حماسة عبداللطيف والتأصيل للشعر الحر بقلم: فولاذ عبدالله الأنور

حماسة عبداللطيف والتأصيل للشعر الحر
بقلم: فولاذ عبدالله الأنور

فولاذ

لم يشأ عام 2015 أن يودعنا ، قبل أن يرزئنا في آخر ليلةٍ من لياليه برحيل أستاذنا الشاعر والناقد والعالم الجليل الدكتور محمد حماسة عبداللطيف ، ليجعل استقبالنا للعام الجديد 2016 مشبعاً بالحزن والأسف ، وإن كان تسليمنا بقضاء الله وقدره قد خفّف من هذا الأسى الذي كانت تفاجئنا به أيام العام الماضي تباعاً ، حيث اختطف الموت عدداً كبيراً من شعرائنا وكتّابنا الكبار بمعدل واحدٍ عن كل شهر من شهور تلك السنة ، فرحل محمد الفيتوري ، ومحمد التهامي ، وسليمان فياض ، وعبدالرحمن الأبنودي ، وجمال الغيطاني ، وفؤاد قنديل ، وإدوار الخرّاط ، وابتهال سالم ، ومحمد مصطفى زيدان ، والفنان العالمي نحّات الخشب المصري صبري ناشد وقد كان أستاذاً لي في مادة التربية الفنية بالمرحلة الإعدادية بسوهاج ، ثم يُكمل الموت مآسيه باختطاف الدكتور محمد حماسة عبداللطيف من بيننا ، وهو يملأ الزمان والمكان بحضوره الحميم ، ليختفي عنا وهو لايزال يملأ الزمان والمكان .
ويبدو أن الموت – الذي عادةً ما يتصدى له الشعراء بإبداعهم في مواجهتهم الفَنَاء ـ يشكّل هماً لايفتأ يلاحقهم كلما حاولوا اقتناص اللحظة كي لا تزول ، فقد سجّل حماسة عبداللطيف هذا المعنى في ديوانه ( نافذة في جدار الصمت ) الصادر عام 1974 بالاشتراك مع زميليه الشاعرين الدكتور أحمد درويش والدكتور حامد طاهر مع قراءة نقدية ضافية لأستاذنا الناقد الكبير الدكتور محمود الربيعي ، بقول حماسة عبداللطيف :
العجلات تدورْ
ودُخَانٌ أسودُ ماينفكّ يثورْ
وأخاديدْ
يرقد فيها العمر ُالذاوي نهب الخوفْ
نهب القَدرِ الرابضِ في العجلاتِ ، ومعه السيفْ
آهٍ لو يسهو
القدر الرابضُ في العجلات كثيراً مايلهو
يا اللهعش
ماتت في الموال النغمه
دُفِنَت في الشفتين الكلمه
واجتمعوا
خرست ألسُنُهم . . دمعُوا
رجعوا . . والحسراتْ
تقطر من أوجههم عرَقاً ،
قالوا ماتْ
أصدر حماسة عبداللطيف بعد ذلك ديوانا آخر ضم قصيدة واحدة طويلة بعنوان ( السفر والنيل ) كما أخبرني الأستاذ الدكتور أحمد درويش ، وكتب عشرات القصائد الأخرى التي لم يجمعها في ديوان مكتفيا بنشرها في الدوريات وبعض مواقع الاتصال الاجتماعي ، ومكتفيا بتفرغه في محراب العلم للبحث والتحقيق والتصنيف والإشراف على الرسائل العلمية ، وقد تتلمذنا على الراحل الكريم في كلية دارالعلوم جامعة القاهرة وأفدنا كثيراً من علمه وتبسيطه لقواعد النحو والصرف والعروض ، وتطبيقاتها والاستدلال بها على التوجّهات اللغوية للشعر الحر في مصر والوطن العربى ، وقد تتابعت مؤلفاته في هذا المجال ، لتقوم بدورها خارج أسوار الجامعة فيفيد منها الدارسون والمبدعون على السواء ، حيث صدر له العديد من الكتب في هذا الشأن من بينها (الضرورة الشعرية في النحو العربي 1979) و (في بناء الجملة العربية 1982) و (النحو والدلالة 1983) و (الجملة في الشعر العربي 1990) و (البناء العروضي للقصيدة العربية 1999) ، ولعل كتابه الشهير ( ظواهر نحْوية في الشعر الحر الصادر 1990 ) يُعدّ من أهم المراجع العلمية لدارسي الشعر الحر وشعرائه وباحثيه ، وقد مهد لهذا الكتاب بمقدمة جامعة تتخللها إثارة علمية موضوعية تفتح شهية القارئ للمضي قدما على صفحاته ، لينتقل بعدها إلى نظرية الانحراف عن المعيار اللغوي صرفيا وتركيبيا في الشعر العربي ، ثم يعمد إلى القدماء ونظرتهم إلى المخالفة النحوية في الشعر مبيناً أثرها العلمي والفني على القصيدة العربية ، ليتحول بعد ذلك – في تبسيطٍ علميٍ رائق – موضحاً أنواع التحرر في الشعر الحر بأسلوب في غاية البلاغة والإيضاح ، مختتما بعد ذلك كتابه بمعالجة دلالية للظواهر النحويةوالصرفية المخالفة في شعر صلاح عبدالصبور ، واضعاً بين يدَي القارئ المبررات العلمية لاختيار هذا الشعر دون سواه .
ولد محمد حماسة عبداللطيف في محافظة المنوفية عام 1941 ودرس في كلية دارالعلوم ثم أصبح معيدا بها فأستاذاً فرئيس قسم فوكيلاً لها ، وانتخب نائباً لرئيس مجمع اللغة العربية ، مشاركا في مهام قومية أخرى كعضويته للجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ، وأمانة بيت الشعر بيت الست وسيلة ، وكان يومه الذي مات فيه حافلاً بنشاطه في المجمع صباحاً والمجلس ليلاً ، حتى وافته المنية مع الساعات الأخيرة من ذلك اليوم الذي اختتم به العام الماضي أيامه ولياليه ، كما اختتم به أيام وليالي محمد حماسة عبداللطيف ، الذي كان يملأ أجواءنا الثقافية فكراً وحراكا ، لينتهي برحيله المفاجئ عمْرٌ من الشعر والعلم والأخلاق الكريمة والذوق الرفيع .

