القيامة له عينان ولسان ينطق به، يشهد بكل من استلمه بحق وصدق).

ذكريات مع ماء زمزم

زمزم ذلك النبع الفياض الذي تفجر من تحت أقدام إسماعيل عليه السلام، له ذكريات في تاريخ البشرية منذ ذلك الحين، ذكريات إسماعيل عليه السلام حين جاء الفرج أمه، وصارت بسبب من هذا الماء بمكان تهوي إليه الأفئدة، فيأكلون ويشربون بعد أن كانت بواد غير ذي زرع بلا أنيس ولا جليس إلا من طفل رضيع يبكي من شدة الجوع.

ذكريات كثيرة منها تلك التي تروي كيف ردم هذا البئر، وكيف أعاد عبد المطلب حفره؟ روت كتب السير أن عبد المطلب رأى في منامه أن يحتفي زمزم ويحتفرها، ودُل على موضعها، وكانت قبيلة جرهم دفنتها عند إخراج قبيلة خزاعة إياها عن مكة. فقال له قائل: زمزم، وما زمزم؟ هَزَمَةُ جبريل برجلِه، وسقيا إسماعيل وأهلِه. زمزم البركات، تروي الرفاق الواردات. شفاء سقام، وخير طعام. فاحتفرها، ووجد فيها سيوفاً مدفونة، وحلياً، وغزالاً من فضة وذهبا مشنفاً بالدر. فعلقه في الكعبة، حتى سرق بعد. قالت صفية بنت عبد المطلب:

نحن حفرنا للحجيج زمزم … سقيا الخليل وابنه المكرم

هزمة جبريل التي لم تذمم … شفاء سقم وطعام مطعم.

وفي رواية أخرى قَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ: إنّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ احْفِرْ طِيبَةَ . قَالَ قُلْت: وَمَا طِيبَةُ؟ قَالَ ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي فَنِمْت فِيهِ، فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ بَرّةَ. قَالَ فَقُلْت: وَمَا بَرّةُ؟ قَالَ ثُمّ ذَهَبَ عَنّي، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي، فَنِمْت فِيهِ، فَجَاءَنِي، فَقَالَ احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ. قُلْت: وَمَا الْمَضْنُونَةُ؟ قَالَ: ثُمّ ذَهَبَ عَنّي. فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي، فَنِمْت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ زَمْزَمَ. قَالَ قُلْت: وَمَا زَمْزَمُ؟ قَالَ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ

تلك كانت رؤية عبد المطلب فهل سيحفر زمزم، وهل ستتركه قريش لينال هذا الشرف،

لما رأى عبد المطلب في منامه أنه أمر بحفر ماء زمزم فأخذ ابنه الحارث ولم يكن له من ولد غيره وغدا بمعوله على المكان الذي دل عليه في منامه، حتى إذا رأى نبع الماء كبر، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته، فقاموا إليه فقالوا يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقا، فأشركنا معك فيها، قال ما أنا بفاعل، إنّ هذا الأمر قد خصصت به دونكم، وأعطيته من بينكم، فقالوا له فأنصفنا فإنا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها، قال: بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه، قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم، قال نعم، قال: وكانت بأشراف الشام، فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني أبيه من بني عبد مناف، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، قال والأرض إذ ذاك مفاوز، قال فخرجوا حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز والشام فني ماء عبد المطلب وأصحابه، فظمئوا حتى أيقنوا بالهلكة، فاستسقوا من معهم من قبائل قريش، فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم، فلما رأى عبد المطلب ما صنع القوم وما يتخوف على نفسه وأصحابه قال: ما ترون؟ قالوا ما رأينا إلا تبع لرأيك، فمرنا بما شئت، قال فإني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما بكم الآن من القوة، فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً واحداً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعةِ ركب جميعاً، قالوا نِعْمَ ما أمرت به، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشا، ثم إن عبد المطلب قال لأصحابه: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لعجز فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد، ارتحلوا فارتحلوا حتى إذا فرغوا ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هم فاعلون تقدم عبد المطلب إلى راحلته، فركبا فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبد المطلب وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه، واستقوا حتى ملئوا أسقيتهم، ثم دعا القبائل من قريش، فقال هلم إلى الماء، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا، ثم قالوا قد والله قضى لك علينا يا عبد المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك، راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة وخلوا بينه وبينها.

