فلسفة الأسماء – بقلم: د.محروس بريك

12439311_10209057606817434_2640327933078471812_nتناثرت أسماء الأساتذة على لوحة كبيرة معلقة على جدران كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وقف طلاب الفرقة الأولى يحاولون فك رموز تلك اللوحة الغريبة؛ أمام الأسماء رموز تشير إلى الرتبة العلمية، وخلف كل اسم دائرة مكتوب في داخلها رقم يشير إلى رقم المدرج الذي سيلقي فيه الأستاذ محاضرته.

لفت نظري من بين كل هذا غرابة أسماء بعض الأساتذة، ويبدو أن ما شغلني قد شغل أذهان آخرين، حتى إن بعض الحمقى صاح بأعلى صوته مستنكرا أن يكون أحد الأساتذة اسمه (طبل) : (طبل ؟!! .. شكلها طبل وزمر يا شباب) ثم تعالت ضحكات المستهترين من حوله، وما أكثرهم !!

لي مع اسمي بعض الذكريات؛ لم أنس أبدًا ذلك المدرس الذي نظر إليّ بشيء من الازدراء في المدرسة الثانوية بمجرد أنه عرف اسمي، ولا أنسى كيف كان يلحّ على تفضيل أبناء المدينة من زملائنا علينا نحن –أبناء الريف- لا لأنهم أكثر منّا تحصيلا وفهمًا، بل لكوننا من ذلك المكان النائي الذي يعمل أهله بالزراعة، لا أنسى عندما سأل كلَّ واحد منا عن مهنة أبيه، وكيف كان يبتسم ويطيل الحديث متودّدًا مع من كان أبوه ضابطًا أو مهندسًا أو قاضيًا، في حين نهَرني لأني قلت له إن أبي يعمل (فلاّحًا)؛ لقد نظر إليّ شزرًا وقال: هذّب ألفاظك .. اسمه (مُزارِع) مش فلاح ! قلت له: لا بأس .. فقد كان النبي راعيًا للغنم. احمرَّ وجهه وكأني قد ألقيت على أمّ رأسه دلوًا من الجمر.

قابلت كثيرًا من الناس ممن لا يرضون بأسمائهم، لو كان الأمر بأيدينا ونحن أطفال لاخترنا لأنفسنا أسماء غير ما اختاره لنا آباؤنا، ولثُرْنا على اختياراتنا كبارًا!

مع مرور الأيام زادت قناعتي بأن المرء هو من يصنع اسمه؛ فالناس لا ينصرف ذهنها مثلا إلى أن هذه الأسماء (طه – عباس – رمضان) تشير إلى تدني الطبقة الاجتماعية إذا ما كان صاحبها (طه حسين) و(عباس العقاد) و(رمضان عبد التواب)، ولن ينصرف ذهنها كذلك إلى المعنى المعجمي لكلمة (طبل) بل سينصرف إلى دلالات العلم والأدب وطيب النفس وبلاغة المنطق إذا ما كان المراد بهذا الاسم (البلاغي القرآني الدكتور حسن طبل) الذي كنت أحرص على أن أجلس في الصف الأول مستمًعا إليه حتى إذا انصرف إلى زملائنا الآخرين يحاضرهم المحاضرة نفسها تبِعته إلى حيث كان كي أستمع إليه مرة أخرى.

في بادية نجد كثير من الأسماء الغريبة، يعود أكثرها إلى البيئة الصحراوية بنباتاتها وشجيراتها وجبالها ووهادها ووديانها وحيواناتها؛ لقد ظلْتُ أعاني فترة ليست بالقصيرة في نطق أسماء الطلاب على الوجه الصحيح عندما كنت أعمل بجامعة حائل، فالجامعة هناك ارتضت الإنجليزية لغة رسمية في كثير من أنظمتها الإلكترونية مما كان له دور في تخمين الأسماء على غير وجهها الصحيح، وبخاصة أن أكثر تلك الأسماء كانت تشيع فيها أحرف الضاد والظاء والهاء والحاء والعين والغين ونحوها من الحروف التي لها أشكال وأنماط في الكتابة بالحرف اللاتيني.