توقيع حماسة حماسة نادر ديوان

هامش:

■ أبيض وأسود [ 41 ] 《 قالوا مات》: عنوان قصيدة لأستاذنا الراحل العالم الجليل الدكتور محمد حماسة عبداللطيف ، فتح بها《 نافذة في جدار 》وهو الديوان المشترك للفرسان الثلاثة أساتذتي : الدكتور حامد طاهر والدكتور أحمد درويش والدكتور محمد حماسة عبداللطيف على الترتيب كما جاء في الديوان الذي تصدرته قراءة نقدية ضافية لشيخنا الجليل الأستاذ الدكتور محمود الربيعي .
صدر الديوان عام 19744 وأنا في أول عهدي بالكلية وقد حظيت بنسخة منه ممهورة بإهدائه بخط يده ، واعتبرت هذا الإهداء بمثابة أول جائزة لي من دارالعلوم في شخص الدكتور حماسة عبداللطيف .

● الصورة المرفقة :
11- صورة نادرة للدكتور محمد حماسة في السبعينيات ، سطوت عليها في خزانة التراث الخاصة بصديقنا العزيز عبد الفتاح جمال الدرعمي على صفحات الفيس وأدرجتها على صفحتي دون إذن منه ، لعلمي أنه سيفرح بهذا السطو ، وسوف يشجع عليه .
2- صورة غلاف الديوان المشترك للفرسان الثلاثة .
33- صورة الصفحة الأولى من الديوان وبها إهداؤه لي بخطه وتوقيعه .

● وهذا مقال لي عنه كتبته إثر وفاته ولم يتح لي نشره إلا على صفحات الفيس هذه الأيام :

وهل أنسي ؟

التعليقات مغلقة.