غلائل الذكرى (الحلقة الرابعة) : أول الفن المحاكاة! – د. أسامة شفيع السيد

16176028_10209626247826033_799424719_n“ومهما يكن من شيء، فقد أقبل الفتى على طلب العلم مسرفًا على نفسه، متكلفًا في سبيل ذلك ضروبًا من تلك المشاقِّ التي صرفت أقرانه إلى أنواع من العمل لا تكلف صاحبها عناءً، وإلى صنوف من اللهو والقصف تملأ الأبدان وتفرغ العقول. وصاحبنا في ذلك لا يلوي على شيء، ولا يشغله إلا تلك الغاية التي يُطيف هاجسها بنفسه، فلا يملك له دفعًا، فهو يخرج إلى الجامعة إذا تنفس الصبح، ولا يزال يتنقل بين قاعات الدرس، حتى إذا ارتفع الضحى أقبل على المكتبة، وأنفق فيها سائر يومه، فإذا آذنه عاملها بموعد الانصراف، راح إلى بيته مع غروب الشمس، سعيدًا بما حصَّل من العلوم، مغتبطًا بما وقف عليه من المعارف. وهو في غدوِّه ورواحه كأنما الدنيا عنده كتاب وكاتب، فلا تراه يلهو كما يلهو أقرانه ولِدَاتُه، وإنما هو الجِدُّ متصلا، والعملُ دائبًا، والحياةُ جهمةً مربدةً”.

هذه فقرة أخرى ـ كتلك التي أسِفتُ على ضياعها في المقال السابق ـ كتبتُها منذ عدة سنوات رياضةً للقول، أروم فيها محاكاة أسلوب العميد، قد أعثرني عليها أخي الحبيب الدكتور محمد متولي، فجزاه الله من صاحب خيرًا.

ولعل هذا يدعوني إلى الحديث عن خصلتين فيَّ، تلوحان ـ باديَ الرأي ـ متتناقضتين: أولاهما قدرةٌ آنستها من نفسي على المحاكاة، فقد حاكيت العقادَ أسلوبًا وطريقةً في مقال لي عن المرأة عندما كنت في الفرقة الثانية من الكلية، وحاكيت أسلوبه وسنته في الحجاج في مقال آخر عنوانه “أزمة اللغة العربية في التعليم المصري”. ولما نزلت بحر الشيخ الأكبر في مرحلة الماجستير (عنوان رسالتي “الفكر الفقهي عند محيي الدين ابن عربي”) غرِقت فيه حتى بلغ الماءُ أذنيَّ، وكتبت في ذلك أقول: “أُشربت روحَ الشَّيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، حتى لو أردتُّ أن أنخلع عنه ـ ولا أريد ـ لم أستطع. ومن عرف بيانه وبياني، علم أني أكبريُّ القلب واليد واللسانِ، غير أن الشيخ مُحدَّثٌ ملهَمٌ، والفتى باحثٌ مستلهِمٌ”، وكأنما صح فيَّ قولُ صاحب (لسان الميزان): “ولم يصحبه [الشيخ محيي الدين] أحدٌ إلا وتغالى فيه، ولا يخرج عنه أبدًا، ولا يفضل عليه غيره، ولا يساوي به أحدًا من أهل زمانه”.

ولما سافرت إلى فرنسا بدا لي أن الأمر في الفرنسية كحاله في العربية، وأن اللغة ـ أي لغة ـ لن تُسلس قيادها إلا لمن عرف آدابها، فأقبلت على الأدب الفرنسي، وراقني أدب ألكسندر دوما (Alexandre Dumas)، فطالعت له أول الأمر (غادة الكاميليا) (La Dame aux camélias)، وعجبت كيف استبد العشق بالعاشق، وشقت عليه السلوى، حتى بعد وفاة معشوقته، فلم تدعه نفسه حتى نبش قبرها لينظر إليها ـ وقد أرمت ـ فينسى بما يرى من قبحها في موتها ألَقَ جمالها الذي تيمه في حياتها، وهذا من أعجب التسلي وأغربه! ولم أزل أذكر حالي في سحَر ليلة فرنسية باردة، حينما كنت أقرأ الفصل الأخير من روايته (Les Frères corses)، وفيه ينتقم أحد الأخوين من قاتل أخيه، وهو يلهج باسم أخيه القتيل، وعيناه تذرفان، وكذلك ذرفت عيناي. ومع ذلك عدلت، أو قل: عجزت عن محاكاة دوما، لقصور الملَكة وضعف الآلة آنذاك. ثم إني ألممت بأدب جوستاڤ فلوبير (Gustave Flaubert)، صاحب الرواية الشهيرة (Madame Bovary)، وقد اقتنيت منها عدة نسخ (لا أدري لماذا؟!). ومن الطرائف أني سكنت مدينة روان بفرنسا، وبها ولد فلوبير، فكنت أضاحك أصحابي قائلا: أنا وفلوبير بلديَّان (من بلدة واحدة)، هو ولادةً وأنا مُقامًا. ولم أزل أتقلب بين الكتَّاب الفرنسيين (ولذلك حديث مفصل سيأتي في إبانه بإذن الله تعالى)، حتى انتهيت إلى رينيه جينو (René Guénon)، فكنت كمن وجد ضالَّته بعد إياس، فاقتنيت جميع كتبه، وعِدَّتُها خمسة وعشرون، وبدأت بقراءة أوسعها شهرةً في الغرب (La crise du monde moderne = أزمة العالم الحديث)، ثم أقبلت على سائرها، ألتهمها التهامًا، وأَصِلُ في مطالعتها سوادَ الليل ببياض النهار، حتى فرغت من نحو عشرةٍ منها أو يزيد، ثم رأيت أثر ذلك فيما أكتب وفيما أقول بحمد الله، وتجلى هذا الأثر في رسالتي للدكتوراه؛ حتى إن فرنسيتي فيها راقت أحد من خَبَرَ تطور معرفتي بالفرنسية، وهو البروفيسور جبرييل مارتينيز جرو (Gabriel Martinez Gros)، وعجِب أن يكون هذا البيان الفرنسي لفتى “أعجمي”! 