عجب أمرنا نحن العرب؛ لقد منَّ الله علينا بلغة معجزة، واتخذها لسانًا لقرآنه، فاتخذناها نحن وراءنا ظِهْريًّا، في الوقت الذي نتصايح فيه في نوادينا أن هناك مؤامرة كبرى تُحاك ضد العربية! لم أرَ أمة تُحسن النَّدب والبكاء مثل العرب؛ يبكون على الأطلال في مطالع قصائدهم، ويخصصون للندب بابا في النحو! ماذا كان يضير العرب لو جعلوا بعض مطالعهم مُكاءً لا بكاءً، وفَرَحًا لا تَرَحًا؟! رحمك الله يا أبا نواس!!

لم أكن وحدي من يعاني في نطق أسماء طلاب البادية على النحو الصحيح، أنَّى لمصري أو شامي أن يقرأ هذه الأسماء على وجهها الصحيح إذا كانت مكتوبة بالإنجليزية (شليويح – دعسان – إغْضَيّان – مغيصيب … إلخ)، ويصير الأمر أصعب إذا كان الاسم الرباعي كتلة من الصخور المتراصة.

إن للبيئة أثرًا في اختيار الأسماء؛ ففي الريف تميل الأسماء إلى اللين لما يكتنفه من هدوء وسكون ووداعة واطمئنان، وتميل في كثير من المدن إلى الاقتراض من الأمم المختلفة، في حين تميل في البادية إلى الصعوبة والغرابة؛ وتلك سنة اجتماعية ضاربة في أعماق التاريخ، تروي كتب الأدب أنه: (قيل لأبي الدقيس الأَعرابي لمَ تسمون أبناءكم بشَرّ الأَسماء نَحْو كلب وذئب وسِنان، وعبيدَكم بِأَحْسَن الأسماء نَحْو سعيد وسعد ورباح؟! فقال: إِنَّا نسمي أبناءنا لعدونا وعبيدنا لأنفسنا)، في إشارة منه إلى أن لدلالة الاسم أثرًا في نفس المستمع، فهم في الحرب إذا تنادَوا (اضرب يا صخر، واطعن يا سنان) كان أوقع في نفس الأعداء من أن يقال (اضرب يا سعد، واقتل يا رباح).

الذي عجبت له أشد العجب أن اسم (محمد) نادر جدا في البادية، في حين يشيع (حُمُود وحَمَد)، ليت الأمر يتوقف على عدم التسمية بمحمد بل تعدَّاه إلى إهانة هذا الاسم عن غير قصد؛ فالناس في البادية ينادون على الباعة والعمَّال من الهنود والبنغال باسم (محمد)، فأصبح الاسم يحمل دلالة احتقار الطبقة والمهنة. نادى بعض المارّة على زميل لي ليسأله عن مكان ما فقال له بصوت عالٍ (يا محمد) فلم يلتفت إليه، حتى إذا ما كرر ذلك الرجل نداءه، التفت صديقي صارخًا في وجه الرجل بلهجة عنيفة: (محمد إيه؟! .. ليه هو انت شايفني هندي؟!!). إلى هذا الحد أهنَّا نحن لغتنا ومقدساتنا عن قصد أو عن غير قصد؛ وصدق القائل:

إذا كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ ** وإن كنت تدري فالمصيبةُ أعظمُ

وإن تعجب فعجبٌ أن يظل غالبية الطلاب واجمين لا يحرك ألسنتَهم ذكر اسم النبي – صلى الله عليه وسلم – فلا تجد من يصلي عليه عند ذكر اسمه إلا من رحم ربي، لقد كدتُ أطير فرحًا عندما صليت الجمعة في الحرم المكي لأول مرة فوجدت المصلين تلهج ألسنتهم بالصلاة على النبي إذا ما ذكر الخطيب اسمه.

في بعض البلدان العربية يشيع اسم بعينه لسبب ديني أو بيئي أو سياسي …؛ ففي السودان مثلا يشيع اسم عثمان لأن بلاد النوبة والسودان فتحت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وفي الجزائر يشيع اسم عبد القادر حبًّا للصوفي المعروف عبد القادر الجيلاني، في حين يشيع لدى المصريين اسم محمد حبًّا في سيد الخلق (صلى الله عليه وسلم). في حين تشيع بعض الأسماء في فترة تاريخية ثم يخبو بريقها في فترات أخرى؛ نحو شيوع الأسماء المنتهية بتاء مفتوحة – نحو (شوكت) و(رأفت) و(مرفت)-  في مصر في فترة ما قبل الخمسينيات؛ تأثرًا بالأسماء التركية، في حين شاع اسم (جمال) و(ناصر) لدى شريحة من المصريين في فترة الستينيات حبًّا في جمال عبد الناصر.

