صديقي محمد حماسة كما عرفته – بقلم: أ.د. محمد عبد المطلب

12400665_10209652822257448_3478276743267570283_n

(1)

واضح أنني أستعير عنوان صديقي محمد حماسة -رحمه الله- الذي اختاره عنوانًا لمقالته عني، والتي نشرها بمجلة (إبداع) عام 2012، وكل ما حدث من تغيير في العنوانين أن صديقي استخدم الفعل المضارع (أعرفه)، أما عنواني فقد استبدل الماضي بالمضارع (عرفته)، لأن مقالته كتبها وأنا ما زلت على قيد الحياة، أما مقالتي فقد كتبتها بعد رحيله إلى جوار ربه.

والمؤلم أنني لم أقرأ هذه المقالة إلا بعد رحيله، وكان قد أخبرني عنها عند نشرها، ولما ذهبت لشراء المجلة لم أجدها. ثم غاب الأمر عن الذاكرة. وبعد الرحيل نَشَرتِ المقالَ على صفحة الشبكة الفضائية واحدة من مريديه ومن تلاميذي، هي الدكتورةمروة مختا ر، ثم جاءت مفاجأة أخرى عندما نشر واحد من أخلص أبناء حماسة هو الدكتور محروس بريك قصيدةً لحماسة أهداها لي عندما أجريت جراحة عام 2014، ولم أقرأ القصيدة إلا بعد رحيله -أيضًا- إلى جوار ربه ليجزيه خير الجزاء مع الصديقين والشهداء، لما قدمه من خدمات عظيمة للإسلام واللغة العربية والعلم والثقافة والأدب.

وسوف أذكر هنا فقرة قصيرة من مقالته، تكشف عن نبله ووفائه، وقد تساقطت الدموع وأنا أعيد قراءتها، يقول فيها: “محمد عبد المطلب عندي نموذج للعلماء الحقيقيين الذين يعنيهم العلم وحده دون سواه، ولذلك لا يجد غضاضةً في أن يسأل شيئًا يراه عند غيره، ولا يمنعه كبر، ولا يحجزه استعلاء، لذلك نجده في ازدياد مستمر، وامتلاء دائم”.

هذه الدمعات التي سالت عند القراءة سالت لأنها ذكرتني بحوارات كثيرة معه عبر الهاتف، إذ كلما استعصت عليّ مسألة نحوية أو معضلة عروضية، أسرع بالاتصال به أطلب القول الفصل، وعندها تنطلق ضحكته عالية مجلجلة، قائلا: “عبدالمطلب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس يسألني في النحو والعروض، فأذكره بقوله تعالى: “فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون”، وأنت يا حماسة الحبيب أعلم أهل الأرض بالنحو والعروض، فتزداد ضحكته ارتفاعًا قائلا: هذه سمة العلماء”.

وأما القصيدة فسوف أذكر منها بيتًا واحدًا يقول فيه:

فاسلمْ على الدهر يا أصفى النفوسِ، ويا ** أحبَّ مَنْ عرَفَت نفسي بلا كذبِ

وإنما ذكرت المقال والقصيدة لأبرئ نفسي من تهمة التقصير في شكر صديقي الوفي النبيل، على الرغم من أن ما بيننا من صداقة نقية خالصة لم تُتِح لنا أن نتبادل الشكر أو الثناء أو التهنئة، وهو ما عبر عنه المتنبي في بيتيه الشهيرين:

إنّمَا التّهْنِئَاتُ لِلأكْفَاءِ

ولمَنْ يَدَّني مِنَ البُعَدَاءِ

وَأنَا مِنْكَ، لا يُهَنِّئُ عُضْوٌ

بالمَسَرّاتِ سائِرَ الأعْضَاءِ

ذلك أن الصداقة التي ربطت بيننا استحالت إلى نوع من التوحد والتلاحم. وفي هذا السياق أذكر واقعة قريبة زمنيًّا في (معهد الدراسات العربية) الذي كنا نقوم بالتدريس فيه معًا، وقد حدث تداخل زمني بين محاضرتي ومحاضرته، وذهبَتْ إليه المسئولة ترجوه تعديل موعده، فيقول لها -كما أخبرتني هي- لو طلب محمد عبد المطلب إحدى عينيّ أقدمها له راضيًا سعيدًا.

