البحتري وإيوان كسرى ..دكتور نعيم محمد عبد الغني

img_8599

أبو عبادة الوليد بن يحيى الملقب بالبحتري، يعد من عظماء الشعر العباسي خاصة والشعر العربي بصفة عامة؛ وهو من الشعراء الذين لم يتعلموا الفارسية وإنما شهد ما بقي آثارها؛ فاستدل به على عظم الحضارة الساسنية وإبداعاتها، فوصف الحضار وصفا بديعا، وتخيل الداثر من هذه الحضارة فوصفه كأنه يراه. ومن هنا يمكن أن نقول بأن امتداد ملك الأكاسرة في بلاد العراق التي عاش فيها البحتري، وتركهم آثارا دلت على عظمة ملكهم كإيوان كسرى جعل (العينة بينة)، كما يقولون، ليدخل البحتري ذلك الإيوان ويصفه وصفا يكون وثيقة تاريخية فيما بعد يستشهد بها المؤرخون مثل ول ديورانت على إبداع الفن الساساني كما أشرنا في مقال سابق.

kesrraaa

لقد فتن البحتري ببلاد الفرس وحضارتهم فتنة جعلته معجبا بدفاع الفرس عن حمير واليمن وصنعاء وعدن قبل الإسلام؛ فنظم في ذلك قصيدة يذكرها لنا المسعودي في مروج الذهب، ومنها ننقل شعره مدحا في أبناء فارس يعدد فيها أياديهم البيضاء التي ستظل مشكورة مذكورة على طول الزمان، فيقول فيها:

فَكَمْ لَكُم مِن يَدٍ يَزكُوا الثناء بها

ونعمةٍ ذكرها باقٍ على الزمنِ

إن تفعلوها فليست بِكْرَ أَنعمكُم

ولا يدٌ كأياديكُمُ على اليمنِ

إذْ لا تَزالُ خيولُ الفُرسِ دافعةً

بالضَّرْبِ والطعنِ عَنْ صنعا وعن عدنِ

أنتم بنو المنعمِ الُمجدي ونحنُ

بنو من فاز منكم بفضل الطول والمِنَنِ

وإذا كان لكل شاعر جزء مقسوم من الأغراض الشعرية والصور التي برع فيها، فإن شاعرنا البحتري كان شاعرا بارع الوصف، رقيق اللفظ جميل الصورة، وهو بذلك يفوق أستاذه أبا تمام في هذا الغرض رغم اعترافه له بالفضل قائلا بأن جيد أبي تمام خير من جيده ورديئه خير من رديء أبي تمام الذي نصح البحتري بكلام يعد دستورا في النقد الأدبي فقال له: ((يا أبا عبادة، تخير الأوقات، وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم…فإذا أردت النسب فاجعل اللفظ رقيقاً، والمعنى رشيقاً، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وخلق الاشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي إيادٍ، فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، واجعل شهوتك لقول الشعر الذريعة إلى حُسن نظمه. فإن الشهوة نعم المعين، وجملة الحال أن تعتبر شعرك بما سلف من شعر الماضين، فما استحسنه العلماء فاقصده، وما تركوه فاجتنبه)).

ولقد سمع البحتري الدرس فوعاه فوصف فأحسن ومن وصفه للربيع تأثرا بالنيروز الفارسي نذكر أبياتا تعد آية على هذا النيروز بحيث أصبح يذكر مقرونا بهذه الأبيات يقول البحتري:

اتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً
من الحسن حتى كــاد ان يتكلما
وقد نّبه النيروز في غسق الدجى
أوائل وردٍ كن بالأمس نوما
يفتقها برد الندى، فكأنه
يبث حديثاً كان من قبل مكتماً.

rabee

كذلك إذا وصف قصر كسرى في شعر أو نثر فلا بد من الإشارة إلى سينية البحتري التي يقول عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان بأنها أحسن وصف في إيوان كسرى، وقد قالها البحتري حينما ضاقت به السبل بعد مقتل الخليفة المتوكل الذي كان يعتني بالبحتري وكان من أسباب تحول حاله من الفقر المدقع إلى الحياة الكريمة فبدأها بالحكمة قائلاً:

صُنْتُ نَفسي عَمَّا يُدَنِسُ نَفْسي وتَرَفَّعْتُ عن جَدا كل جِبْسِ

وتماسَكتُ حينَ زَعزَعني الدَّهرُ التماساً منه لتَعْسِي ونَكْسي

ثم يذكر بأن قصر كسرى الملقب بأبيض المدائن هو المكان الذي تنحط فيه الهموم وتستريح فيه النفوس فيقول:

حضرت رحلي الهموم فوجهت إلى أبيض المدائن عنسي

 أتسلى عن الحظوظ وآسى لمحل من آل ساسان درس

 ذكرتنيهم الخطوب التوالي ولقد تذكر الخطوب وتنسي

ثم يقارن بين واقع القصر الذي رأى منه بقايا شاهدة على عظمة الساسنيين وماض تخيل فيه القصر تحفة من تحف التاريخ ولم يبق منها إلا كما يبقى للإنسان من فضل الثياب فيقول:

  حلل لم تكن كأطلال سعدى في قفار من البسابس ملس

 ……..