في الآونة الأخيرة لم تعد هناك رموز سياسية أو دينية بعينها فاتجهت الأنظار إلى الرموز الوهمية من لاعبي كرة القدم والفنانين والفنانات، فشاعت أسماؤهم لدى عامة العرب، ثم تحوّل الأمر إلى مباراة في الحصول على الأسماء الغريبة غير الشائعة. كثيرًا ما يتصل بي الأقارب والأصدقاء لأقتنص لهم من المعاجم العربية اسمًا غريبًا لم يسبق لأحد من البشر التسمية به، على أن يكون سهل الجرس جميل المعنى، سألني أحدهم ما معنى (ريماس) فإنه يود تسمية ابنته به؟ قال لي: إنه بحث في شبكة الإنترنت فوجد بعض الناس يقول إنه بمعنى (الظلام) وآخرون يرونه بمعنى (ضوء القمر) وفريق حرّم التسمية به لأنه يعني إلهًا من آلهة الإغريق. لقد تاه المسكين ويرجو مني فتوى بأن الاسم حلال وصكًّا بمعناه كي يكون عونًا له عندما يسأله أحد عن معنى الاسم. عندما اقترحت عليه بعض الأسماء العربية الجميلة السهلة نحو (هند ، دعد) رفض لأنه يريد اسمًا جديدًا لم يسبق لأحد أن تسمى به! لما وجدت إصراره قلت له مبتسمًا:  سمّها (شليويحة). لم يفطن المسكين أنني أسخر من إصراره على اقتناص اسم غريب، فقال: (وما معنى شليويحة؟)، قلت: ذكر ابن حمارويه أنه الخنفشار المقلوب، وقيل بل هو مقلوب الخنفشار. فغَرَ المسكين فاه وقال: (بس مش صعب شوية الاسم ده؟!).

لأهل الريف أعاجيب في تحميل الأسماء معاني وصورًا خاصة؛ أذكر أنني عندما سميت ابنتي (ريم) قام كثير من أهل القرية يتصلون بي يرجونني أن أغير هذا الاسم، كانت حجّتهم أن (ريم) هو اسم لامرأة سوداء كانت تقُمّ بيوت الأغنياء في القرية وتقوم على خدمتهم، وإنهم يخشون أن تحمل ابنتي إرثًا من إيحاءات ذلك الاسم الذي استقر في أذهان أهل القرية. لم أكن لأقدّم الخرافة على العلم، فغدوت أشرح لهم معنى كلمة (ريم) لكن دون جدوى، تركتهم وشأنهم ومرت الأعوام وإذا بكثير منهم يسمون بناتهم باسم (ريم) بعد أن مات المعنى القديم للاسم وتبدّلت إيحاءاته، وغدا يعني تلك الطفلة الجميلة (ريم محروس).

قد يكون الاسم في حد ذاته سهلا غيرَ مستغرب في بيئته، لكنه إذا ما رُكّب مع اسم آخر بدا غريبا وربما طريفًا في بعض الأحيان؛ فأسماء مثل (ماشي) و(حافي) و(ليل) و(نهار) أسماء معروفة لدى أهل الصحراء، وكنا لا نجد نحن – الأساتذة – أية صعوبة في التعرف عليها وهي مكتوبة بالحروف اللاتينية، لكن الأمر يبدو غريبا إذا ما كان هناك طالب يسمى (ماشي بن حافي بن ليل بن نهار)، ويبدو الأمر طريفًا عندما يُسقط بعض الظرفاء من أساتذة الفقه المصريين كلمة (ابن) ويلح على نطق الاسم رباعيًا رافعًا صوته وهو يتلفت في القاعة ذات اليمين وذات الشمال: (ماشي حافي ليل نهار .. ماشي حافي ليل نهار).

كان (ماشي بن نهار) مشتهرًا بذلك الاسم الثنائي، حتى جاء ذلك الأستاذ الأزهري الظريف فقوَّض تلك الثنائية إلى غير رجعة.

التعليقات مغلقة.