ويُمكن أن أضيف -في هذا السياق الحميم- مجموعة إهداءاته التي سجلها على كل كتاب يُهديه إليّ، ولا مجال لذكر هذه الإهداءات، لكن من الممكن تلخيص مضمونها في (عمق الصداقة والمحبة والأخوة التي تربط بيننا)، وهذا ما يمكن تمثُّله في الإهداء الأخير له الذي سجله في كتابه (فتنة النص) عام 2007، يقول فيه: “أخي العزيز الذي لا أجد له نظيرًا”، وبالطبع لا يمكن أن أغادر هذا المحور دون أن أذكر تقديمه الأثير لمعظم مؤلفاته، من قوله تعالى: “رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني”.

(2)

من الإنصاف أن أستهل هذا المحور بالجملة التي قالها الشاعر الكبير فاروق شوشة الأمين العام لمجمع اللغة العربية في حفل استقبال الأستاذ الدكتور محمد حماسة عضوًا بمجمع اللغة العربية عام 2006، يقول الشاعر: “نحن أمام عالم لغوي من طراز مختلف، له مدرسة في النقد اللغوي، وهي مدرسة تُعيد علم العربية (النحو) إلى سابق دائرته الكبرى، ومفهومه الأوسع، وعلاقاته الحية بالإبداع شعرًا ونثرًا. نحن أمام عالم لغوي يتابع ما بدأه عبدالقاهر الجرجاني في ربط المعاني النحوية بمدلول النص الأدبي”.

وهذه مقولة صدق عن هذا العالم اللغوي الفذ الذي فقدناه، وفقدنا معه طاقة خلاقة في إبداع الدلالة، وفي إنزال النحو العربي منزلته التي يستحقها، إذ استطاع بعبقريته أن يُعيد تقديم النحو العربي تقديمًا غير مسبوق، يكاد يقارب كثيرًا من الجهود النحوية واللغوية في العالم الحديث، بدءًا من (سوسير، وبلومفيلد، وتشومسكي). ما قدمه سوير عن (اللغة والكلام)، وما قدمه بلومفيلد عن (النحو الوصفي)، وما قدمه تشومسكي عن (النحو التوليدي). فقد أقدم حماسة على إفساح الطريق أمام إمكانات النحو العربي التحويلي في الجملة الاسمية والفعلية، وكشف القناع عن الحقول الصياغية والدلالية للغة العربية، ذلك أن (النحو والدلالة) عنده وجهان لشيء واحد، وهو ما يمثل –على نحو من الأنحاء- امتدادًا متطورًا لجهود عبدالقاهر الجرجاني في نظرية النظم التي تتأسس على العلاقات النحوية التي تربط بين المفردات والمركبات في بناء الأسلوب الأدبي والأسلوب العادي المألوف.

إن عبقرية حماسة قادته إلى مسالك غير مطروقة، ومن سلكها قبله صبغها بصبغة أعجمية، وكأن الباحث يدرس لغة أخرى غير اللغة العربية. أما حماسة فقد أوغل في دراسته النحوية من خلال متابعة تحليلية للجملة الشعرية والجملة النثرية، طولا وقصرًا، ذِكْرًا وحذفًا، تعريفًا وتنكيرًا. والإضافة الحقة في هذا السياق هو أنه ربط كل هذه الإمكانات النحوية بالبنية العروضية، مع محاولة التوفيق بين الوزن الصرفي والوزن العروضي، معتمدًا -في كثير من ذلك- على ما أسسه سيبويه في قوله: “ليس شيء يضطرون إليه إلا وهم يريدون به وجهًا”.

ويمكن أن نوثِّق بعضًا مما ذكرناه بذكر عناوين بعض مؤلفاته التي أصبحت المرجع الأساسي لكل الباحثين في اللغة والنحو في العالم العربي:

  • الجملة في الشعر العربي.
  • ظواهر نحوية في الشعر الحر.
  • في بناء الجملة العربية.
  • العلامة الإعرابية في الجملة بين القديم والحديث.
  • من الأنماط التحويلية في النحو العربي.
  • النحو والدلالة.

