كتاب “محمد ابن دُرَيْد وكتابه الجمهرة” عرضًا ونقدًا – د. محمد علي عطا

15045629_10210650852046023_1343965039_n

د. محمد علي عطا

Ma.ata.2020@gmail.com

كتاب “محمد ابن دريد وكتابه الجمهرة”، للدكتور شرف الدين علي الراجحي، المنشور في دار المعرفة الجامعية بالإسكندرية، عام 1985م، هو في الأصل رسالة دكتوراه، نوقشت في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية، وجاءت في(344) صفحة، شملت: تقديما للدكتور عبده الراجحي رحمه الله، ثم مقدمة المؤلِّف، وتحدث فيها عن: اهتمام العرب بلغتهم، وتطور أشكال العناية بها حتى تأليف الجمهرة، ثم خطته في البحث.

 وجاءت الدراسة في بابين كبيرين يحوي كل منهما فصلين: فالباب الأول: فيه الفصل الأول الذي يتحدث عن الحياة السياسية والدينية والفكرية والأدبية والاجتماعية في عصر ابن دريد، ثم الفصل الثاني الذي يتحدث عن حياة ابن دريد، والباب الثاني يتحدث فصله الأول عن آثار ابن دريد، وذكر فيه سبعة كتب من كتبه تفصيلا، وذكر 21 كتابا آخر إجمالا.

 ثم جاء الفصل الثاني وخصَّصه للحديث عن كتاب الجمهرة ممهدا بالحديث عن: نشأة المعاجم العربية، ومنهج الخليل في كتاب العين، ثم كتاب الجمهرة من حيث: منهجه، ومقدمته، ومناقشة منهجه فيه، وتحليل بعض المواد، وشواهده، واللغات واللهجات فيه، والغريب المهمل، ومعنى الكلمة ومدلولها، والمهاجمون للجمهرة، ثم الخاتمة والنتائج والمصادر والمراجع، والفهرست.

والكتاب يعد أقدم ما أُلِّف من رسائل عن ابن دريد والجمهرة، وكأي جهد بشري به الكثير من نقاط القوة وحسن المعالجة، والقليل من الملاحظات والمآخذ، وفيما يلي تفصيل ذلك.

أولا: المميزات: وهي كثيرة منها:

  1. تحدث عن “أحاديث ابن دريد” التي هي أصل فن المقامات، وذكر الآراء والأقوال فيها، وأجرى مقارنات بين ما يُخمَّن أنه منها وبين مقامات بديع الزمان (ت398هـ)، والحريري(ت446هـ([1]).
  2. التحقيق في قضية شرب ابن دريد(ت321هـ) للخمر بسَوق كلام الفقهاء وخاصة أبا حنيفة ([2]).
  3. ذكر أن لكتاب أخبار ابن دريد الذي كتبه الشنقيطي نسخة موجودة بمكتبة كلية الآداب بالإسكندرية تحت رقم (10م)([3])، وهذه معلومة جديدة لم يذكرها أحد من المحققين لكتب ابن دريد، وقام بوصفها وصفًا جيدًا.

ثانيا: المآخذ: وقع الدكتور شرف الدين الراجحي- كعادة البشر- في قليل من الأخطاء، ولن أذكر من الأخطاء المطبعية غير خطأ واحد في عنوان الكتاب، ولكن سأذكر الأخطاء المنهجية:

  1. جاء اسم الكتاب”محمد بن دريد وكتابه الجمهرة”، بإسقاط ألف الوصل من”ابن”، وحقها أن تثبت؛ لأن دريد هو الجد وليس الأب.
  2. خطَّأ المسعودي(ت346هـ) صاحب “مروج الذهب” في ادعاء أسبقية أبي المقاتل نصر بن نصير الحلواني في فن المقصورة وجَعْلِه أول من ابتدع فن المقصورة، وقد اعتمد في تخطيئه على أسباب واهية، وهي: أن مقصورة الحلواني لم تكن كاملة وشاملة لكل الأغراض التي اشتملت عليها المقصورات من بعد، ولم تسر بها الركبان كما حدث مع قصيدة ابن دُرَيْد([4]).

