المُهاجِر – شعر: شريف أمين

شريف

قال: دعْنِي
وشَتْ بقلبي الدُّرُوبُ
وتعادَى المحِبُّ والمحبوبُ
نفثَتْ سُمَّها الكراهيةُ
امتدَّ أذاها
وغابَ عنهُ الطبيبُ
تَغْلِبٌ لـمْ تزَلْ تلاحقُ بَكْرًا
دونَ ثأْرٍ
لِتَسْتَمِرَّ الحُروبُ
لـمْ يعُدْ عَيْشُنا يَطِيبُ
وأنَّـى لِدَمٍ نافرٍ بعَيْشٍ يَطيبُ؟!
للنَّدَى موْعِدٌ تؤجلُهُ الحرْبُ
وللموتِ موعِدٌ مضْروبُ
هلْ نوَيْتَ الرحيل؟
لا، بل نَوَانِي
لـمْ يُفَصِّلْ حجابَهُ محْجوبُ
أسرفَ القلبُ في خطاهُ لقومٍ
لا قِرَىً عندَهم ولا ترْحِيبُ
لهمُ الحقُّ في سؤاليَ عنهمْ
ولهمْ عذرُهمْ إذا لـمْ يُجِيـبُوا
إخوةٌ أوفياءُ إنْ وَسِعَ العَيْشُ
وزُورٌ إنْ ضيَّقَتْهُ الكُروبُ
صمتُهمْ صورةٌ لقلبٍ غليظٍ لا يُبالي
وقولُهُمْ تَثْرِيبُ
زَحَمُوا جانِبَ المحبَّةِ
لكِـنْ لبَنُ الحُبِّ عندهَمْ مسْكوبُ
رقصَ الحبُّ في دمِي رقصةَ الموتِ عليهمْ
ومَسَّ قلبي لُغُوبُ
صارَ خِلْوًا
فلا البعيدُ بعيدٌ عن يديهِ
ولا القريبُ قريبُ

لمَ تَبْكِي؟
أبْكِي على زمنٍ
فيه تساوَى الغلَّابُ والمغْلُوبُ!
ورمَى الحزنُ نفسَهُ في المسَرَّاتِ
فلمْ يُفْدَ أحمقٌ أو لَبِيبُ
لا كثيرٌ ولا قليلٌ يُرَجَّى
كلُّ شيءٍ تسيلُ منه الذُّنوبُ
وطنٌ مثلُ غَيْمةٍ من دُمُوعٍ
حيثما أمطرتْ فثَمَّ وجيبُ
وبلادٌ صَمَّاءُ بَكْماءُ عَمْياءُ
وعرْجاءُ حينَ يُنْوَى الذُّهُوبُ
نَفَشَتْ في ضِياعِها غَنَمُ القَوْمِ
وأغْفَى عمَّا يَرَاهُ الذِّيبُ
أعْثَرُ الحَظِّ أنْ تعيشَ بأرْضٍ
كلَّ يومٍ مَسِيحُها مصْلُوبُ!
هذهِ الأرضُ أقْفَرَتْ يا صديقي
وخفافِيشُ ليلِها لا تَغِيبُ
وأساطيرُ الأوَّلينَ شُروقٌ ليس يُجْدِي
والآخِرُونَ غُرُوبُ
ما الذي في انتظارِنا؟
كلُّ حُلْمٍ مُسْتَحَقٌّ
وكلُّ حَقٍّ سَلِيبُ
وقَفَتْ ضِدَّنا البِلادُ
وآوَتْ لِدَعِيٍّ يقولُ وهْوَ كَذُوبُ
يَسْرِقُ الكُحْلَ في العُيُونِ
فحَتَّامَ سَتأْوِي للصبْرِ يا أيُّوبُ؟!
صارتِ الأرضُ مرتعًا ملكِيًّا
وسجونًا لكي تقيمَ الشعوبُ
فاغضبي يا رياحُ
لا تجْرِ يا نيلُ
وزُومِي بِرَفْضِنا يا سُهوبُ
أينَ نَمْضِي وكُلُّها ثُكُناتٌ؟
كلُّ دَرْبٍ وفَخُّهُ منْصُوبُ
لا أمانٌ لكي يُرَبَّى صغيرٌ
أو يغنِّي في عُشِّهِ عندليبُ
والحياةُ التي اتَّفَقْنا عليها
حَشْوُ كِيسٍ تناوَبَتْهُ الثُّقوبُ
صارتِ الأرضُ مُومِسًا يا صديقي
يَعْتَلِيها مِيزانُها المَقْلُوبُ

سوفَ أَمْضِي فِي رِحْلَتِي
غير أنِّي
بينَ قلْبِي وبينَ عقْلِي حُرُوبُ
سوفَ أَمْضِي
ورُبَّما بعدَ حِينٍ نْلْتَقي
إنْ أفْضَتْ إلينا الدُّرُوبُ
في بِلادٍ تُحِبُّنا
إنْ دنَوْنا لا تُجافِي
وإنْ سأَلْنا تُجِيبُ
فسلامًا يا صاحِبي أينما سِرْتَ
ولُقْيَاكَ بعد ذاكَ نصيبُ
فَرَسِي صاهِلٌ
ودُونِي بلادٌ لمْ أَجُبْها
والعُمْرُ شَمْعٌ يَذوبُ
ليتَ مَنْ أسْرَجَ الخيولَ قديمًا
كانَ يدْرِي متى الخيولٌ تؤوبُ

التعليقات مغلقة.