تلك كانت ذكريات عبد المطلب في حفر زمزم التي كان لآخرين ذكريات معها، نذكر هذه الذكريات في الغد إن شاء الله

 

منذ حفر ماء زمزم وكانت له ذكريات تحي بركته، وتروي سيرته، ومن هذه الذكريات أن  أبا ذر الغفاري –رضي الله عنه- اغتسل به بعد أن آذته قريش، وضربته، وعاش عليه ثلاثين يوما لا يذوق شيئا غيره، وهو لا يحس بجوع ولا يشعر بألم، يقول أبو ذر: (فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هُوَ وَصَاحِبُهُ فَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ هُوَ وَصَاحِبُهُ، ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ -رَضِي اللَّهُ عَنْهُ-: فَأَتَيْتُهُ وَكُنْتُ أَوَّلُ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلاَمِ فَقَالَ”: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ». قَالَ فَقَالَ: « مَتَى كُنْتَ هَا هُنَا ؟». قُلْتُ: قَدْ كُنْتَ هَا هُنَا مُنْذُ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَيَوْمًا، قَالَ: «فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ ؟ ». قُلْتُ: مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلاَّ مَاءُ زَمْزَمَ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَت عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّهَا مُبَارَكَةٌ، إِنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ “رَوَاهُ مُسْلِمٌ”.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على الشرب من ماء زمزم، وأن تحمل إليه، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِزَمْزَمَ فَاسْتَسْقَى فَأَتَيْتُهُ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ .

وأَرْسَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ تُفْتَحَ مَكَّةَ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أَنِ أَهْدِ لَنَا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَلاَ تَتِرُكْ قَالَ فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِمَزَادَتَيْنِ. السنن الكبرى للبيهقي.

وعن عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَفْعَلُهُ. وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ أَبِى كُرَيْبٍ وَزَادَ فِيهِ: حَمَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الأَدَاوَي وَالْقِرَبِ، وَكَانَ يَصُبُّ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ السنن الكبرى للبيهقي

“ماء زمزم لما شرب له” مقولة قالها النبي ووضعها العلماء في قلوبهم فآمنوا بها وصدقوها، وكانت لهم مع زمزم ذكريات وذكريات، ففي طبقات المحدثين عن مجاهد قال: “كان ابن عباس إذا أراد أن يتحف رجلاً بتحفة سقاه من ماء زمزم”

ومن ذلك أيضا ما ورد في حلية الأولياء أن عبدالرحمن بن سعد الجمحي قال: رأيت سفيان بن عيينة قد أتى بماء زمزم فشرب، وسقى الذي عن يمينه، وقال: ماء زمزم بمنزلة الطيب لا يرد.

وفي طبقات الحفاظ مما كتب به إلى ابن الجزري مع هدية ماء زمزم من نظمه:

ولقد نظرت فلم أجد يهدى لكم … غير الدعاء المستجاب الصالح

أو جرعة من ماء زمزم قد سمت … فضلاً على مد الفرات السائح

هذا الذي وصلت له يد قدرتي … والحق قلت ولست فيه بمازح
إن ماء زمزم شربه كثيرون مؤمنين بأنه طعام طعم وشفاء سقم، وشربه كثيرون بنية أن الله جعله سببا من أسباب إجابة الدعاء، فتحقق ذلك كله.
وبنظرة سريعة في كتب التراجم والآثار نرى بعض ما تحقق من إجابة الدعاء بسبب ماء زمزم الذي كان يحرص على شربه العلماء وأهل الفضل حتى لقد صنع أحد علماء القرن الثامن عشر منه الحبر ليدون به العلم، ولقد شرب السيوطي من ماء زمزم لأمور منها أن يصل في الفقه إلى رتبة الشيخ سراج الدين البلقيني، وفي الحديث إلى رتبة الحافظ ابن حجر، فنال ما تمنى ووصلت مصنفاته نحو الستمائة مصنفاً. وقال ابن عديس من علماء القرن الثامن الهجري: (كنت إذا عسر علي الحفظ شربت من ماء زمزم وتوضأت وصليت في الملتزم ودعوت فأحفظ).

أما ابن الجزري فإن أباه كان تاجراً فمكث أربعين سنة لا يولد له ثم حج فشرب ماء زمزم بنية أن يولد له عالم فولد له ابن الجزري بعد صلاة التراويح من ليلة السبت 15 من رمضان سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وهو من هو في القراءة والقراءات.