(3)

إن هذا الجهد اللغوي يقدم لنا عالمًا من طراز فريد في مساره التنظيري الذي قاربه بعض من سبقوه أو لحقوا به، لكن عالمنا لم يتوقف عند هذا التقديم النظري، بل اعتبر هذا التقديم مجرد تمهيد أولي يقوده إلى النتائج الإجرائية التي يستهدفها من تمهيده، أعني بذلك تحويل هذا التنظير إلى إجراءات تطبيقية على الشعر العربي القديم والحديث على سواء، فأعاد قراءة السيرة الشعرية العربية منذ بكورتها الأولى عند امرئ القيس ومَن زامنه أو جاء بعده من أمثال (طرفة بن العبد) و(زهير بن أبي سلمى) و(النابغة) ثم (حسان بن ثابت) و(الحطيئة)، وصولاً إلى (المتنبي والمعري). ويواصل إجراءاته التطبيقية على الأجيال الشعرية الأخيرة ومنجزها الحداثي وصولاً إلى الشاعر (حسن طلب).

ومن اللافت أن متابعاته التطبيقية تكاد تستوعب معظم شعراء العصر، بدءًا من (أحمد شوقي) إلى الشاعر السوري (سليمان العيسى) وصولاً إلى (محمود غنيم)، ثم يتقدم زمنيًّا إلى (السياب، والبياتي، وصلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، والشاعر الكويتي خليفة الوقيان)، ثم يواصل التقدم الزمني إلى (أمل دنقل، وفاروق شوشة، ومحمد أبو سنة، وحسن طلب).

أي أن حماسة قد وسع سلطته التطبيقية لتلاحق الشعرية العربية في كل أزمنتها القديمة والحديثة والحداثية، وكل مراحلها التطورية من الجاهلية، إلى مرحلة الإحياء، إلى المرحلة الرومانسية، فالواقعية، فالحداثة وما بعدها، ولم يتوقف بمتابعته إلا عند (قصيدة النثر) التي نظر إليها خارج دائرة الشعر العربي.

يقول الجاحظ في (البيان والتبيين): “اختيار الرجل قطعة من عقله” (1/17)، وأضيف إلى ذلك: (اختيار الرجل قطعة من ذوقه الجمالي)، وهذا القول يقودنا إلى مجمل الإجراءات التطبيقية ومنطقها التحليلي، إذ إنها كانت -جملة- خاضعة لذائقة محمد حماسة الجمالية والثقافية بكل مخزونها اللغوي والنحوي والثقافي، ومن ثم فإن قراءة بعض من هذه الإجراءات التحليلية سوف تكون توثيقًا لعبقريته اللغوية من ناحية، وتوثيقًا لذائقته الجمالية الرفيعة من ناحية أخرى، ثم توثيقًا لأصالته الثقافية من ناحية ثالثة، هذه الثلاثية يندر أن تتجمع في شخص واحد، اللهم إلا في أمثال (عبدالقاهر الجرجاني) في القرن الخامس للهجرة، ومن تابعه من رواد مدرسته النظمية، ذلك أن كثيرًا من لغويي ونقاد هذا الزمن تجور طبيعتهم العلمية على ذائقتهم الجمالية، أو العكس، لكن مع حماسة تكاملت القدرتان، وعلى هذا سوف تكون متابعتنا لاختياراته التي أجرى عليها تحليلاته اللغوية والجمالية والثقافية لتأكيد كل ما سبق أن ذكرناه، وبخاصة إضافته العبقرية عن (ارتباط النحو بالدلالة) على الأسس التي أسسها عبدالقاهر الجرجاني في نظريته النظمية.

ولن أتوقف عند اختيارات حماسة من الشعر القديم، فنظرته لهذا الشعر نظرة تعلو به على ما تلاه من شعر في العصور الشعرية المتتابعة، ومن ثم سوف يكون توقفنا عند شعراء الحداثة، لأنه الشعر الذي تختلف حوله الآراء بين متقبل تقبلاً مطلقًا، وبين رافض رفضًا مطلقًا، وهناك من يتقبل منه ما توفرت فيه ركائز الشعرية العربية، ثم يرفض ما خرج على الركائز خروجًا كليًّا، أما حماسة فكانت اختياراته تلاحق قمم الحداثة الشعرية من أمثال: صلاح عبدالصبور، وأحمد عبدالمعطي حجازي، وأمل دنقل، ثم حسن طلب.

أما اختياره من شعر صلاح عبدالصبور فكان من قصيدته الشهيرة (لحن) التي يقول فيها:

جارتي لست أميرًا

لا، ولست المضحك الممراح في قصر الأمير

سأريك العجب المعجب في شمس النهار

أنا لا أملك ما يملأ كفي طعامًا

وبكفيك من النعمة تفاح وسكر

وكانت ممارسته التحليلية للنص متمثلة في بنية (الضمير – أنا)، وتحديد سياقه الحتمي الذي لا يصلح ضمير آخر ليحل محله، ويؤدي نفس مهمته الدلالية والنحوية، ذلك أن هذا الضمير قد ارتفع بالدفقة الشعرية إلى أفق جمالي ذاتي باذخ.