 نقل الدهر عهدهن عن الجدة حتى غدون أنضاء لبس

 ……….

 لو تراه علمت أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس

 وهو ينبيك عن عجائب قوم لا يشاب البيان فيهم بلبس

 فإذا ما رأيت صورة أنطا كية ارتعت بين روم وفرس.

ويتميز البحتري عن الذين وصفوا الإيوان مقارنين بين ماضٍ يشرق وواقع بآثار المكان يحترق بأنه كان مكثف العبارة إلى حد كبير، مبدع الصورة أجمل إبداع فمثلا جلال الدولة البويهي يخط على جدار الإيوان بخطه:
يا أيها المغرور بالدنـيـا اعتـبـر
بديار كسرى ، فهي معتبر الورى
غـنـيت زمـانـاً بملوك أصبحت
مـن بـعـد حـادثـة الـزمان كما ترى
وفي هذه الأبيات لا نقف على غير عظة في أسلوب عادي خطابي يعد عيبا فنيا من عيوب الشعر، ولا نجد فرقا كبيرا بين البويهي وإن كانت أرقى في الصورة وابن الحاجب الذي قال في الإيوان:

يا من بناه بشاهق البنيان

أنسيت صنع الدهر بالإيوان

هذي المصانع والدساكر والبنا

 وقصور كسرانا أنو شروان

كتب الليالي في ذراها أسطرا

بيد البلى وأنامل الحدثان

إن الحوادث والخطوب إذا سطت

أودت بكل موثق الأركان

أما البحتري فإنه نقل في خلال الحكمة والعظة من دروس الماضي حالة شعورية ووصفا تفصيليا في لغة مكثفة فبيته

 فإذا ما رأيت صورة أنطا كية ارتعت بين روم وفرس

يشير إلى أن في الإيوان صورة كسرى أنو شروان وقيصر ملك أنطاكية وهو يحاصرها ويحارب أهلها ثم يصف لنا البحتري بعدها المعركة وطريقة تنظيمها ولباس الجند مستعينا بالصورة التي شاهدها فيقول:

والمنايا مواثل، وأنو شروان يزجي الصفوف تحت الدرفس

في اخضرار من اللباس على أصفر يختال في صبيغة ورس

وعراك الرجال بين يديه في خفوت منهم وإغماض جرس

من مشيح يهوي بعامل رمح ومليح من السنان بترس

تصف العين أنهم جد أحياء لهم بينهم إشارة خرس

يغتلي فيهم ارتيابي حتى تتقراهم يداي بلمس

ثم يشرع بعد ذلك في تخيل مجلس للشراب متخيلا أنه يجلس مع كسرى فيقول:

وتوهمت أن كسرى أبرويز معاطي والبلهبذ أنسي

ويصف ستائر الإيوان ويتخيل منظر الجواري والقيان، وشرفات القصر في لوحة توحي بخيال واسع ووصف رائع؛ ليقر بشدة فتنته وإعجابه بهذا القصر ليقول:

ليس يُدرى أصنع إنس لجن سكنوه أم صنع جن لإنس

ثم يستدل بهذه الحضارة على علو شأن ملوك الفرس بعد أن بهر بحضارتهم فيقول:

غير أني أراه يشهد أن لم يك بانيه في الملوك بنكس

ويقول بعد هذه الفتنة بفارس بأنه رغم أنه عربي وليس من جنس فارس إلا أنه يذكرهم لأنهم غرسوا بذور حضارتهم واستفاد منها الناس فيما بعد وكانوا عونا للعرب في فترات زمنية مختلفة وهو بعد كلف بكل شريف من كل جنس فيقول:

ذاك عندي وليست الدار داري باقتراب منها ولا الجنس جنسي

غير نعمى لأهلها عند أهلي غرسوا من ذكائها خير غرس

أيدوا ملكنا وشدوا قواه بكماة تحت السنور حمس

وأعانوا على كتائب أريا ط بطعن على النحور ودعس

وأراني من بعد أكلف بالأشراف طرا من كل جنس

وهكذا تدلنا هذه القصيدة الرائعة للبحتري التي أصبحت وثيقة تاريخية بالإضافة لنفاستها الفنية دليلا على فتنة الشاعر بالفرس وعشقه للحضارة الساسنية وهو بعد قد نلمسه إذا ما أعدنا قراءة نتاج الشاعر مرة أخرى مستخرجين معجمه الشعري المتأثر بالفارسية والصور الفنية الجديدة التي دخلت إلى الشعر العربي من خلال التأثر بالحضارة الفارسية وتلك نقطة بحثية تحتاج إلى دراسة.

التعليقات مغلقة.