وورد في تذكرة الحفاظ أن ابن خزيمة سُئل: من أين أوتيت هذا العلم؟ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ماء زمزم لما شرب له وإني لمّا شربت ماء زمزم سألت الله علما نافعا.

إن فضل زمزم وآثارها وما كتب فيها كثير كثير، حتى دونت فيها أحاديث منكرة وموضوعة رغم ما يكفيها من صحيح القول عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن الصحابة والسلف كما بينا ومن ذلك مثلا ما ورد في تاريخ دمشق حيث نسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن اللهتعالى خلق آدم من طين الجابية، وعجنه بماء من ماء الجنة، وقال من ماء زمزم. وقد أورد الألباني هذا الحديث وذكر أنه منكر.

 

ذكريات الرسول في البيت الحرام

إنها مكة أحب بلاد الله إلى رسول الله، مكة التي قال فيها: (والله إنك لأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت).

إنها مكة التي شهدت ميلاده عليه الصلاة والسلام، وفي ربوعها تربى، وعلى صدقه وأمانته بات مشهورا معروفا في قومه.

في مكة يروي النبي ذكرياته، من مواقف وأحداث، مثنيا على بعض ما كان منها يحث على مكارم الأخلاق، ورافضا ما جاء منافيا لتعاليم الإسلام، فيثني على حلف الفضول الذي دعا إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال: (ولو دعيت به في الإسلام لأجبت).

ويروي ما رآه عند البيت الحرام في مراحل مختلفة من عمره، بل يروي ما رآه في المنام عند البيت الحرام، فيذكر مثلا حديث الدجال الذي فيه: (بينا أنا نائم رأيتني أطواف بالكعبة، فإذا رجل آدم، سبط الشعر، بين رجلين ينطف رأسه ماء أو يهريق رأسه ماء فقلت من هذا قالوا هذا ابن مريم ثم ذهبت ألتفت، فإذا رجل أحمر جسيم، جعد الرأس، أعور العين، كأن عينة طافية، قلت من هذا؟ قالوا الدجال أقرب الناس شبها به ابن قطن).

ومن أهم ذكريات الرسول في مكة رحلة الإسراء والمعراج التي يتحدث عنها النبي قائلا: (فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مملوء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه”.

ومن ذكريات الرسول في مكة ما وجده من إيذاء لقريش عند البيت الحرام، ففي الحديث عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّى عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِى فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَىْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ: فَاسْتَضْحَكُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّبِي -صلى الله عليه وسلم- سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِي جُوَيْرِيَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ فَلَمَّا قَضَى النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ، ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ.

وأجمل الذكريات وأحلاها، وأعلاها وأغلاها ذكرياته عليه الصلاة والسلام في غار حراء عندما نزل الوحي عليه بآخر إرسال السماء لهدي الأرض، ليكون من بعدها رسولا ونبيا، وهاديا وبشيرا.

ذكريات كثيرة كانت لرسول الله في مكة وعند البيت الحرام تروي فصولا من رحلة الدعوة التي انطلقت من جبال مكة منبع الهداية.

الرسول في جوف الكعبة

إنها الكعبة التي طالما طاف حولها الرسول وصلى عندها، لكنه أجبر على فراقها حينا من الدهر بعد أن آذته قريش التي جعلت الأصنام في جوف الكعبة وحولها، فبدل أن يتجه الناس إلى هذه الكعبة موحدين الله، كانت قريش تتجه إليها مشركة به سبحانه.

إنها الكعبة التي كانت مهوى فؤاد النبي والقبلة التي رضيها قلبه، وعنها قال الله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره).

خرج الرسول من مكة وفراقها صعب عليه، ثم ذهب إليها يحدوه الشوق لرؤية البيت الحرام حتى صدته قريش وكان صلح الحديبية المشهور، وعن ذلك قال الله سبحانه: (هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله).

لكن الله تعالى سارع في هوى نبيه فبشره بفتح ونصر مبين يدخل به مكة ويطوف بالكعب، بل يدخل جوفها محطما الأصنام، ومعليا كلمة الله، وليصدح بلال بالآذان من فوق ظهر الكعبة، ذكريات مشهد تهتز له الأفئدة وتدمع له العيون.

إنها بشرى الله الذي قال: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا)

أحقا سيدخل المسلمون مكة منتصرين، أحقا سيحلقون رؤسهم ويقصرون غير خائفين، بعد أن كانوا لا يضعون أسلحتهم من شدة الخوف، روى البخاري عن قَيْسٌ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ أَلَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا قَالَ كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ أَوْ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ.