 وهذا الموقف وهذه الأسباب تتناقض مع ما قاله بعدُ عن أسبقية ابن دريد في فن المقامات([5])، فإنه نسب له فضل السبق فيها رغم أن مقاماته لم تكن مكتملة فنيًّا كما في مقامات بديع الزمان(ت398هـ)، والحريري(ت446هـ)، ولم تسر بها الركبان كما سارت بمقامات الأخيرين، ومتى كانت البدايات مكتملة فنيًّا؟

  1. – أكد نسبة بيتين في وصف الخمر لابن دُرَيْد(ت321هـ) لأنه كان يشرب الخمر أو كان متهما بشرب الخمر([6])، وهذا سبب واهٍ في النسبة؛ لأن ابن دريد نفسه حكى أنه رأى شخصا في المنام كنَّى نفسه أبا ناجية الشامي، ودار بينهما حوار في تفضيله على أبي نواس في الوصف، فأنشده هذين البيتين للتدليل على تقدمه في فن الوصف على أبي نواس، وكذلك ليس كل شاعر يصف الخمر لابد أن يكون عاقرها فربما يكون يصف الخمر جريا على العادة وليس بسبب التلبُّس بها؟!

وقد ناقض الدكتور شرف الدين الراجحي نفسه؛ حيث قال بعد ذلك رادًّا رأيًا لطه حسين في اتهام العصر الأموي بالمجون([7]):”…وثمة دليل آخر وهو أن كثيرا من الشعراء كانوا يصفون الخمر في شعرهم وهم لا يشربونها”. فانظر كيف تناقض الدليلان؟!كما أن هذا يتناقض مع ردِّه تهمة شرب الخمر عن ابن دُرَيْد بعد ذلك بأدلة كثيرة([8]).

  1. – تحدث عن اهتمام المستشرقين بابن دُرَيْد وذكر في هذا السياق كتاب “السرج واللجام” الذي حققه وليم رايت([9])، ولم يذكر كتاب “المطر والسحاب”، وهما نشرا في كتاب واحد، والسياق سياق استقصاء، وقد أشار إليهما معًا بعد ذلك([10]).
  2. – أخطأ في عدة أمور عند قراءته لمخطوطة “من أخبار ابن دريد”؛ حيث أخطأ في قراءة بعض الأبيات وفي وزنها العروضي مثال ذلك البيتان ص215، وهما حسب قراءته الخاطئة:

فقلت لحمى خيبر استعدي…هذا عيالي فأجهدي وجدي

وباكري بمـــــــــــال ودود…اعانـك الله وعلى ذي الــــــــجند

والصواب فيهما([11]):

قلتُ لحٌمَّى خَيْبَرَ اسْتَعِدِّي…هَذِي عِيَالي فَاجْهَدِي وَجِدِّي

وبَــاكِـــري بِصَــــالِبٍ وَوِرْدِ…أَعَــــــــانَكِ اللهُ عَلَى ذَا الجُـــنْدِ

  1. لم يفطن إلى أن مخطوطة “من أخبار ابن دريد” ضمن مجموع، فأخذ يصف الكتب الأخرى في المجموع على أنها من كتاب ابن دُرَيْد([12])، ومن هذه الكتب: كتاب”الحروف التي يتكلم بها في غير موضعها” لابن السِّكِّيت(ت244هـ)، والنصوص التي نقلها موجودة فيه([13])، وكتاب “الإبدال والمعاقبة والنظائر” للزَّجَّاجي (ت337هـ)، والنصوص التي نقلها موجودة فيه([14]).

وبعدُ فهذه هي الملاحظات المنهجية التي وقفت عليها عند قراءتي لهذا السفر العظيم، وهي لا تنزع عن هذه الدراسة شرف السبق وشرف تقديم العالم الجليل عبده الراجحي -رحمه الله- لها.

_____________

الحواشي:

([1])  انظر محمد ابن دريد وكتابه الجمهرة، (ص100-105)، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1985م.

([2])  السابق، (ص107-114).

([3])  السابق، (ص124).

([4])  السابق، (ص94).

([5])  انظر السابق، (ص197).

([6])  انظر السابق، (ص99).

([7])  انظر السابق، (ص109).

([8])  انظر السابق (ص105-114).

([9])  انظر السابق، (ص129).

([10])  انظر السابق، (ص162).

([11])  انظر من أخبار أبي بكر ابن دريد، تحقيق عبد الحسين المبارك، ص157، مجلة المورد، مجلد7، العدد الأول، سنة 1978م.

([12])  انظر محمد ابن دريد وكتابه الجمهرة، آخر فقرة (ص216) إلى (ص217).

([13])  انظره بتحقيق رمضان عبد التواب، (ص53)، مطبعة جامعة عين شمس، ط1، 1969م.

([14])  انظره بتحقيق عز الدين التنوخي، (ص1، 2، 5، 49، 64)، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق، 1962م.

التعليقات مغلقة.