وعلى هذه الذائقة الجمالية جاء اختياره لواحدة من عيون قصائد أحمد عبدالمعطي حجازي (طلل الوقت) التي يقول فيها:

طلل الوقت والطيور عليه

وقع

شجر ليس في المكان

وأسيرات يستغثن بنا

شجر حائل ووقت شظايا

وكانت قراءاته التحليلية قائمة على رصد الوظائف النحوية ودورها في إنتاج المعنى بكل بعده الثقافي والجمالي والإيقاعي.

(4)

وتوثيقًا لمقولة الجاحظ السابقة: “اختيار الرجل قطعة من عقله”، أحاول في هذا المحور أن أقتنص بعض مقولات حماسة التي ترددت في مجمل أحاديثه الخاصة والعامة، وهي مدونة في كثير من الحوارات التي أدارها معه بعض الصحفيين، ثم سجلت على صفحة الشبكة العنكبوتية.

مقولاته عن كلية دار العلوم، بيته الذي عشق كل حبة تراب فيه:

“كلية دار العلوم أُنشئت عام 1872م، أي مضى عليها الآن مائة وأربعون سنة، وهي على مدى هذا التاريخ كانت تخرج أعلامًا لهم دور واضح في تعليم اللغة العربية، ليس في مصر وحدها، ولكن في العالم العربي”.

بعض مقولاته في التعليم:

“إن التعليم هو أساس النهضة، هذه حقيقة، وأي أمة لن تنهض إلا إذا كان تعليمها راقيًا موفقًا مؤديًا لغرضه”.

“الفقراء هم الذين يعلمون أبناءهم التعليم العربي، أما التعليم الأجنبي فهو للأغنياء وحدهم، وهؤلاء الذين يتعلمون تعليمًا أجنبيًّا، سيكون ولاؤهم لأصحاب لغتهم التي يتعلمونها”.

“معلم لا يعرف شيئًا، يعلم تلميذًا لا يعرف شيئًا، والحلقة تدور، فيخرج التلميذ لا يعرف شيئًا”.

مقولة عن مجمع اللغة العربية:

“أعضاء مجمع اللغة العربية مظلومون في كثير من الأحيان، لأن الناس ينتظرون منهم ما ليس مطلوبًا منهم”.

مقولة عن النحو والدلالة:

“النحو والدلالة وجهان لشيء واحد، وأنا حاولت منذ بداية حياتي العلمية أن أقرن النحو بالدلالة، لكي يكون للنحو وظيفة ودور”.

مقولة عن شعر العامية:

“لا بأس أن يكون هناك شعر عامي، فالعامية هي اللغة التي نتكلم بها دون أن نتعلمها، لأننا نتلقاها فقط”.

وأَصِلُ من هذه المقولات إلى مقولته الأخيرة التي تبادلها معي ليلة رحيله إلى جوار ربه راضيًا مرضيًّا، فقد جمعنا اجتماع لجنة الشعر، وانتهى الاجتماع في حوالي الثامنة مساء، وقام مسرعًا للانصراف، قلت له: لم العجلة؟ فقال: والله يا محمد أنا خارج البيت منذ الصباح، وفي غاية الإرهاق، ثم تقدم نحوي واحتضنني وقبلني، ثم استوقفته لأعرض عليه أمرًا إضافيًّا، فعاد إلى احتضاني وتقبيلي مرة أخرى، قلت له في دعابة: أنت قبلتني منذ ثوانٍ، فقال: يا أخي ربما لا أراك مرة أخرى، مع ابتسامة شفافة تكاد تُطل على الآتي في عالم الغيب.

وفي الصباح جاءني الناعي بنعي واحد ممن سكنوا القلب والروح.

_______________________________

رابط قصيدة د. محمد حماسة في مدح د. محمد عبد المطلب (أرأيتم مثل مطلبِ؟!) :

أرأيتُمْ مثلَ (مُطَّلِبِ) ؟ – شعر د. محمد حماسة

رابط مقالة د. محمد حماسة (صديقي محمد عبد المطلب كما أعرفه) :

للتحميل: صديقي محمد عبد المطلب كما أعرفه – مقالة نادرة بقلم د.محمد حماسة

التعليقات مغلقة.