وها قد دخل النبي مكة فاتحا وها هو الآن في جوف الكعبة يخرج التصاوير والتماثيل، ومدافعا عن إبراهيم الخليل الذي كان حنيفا مسلما ولم يك من المشركين،  عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا قَدِمَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا، فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ.

 

ذكريات في يوم التروية

يوم التروية هو يوم الثامن من ذي الحجة، واختلف في تسميته بذلك، فقيل لأن إبراهيم عليه السلام عندما رأى أن يذبح ولده تروى في هذا اليوم، فسمي بيوم التروية، وقيل لأن الحجاج يسقون ويرون ويتزودون من الماء فيه، ومن ذكريات هذا اليوم أن هاشم جد النبي –صلى الله عليه وسلم- كان يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم من قبل أن تحفر، ثم يستقي فيها من الآبار التي كانت بمكة فيشرب الحاج، وكان يطعمهم أول ما يطعمهم بمكة قبل التروية، بيوم ثم بمنى، وبجمع وعرفة يثرد لهم الخبز واللحم والسمن والسويق والتمر، ويحمل لهم الماء فيطعمهم ويسقيهم حتى يصدروا.

ومن ذكريات هذا اليوم أن النبي –صلى الله عليه وسلم-  أرسل علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- ليقرأ سورة براءة على المسلمين في العام التاسع من الهجرة، وكان أبو بكر أميرا لأول بعثة حج يوفدها رسول الله في الإسلام، فخطب الصديق يوم التروية ثم قرأ سيدنا علي سورة براءة كاملة ، وفعل في يوم عرفة مثل ذلك، وفي يوم النحر مثل ذلك وفي منى مثل ذلك.

وقد بعث أبو بكر الصديق أبا هريرة ليخبر الناس أنه لا يحج بعد هذا العام –أي العام التاسع- مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فكانت هذه أول حجة في الإسلام تتخلص من أوضار الجاهلية، وكان يوم التروية بداية حرمة دخول المشركين مكة، قال الله تعالى: (إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا).

لكن الناس انتفعوا بتجارة قامت عشرات السنين عند البيت الحرام، تجارة قام عليها كثير من المشركين، ومَنع ذلك مرة واحد وليس تدرجيا كان فيه مشقة على المسلمين، ولذا قال الله بعد هذا الأمر: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء).

نعم لقد أغنى الله المسلمين من فضله، وحرم مكة هذه البقة الطاهرة أن يدخلها مشرك، وباتت العين لا تتأذى بعري عند المسجد الحرام، بل بات المشهد مذكرا بكل معنى جميل يصحب الحاج فيما تبقى من حياته.

ذكريات في يوم عرفة

من ذكريات يوم عرفة مشهد الرسول على هذا الصعيد الطاهر، ها هو يبدو في قبته جالسا على نمرة، وها هي الشمس قاربت أن تزوغ، ورسول الله يأمر بناقته القصواء فيركبها ثم ينزل بطن الوادي ليخطب خطبته الشهيرة في حجة الوداع ويقول: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، إلا أن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة وأول دم أضعه دماؤنا.. وربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وإني قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم مسؤولون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت، ثم قال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكبها إلى الناس: اللهم اشهد اللهم اشهد اللهم اشهد)،

ثم أذن بلال ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر لم يصل بينهما شيئا ثم ركب القصواء حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل حبل المشاة بين يديه فاستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس.

وانتهى يوم عرفة بأهم ذكرياته، حين وقف النبي على هذا الصعيد الطاهر.

ومن ذكريات الحج في يوم عرفة أن الله تعالى أنزل قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)، قال أهل الكتاب لو أنزلت هذه الآية علينا لجعلناها يوم عيد فقال عمر رضي الله عنه: أشهد لقد نزلت هذه الآية في يوم عيدين اثنين يوم عرفة ويوم جمعة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، وغدا لنا لقاء مع ذكريات في يوم النحر إن شاء الله.

ذكريات الرسول في يوم النحر

نبدأ ذكريات يوم النحر من بدايته عندما غربت شمس يوم عرفة حيث شوهد الرسول مردفا أسامة بن زيد خلفه على ناقته القصواء متوجها إلى مزدلفة، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب رحله، ويقول بيده اليمنى: السكينة أيها الناس، السكينة أيها الناس، كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلفة فجمع بين المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، قال عثمان: ولم يسبح بينهما شيئا، ثم اتفقوا، ثم اضطجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح، قال سليمان بأذان وإقامة، ثم اتفقوا ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فرقى عليه، وقال الرسول: (وقفت ها هنا وجمع كلها موقف).

