غلائل الذكرى: أول يوم في دار العلوم – د. أسامة شفيع السيد

غلائل الذكرى
ـــــــــــــــــــــ
أَوَّلُ يَومٍ فِي دَارِ الْعُلُوم

أسامة

في مساء أول يوم من أيام دراستي في دار العلوم حضرتُ ندوة للشيخ محمد الغزالي رحمه الله، وكان شريكَه فيها الدكتور محمد عمارة. سمعت الرجلين، فعرفت فرق ما بينهما، وخلاصته أن الأول يسوسه عقله “بين” القرآن والحديث، فهو متقلب بين الوحيين، إن فاتته غاية هنا أدركها هناك. أما الآخر فيسوسه عقله “إليهما”، فتارة يدرك، وتارة ينقطع دون الغاية! وما ذاك في الرجلين إلا من أثر البدايات، فليست الكتابة على المحو كالكتابة على البياض!! 

الغزالي

اندفعت بعد الفراغ من الندوة نحو الشيخ الغزالي، ولما قمت بين يديه، وسلّمت عليه، جعل ينظر إليّ ويطيل النظر -أو هكذا خيل إليَّ- كأنما يستنكه أمرا تقنَّع بسجاف الغيب، ثم ابتسم!

صلينا خلفه العشاء الآخرة، وكان يصلي قاعدا لعلو سنه، فلما قُضيت الصلاة أردت أن أذكر له مسألة حيرتني في كتبه، فقد كان واسع الخطو في الثناء على العقاد، وفي الحط على طه حسين، حتى قال في بعض ذلك: “العقاد أوسع ثقافة، وأرجح فكرا، وأقوم قيلا، بل أكاد أقول: إن المقارنة المجردة بينهما تخدش قدر العقاد!” أو كلاما هذا حاصله.

عقاد

كنت آنذاك حديثَ عهد بمقال للعقاد يطري فيه كمال أتاتورك، فعجبت كيف يُكبره الشيخُ الغزالي مع ثنائه على أتاتورك. هذه هي المسألة التي كانت تدور في نفسي، فقصدت إلى الشيخ بعد الصلاة لأسأله فيها، فلما حيل بيني وبينه، قال لمن منعوني: دعوه! فلما جلست بين يديه، وعرضت المسألة عليه، اعتذر بأن ذلك إنما كان من العقاد في بداياته، في كلام آخر لست أذكر منه الآن شيئا، لكن الذي أذكره أني انصرفت إلى بيتي سعيدا بما سمعت، فقد كنت وما زلت أكره أن أُساء في العقاد، وكانت هذه أول مرة ألقى فيها الشيخ وآخرها!

وأبكرت ـ في اليوم التالي ـ إلى دار العلوم لأشهد أول دروس الأدب الجاهلي. كانت قاعة الدرس غاصة بالطلاب والطالبات، فلما دخلتها كأني انقلبت إلى “ريف” مصر، فما رأيت تجاور المدينة والقرية في مكان كما رأيته في دار العلوم! وذلك أن الكثرة الكاثرة من أبنائها من أهل القرى، يغدون مع الصباح إلى “دارهم”، ويروحون مع المساء إلى “دارهم”، وهم في غدوهم ورواحهم يصطحبون عاداتهم وأفكارهم وسائر ما انطوت عليه صدور الأبناء من تراث الآباء!

انتظرنا أستاذنا الدكتور علي الجندي رحمه الله تعالى ليلقي علينا الدرس، فلما دخل القاعة إذا شيخ قد جاوز السبعين، “يمشي الهوينى كما يمشي الوجِي الوحِل”، وهو في ذلك آخذ بعض سرواله بأطراف أصابعه يرفعه حذِرا أن يمس أدناه أعلى حذائه، ومن بين يديه ومن خلفه حَفَظةٌ من “عاملي” الكلية يحولون بينه وبين الطلاب، أو يحولون بينهم وبينه، أن تمسه يد أحدهم، فيسودَّ بياضُ يومه، وتملأ البلابل صدره سحابة نهاره! ذلك أن الشيخ كان “موسوسا”، فلا يسلم على أحد إلا غسل يده بعدها، لا بالماء، ولكن ببعض المطهرات الطبية!!

كان الشيخ عذب الحديث ألوفا، كأنما هو قلب ولسان، قد انهتك بينهما حجاب النفس، فزال كل أثر للتكلف، ذلك الذي تراه عند عامة الناس في ميعة الشباب وفتوته، وكأن النفس في المشيب تكون قد أضناها المسير، فإذا هي لم تنكف عن الغواية بداعي التقوى، انكفت بلازم السآمة، ولقد صدق من قال: “والشيب أوقر والشبيبة أنزق”؛ فإن مادة “و ق ر” في اللسان دائرة معانيها على الثقل والسكون، وليست السآمة شيئا إذا لم تكن هذين!

علي الجندي

التعليقات مغلقة.