عاشوراء في التاريخ دكتور نعيم محمد عبد الغني

IMG_8599

  د.نعيم محمد عبد الغني

الاحتفال بعاشوراء ظاهرة قديمة يرجعها عدد من المؤرخين إلى اليهود حيث كان يطلق عليه يوم كيبور أي يوم الغفران، وهي كلمة من أصل بابلي تعني يطهر، والترجمة الحرفية لها كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله (الكفارة).
ولم أقف على كيفية انتقال هذا العيد من السنة اليهودية إلى السنة الهجرية، غير أن بعض المؤرخين يذكر أن شهر شيري هو أول شهور السنة اليهودية وكذا شهر محرم، فربما انتقل إلى العرب بهذه الطريقة مع الاحتفال بالعاشر من الشهر الأول من السنة، سواء اليهودية أو الهجرية.
وعلى أية حال فهو يوم موجود قبل الإسلام وكان اليهود يحتفلون به، ولهم طقوس في ذلك، منها الصيام ودخول الكاهن اليهودي قدس الأقداس متفوها باسم “يهوه” في هذه المناسبة تحديدا، حيث إنه يحرم التفوه بهذا اللفظ في غير هذا الوقت.
ويذكر الدكتور المسيري أن حاخامات اليهود يعتقدون أن يوم الغفران هو اليوم الذي نزل فيه موسى من سيناء، للمرة الثانية، ومعه لوحا الشريعة، حيث أعلن أن الرب غفر لليهود خطيئتهم في عبادة العجل الذهبي، فهو لذلك يوم عيد وفرح، لكن العجيب أن حاخامات اليهود أضافوا جانب الحزن والندم والحداد إلى هذا اليوم؛ معللين ذلك بأن يعقوب عليه السلام أخبر بموت يوسف من إخوته إثر اختطافه في مثل هذا اليوم، ولذا يجب أن يشعر الإنسان بالحزن طيلة ذلك اليوم ويجب التضحية بكبش ذكر ليتذكر اليهودي الكبش الذكر الذي ذبحه إخوة يوسف وبللوا قميصه بدمه.
ومن هذا الاعتقاد يستمد اليهود طقوسهم في الاحتفال بيوم عاشوراء إلى اليوم، حيث يرتدي الكاهن ثيابا بيضاء علامة على الفرح، ويترك ثيابه ذات اللون الذهبي ثم يذبح الكبش الأوَّل في مذبح الهيكل ثم ينثر دمه على قدس الأقداس، ثم يذبح كبشا آخر، ليُلقَى من صخرة عالية في البرية لتهدئة عزازئيل وهي كلمة عبرية تعني (الروح الشريرة).
ومن مظاهر الاحتفال عند اليهود أيضا بيوم عاشوراء أن طائفة منهم يَتلُون بعض المزامير وفقرات من سفر أيوب ثم يدورون حول رأس اليهود التي يرمز لها بطائر يُفضَّل أن يكون أبيض اللون (ديك إذا كان الآثم ذكراً ودجاجة إذا كان أنثى) ثم يُتلى الدعاء التالي: ”هذا هو بديلي، قرباني، الذي ينوب عني في التكفير عني، هذا الديك (أو الدجاجة) سيلقى حتفه، أما أنا فستكون حياتي الطويلة مفعمة بالسلام”، ثم يُعطَى الطائر بعد ذلك لأحد الفقراء، أما أمعاؤه فتُعطَى للطيور، وقد تَعدَّل الطقس إذ يذهب بعض الحاخامات إلى أنه يمكن إعطاء نقود تعادل ثمن الطائر.
ويُطلَق على حرب أكتوبر حرب يوم الغفران لأن عبور القوات العربية وإلحاقها الهزيمة بالقوات الإسرائيلية تم في ذلك اليوم من عام 5733 حسب التقويم اليهودي.
ولما قدم النبي –صلى الله عليه وسلم- المدينة وجد أن اليهود يصومون في يوم عاشوراء، فقد ورد في الصحيحين عن ابن عباس صلى الله عليه وسلم قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:” ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم” :فنحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه”..
ثم قال: “صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما” وفي رواية: “أو بعده”.. وفي رواية “خالفوا اليهود، صوموا التاسع والعاشر”..
إذا فمظاهر الاحتفال بيوم عاشوراء في صدر الإسلام تمثلت في صيام هذا اليوم مع يوم قبله أو بعده، وتمثلت في تغيير اسمه من يوم كيبور إلى يوم عاشوراء، ولكن أخذ الاحتفال بيوم عاشوراء طابعا آخر منذ مقتل الحسين بن علي –رضي الله عنهما- في كربلاء؛ إذ وافق مقتله العاشر من محرم عام 61 هـ، وبدأ من يومها الصراع السياسي بين شيعة علي والأمويين، إذ يكون عيد نصر عند الأمويين وذكرى حزن عند الشيعة، ويروي لنا ابن كثير هذه المفارقة من مشهد يؤرخ له سنة 363 للهجرة فيذكر ووقوع فتنة عظيمة ببغداد بين السنة والشيعة، ثم يصف الذين أوعوا الفتنة من الطرفين بأنه “قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب علي، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير”.
وظل هذا اليوم يأخذ الطابع السياسي بين نشوة المنتصر، وذكرى المنهزم؛ ففي مصر كان عاشوراء يوم حزن للفاطميين وتتعطّل فيه الأسواق.. فلما قضى صلاح الدين الأيوبي على الفاطميين وأعاد مصر للحكم السنّي اتخذ الأيّوبيون هذا اليوم يوم سرور وانبساط في المطاعم ويتخذون الأواني الجديدة، ويكتحلون، ويدخلون الحمام جرياً على عادة أهل الشام، التي سنها لهم الحجاج في أيام عبد الملك بن مروان؛ ليخالف شيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ الذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن على الحسين بن علي .. وهناك حلوى مصريّة معروفة تسمى (حلاوة عاشورا) لا تزال حتى الان تقدّم في هذي المناسبة باسم “طبق عاشوراء”.
وقد استغل العباسيون وغيرهم من التيارات السياسية هذا اليوم في استقطاب العلويين؛ فاهتموا بالاحتفال به وأصبحت له مراسم معروفة واستحدثت وظيفة النائح في مآتم العزاء التي تقام لسيدنا الحسين ويحدث فيها اللطم الذي يصل أحيانا إلى إراقة الدماء ويحدثنا التاريخ أن دعبل الخزاعي الشاعر المعروف كان نائحا في القرن الثالث الهجري في مآتم الحسين التي تقام في ذكرى عاشوراء.
وظل هذا اليوم مظهر احتفال للمسلمين عامة وإن اختلفوا في طقوسه بين الذي يكتفي بالصيام وبين من يأخذه ذكرى لمقتل الإمام الحسين إلى أن أتت الدولة الصفوية في بلاد فارس (إيران) في القرن الخامس الهجري، واتخذت التشيع مذهبًا رسميًا لها، فأدخلت في الذكرى أمورًا لم تكن فيها من قبل، فقاموا بوضع الأناشيد وأشعار الرثاء، وتعيين من يتولى إنشادها في مختلف المناسبات الشعبية.
وما يزال العالم الإسلامي يحتفل بها إلى اليوم ففي مصر يتهادى البعض بطبق عاشوراء ويحرص الناس على الصيام في هذا اليوم مسبوقا بيوم التاسع وفي المغرب يحتفل الناس بإقامة الأفراح والحلوى والتزاور كما يحدث في يوم العيد تماما. وهكذا تتعدد مظاهر الاحتفال عبر التاريخ ليوم عاشوراء.

التعليقات مغلقة.