وقف الرسول عند المشعر الحرام واستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى الصباح ثم انصرف الرسول من مزدلفة، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حسن الشعر أبيض وسيما، فلما دفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر الظُعن يجرين، والظعن جمع ظعينة وهي المرأة تكون في الهودج، فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يده على وجه الفضل وصرف الفضل وجهه إلى الشق الآخر، ثم رمى رسول الله جمرة العقبة الكبرى بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها بمثل حصى الخذف، فرمى من بطن الوادي، ثم انصرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المنحر، فنحر بيده ثلاثا وستين، وأمر عليا -رضي الله عنه- فنحر ما بقي، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها ثم أفاض. قال سليمان ثم ركب فأفاض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى البيت فصلى بمكة الظهر، ثم أتى بني عبد المطلب وهم يسقون، فقال انزعوا بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم، فناولوه دلوا فشرب منه رواه مسلم.

وفي سنن البيهقي أن النبي حلق شعره في هذا اليوم، يقول أنس مصورا هذه الذكرى: (فلما حلق رسول الله صلى الله عليه و سلم يوم النحر قبض شعره بيده اليمنى فلما حلق الحلاق شق رأسه الأيمن قال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أنس انطلق بهذا إلى أبي طلحة وأم سليم قال فلما رأى الناس ما خصه به من ذلك تنافسوا في بقيه شعره فهذا يأخذ الخصلة وهذا يأخذ الشعرات وهذا يأخذ الشيء).

 

 

 

 

 

 

ذكريات حاج مع عمر بن عبد العزيز

اقترن اسم سيدنا عمر بن عبد العزيز -رضي الله- عنه بالعدل، وكما هو معلوم خامس الخلفاء الراشدين، وقد جاء ذكره في سياق ذكريات الحجاج عن هذه الشعيرة المباركة، ومن هذه الذكريات ما رواه أبو نعيم الأصبهاني عن وهيب بن الورد قال: بينا أنا نائم خلف المقام إذ رأيت فيما يرى النائم كأن داخلا دخل من باب بني شيبة وهو يقول: يا أيها الناس ولي عليكم كتابُ الله فقلت: من؟ فأشار إلى ظفره، فإذا مكتوب ع م ر فجاءت بيعة عمر بن عبدالعزيز.

وروى ابن أبي الدنيا عن القاسم بن يزيد قال: أخذ بيدي سفيان الثوري رحمه الله فقمنا إلى رجل يكنى أبا همام من عباد البصرة فسأله عن حديث عمر بن عبد العزيز فقال حدثني رجل من الحي وذكر من شأنه قال سألت الله تعالى أن يرزقني الحج قلت فأريت النبي فأتاني فقال أحضر الموسم العام فانتبهت فذكرت إنه ليس عندي ما أحج به قال فأتاني في الليلة الثانية فقال لي مثل ذلك فانتبهت فقلت مثل ذلك قال فأتاني الليلة الثالثة قال وكنت قلت في نفسي إن هو أتاني قلت ليس عندي ما أحج به قال فقلت ذلك فقال بلى انظر موضع كذا وكذا من دارك فاحتفر فإن فيه درعا لجدك لأبيك قال فصليت الغداة ثم احتفرت ذلك الموضع فإذا درع فأخرجتها فبعتها بأربعمائة درهم، ثم أتيت المربد فاشتريت بعيرا أو ناقة وتهيأت بما يتهيأ به الحاج وواعددت أصحابا لي فخرجت معهم حتى أتيت الموسم ثم أدركت الانصراف فذهبت لأودع وقد قدمت بعيري إلى الأبطح فإني لأصلي في الحجر إذا غلبتني عيناي فأريت النبي فقال لي: إن الله قد قبل منك سعيك ائت عمر بن عبد العزيز فقل له إن لك عندنا ثلاثة أسماء عمر بن عبد العزيز وأمير المؤمنين وأبو اليتامى، قال فانتبهت فرأيت أصحابي فقلت لهم امضوا على بركة الله وأخذت برأس بعيري وسألت عن رفقة تخرج إلى الشام فمضيت معهم حتى انتهيت إلى دمشق ودخلت على عمر بن عبد العزيز وجلست، فقال ممن أنت؟ قلت رجل من البصرة، قال كيف البر عندكم؟ كيف الشعير؟ كيف الزيت؟ كيف السمن؟ كيف البز؟ حتى عد هذه التي تباع. قلت يا أمير المؤمنين ما أتيتك له الأولى قال ثم أقصصت رؤياي من لدن الرؤيا إلى مجيئي إليه، قال فدخل فأخرج صرة بها أربعون دينارا، فقال لم يبق من عطائي غير ما ترى وأنا مواسيك فيها، قال قلت: لا والله لا آخذ على رسالة رسول الله شيئا أبدا.

 

الفرزدق يروي من ذكريات الحج

الحلقة الثالثة عشرة

 

من ذكريات الحج ما روته لنا كتب الأدب أن الفرزدق الشاعر المشهور حج بعد ما كبر، وقد أتت له سبعون سنة، وكان هشام بن عبد الملك قد حج في ذلك العام، فرأى علي بن الحسين في غمار الناس في الطواف، فقال من هذا الشاب الذي تبرق أسرة وجهه؟ فقالوا هذا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فقال الفرزدق قصيدة طويلة منها:

هذا الذي تَعرِف البطحاءُ وطأتَه

والبَيْتُ يَعْرِفه والحِلُّ والحرمُ

هذا ابنُ خيرِ عبادِ الله كلِّهم

هذا التقيُّ النقيُّ الطاهرُ العلَمُ

هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهله

بجدِّه أنبياءُ الله قد خُتِموا

ثم قال:

إذا رأته قريشٌ قال قائلها

إلى مكارِم هذا ينتهي الكرمُ

يُغْضِي حياءً ويُغْضى من مهابته

فما يُكَلَّمُ إلا حين يَبْتسِم.

إن هذا الموقف الذي يرويه الفرزدق الشاعر من ذكرياته في الحج يجسد لنا مشهد المساواة الذي تتجلى صوره حينما يستوي الفقراء والأمراء، فالكل واقف أمام الله تعالى، لا تفرقهم ثياب، ولا تميز بينهم منزلة.

وفي هذا الموقف تظهر منزلة العلماء والعباد الذين كانت لهم منزلة تعلو منازل الحكام، وكانت لهم هيبة ووقار تجبر من يراهم على احترامهم.

لقد كان علي زين العابدين يطوف بالكعبة في غمار الناس، إلا أنه يلفت النظر من وسامته وقسامته، وحسن سمته، وما لاحظه هشام من شهرة جعلت الناس يفسحون له في الطواف، فنال من التقدير والإجلال ما لم ينله هشام الذي سأل عنه فأخبر بعلي زيد العابدين الذي جده  المصطفى –صلى الله عليه وسلم-

وقد صور هذا المشهد الفرزدق تصوير رائعا، حيث أنكر على هشام سؤاله عن علي زين العابدين لشهرته بين الناس، والأمر عند هشام في حالين، إما أنه لا يعرف رجلا في رعيته طبقت شهرته الآفاق، فجهل الحاكم به حينئذ تنوع من التقصير، إذ من بلغت شهرته في الصلاح ينبغي أن يكون معروفا، بل ينبغي أن يتخذ في بطانة الأمير؛ ليستشيره في أمور الدولة، وإما أن يكون هشام يعرفه حق المعرفة، ولكنه ينكره، حسدا من نفسه، إذ كيف يلقى علي هذه المكانة وأمير المؤمنين لا يلقى مثلها عند البيت الحرام، والاحتمال الثاني هو ما رجحه الفرزدق، حيث قال:

وليس قولُك مَن هذا بضائرِه … العُرْبُ تعرِف مَنْ أنكرتَ والعجم.

لقد قال الفرزدق قصيدته هذه بجوار البيت الحرام، فأغضبت هشام بن عبد الملك فحبسه بين مكة والمدينة، فقال له الفرزدق متسائلا:

قال فغضب هشام فحبسه بين مكة والمدينة فقال

أتَحِبسني بين المدينة والتي

إليها قلوب الناس يَهْوى مُنِيبُها

يقلِّبُ رأساً لم يكن رأس سيِّد

وعيناً له حولاء بادٍ عيوبُها

فبلغ شعره هشاما فوجه فأطلقه، وفي الغد لقاء جديد إن شاء الله

 

 

التعليقات مغلقة.