لقد كان جينو، أو عبد الواحد يحيى (بعد إسلامه) (١٨٨٦ـ١٩٥١م) من كُتَّاب النصف الأول من القرن العشرين، ذا فرنسية رصينة واضحة مشبِعة، طويلَ النَّفَس ـ خِلافًا لأسلوب الكتابة الغربي المعاصر ـ في سبك الجمل، حتى إن منها ما يستغرق نصف صفحة بتمامه؛ وسبب ذلك كثرة احترازاته واستطراداته، وفي هذه الطريقة بعضُ الدليل على قوة عقل الكاتب، واجتماع قلبه، وتدفق خاطره، وبصره بمواضع الزلل في فهم ما يكتب، وشدة عنايته بقارئه. على أن أسلوب جينو يفتقر في الجملة إلى مسحة الجمال التي تجدها لدى مفكرين وفلاسفة آخرين، كبرجسون (Bergson) مثلا، إلا عند من يرى الوضوح جمالا، وإنه لكذلك في زماننا خاصة! ومن عجائب أمره وأمري أني اجتهدت في محاكاته صقلا لفرنسيتي، كما اجتهدت من قبل في محاكاة طه حسين صقلا لعربيتي، ثم علمت أن الرجلين التقيا في القاهرة (كان جينو يقيم بمصر منذ عشرينيات القرن الماضي، ويسكن حي الدقي)، فأعرض هذا وأعرض هذا؛ لاختلافهما في المشرب الفكري، وتباينهما الحاد في التوجه الحضاري. وحسبك أن تعلم أن طه حسين كتب في (مستقبل الثقافة في مصر) يدعو المصريين إلى أن يتقَفَّوْا آثار حضارات البحر المتوسط؛ لأنها إليهم أقرب، وبهم أنسب، بينما كتب جينو ـ الذي له جنوح، بل انصراف بالكلية إلى التصوف وعلوم الوهب ـ في (أزمة العالم الحديث) يطلب إلى الغرب الحديث أن يجثو على ركبتيه أمام الشرق ليتعلم كيف يبني حضارته! فكان المفكر الشرقي داعيةَ تغريب، وكان المفكر الغربي داعية تشريق، فتخالفا فافترقا! ولقد أذكرني هذه الاجتماع (المفرِّق) بنظير له حفظه التاريخ بين ابن عربي وابن رشد، تكلما فيه بطريق الإشارة، وفهم كلاهما عن صاحبه مراده، غير أن ابن رشد كان أسدَّ رأيًا وأكثر حصافة من العميد؛ إذ عرف لابن عربي ولطريقته قدرهما، ولم يصنع ذلك ولا قريبًا منه طه حسين مع جينو (ولعل لذلك عودًا مفصلا فيما نستقبل بإذن الله).

على أن الطريف حقًّا في شأن هذه الدائرة الفكرية ما قرأته بعدُ لشارل أندريه جيليز (Charles André Gilis)، أو عبد الرزاق يحيى (بعد إسلامه)، وخلاصته أن من أراد من الغربيين أن يفهم الشيخ الأكبر (ابن عربي) لزمه أن يبدأ بقراءة كتب جينو؛ فهي كأنما وُضعت لتمهد السبيل إلى الحضرة الأكبرية، ولما كنت غريق البحر الأكبري من حين بقل وجهي وطُر شاربي، كنت مع تواليف جينو كمن سار على محيط الدائرة وهو عليم بمركزها، فمهما لقيتُ في هذا المحيط من سائلٍ مستخبر دللته بإذن الله، وقد كان أصدقائي من الفرنسيين المسلمين يستشكلون كثيرًا من كلام جينو، فإذا سألوني عن مراده أجبتهم في غير عناء ولا سابقةِ حيرة بحمد الله.

ها أنت ذا قد علمت ـ يا صاحبي ـ أن المحاكاة اللغوية صحبتني في الفرنسية كما صحبتني في العربية من قبلُ، بل إنها تجاوزت اللغات إلى بعض المواهب الأخرى، فقد كنت أحاكي بعض الممثلين في صغري، وبعضَ قراء القرآن في صباي، وبعضَ أصحاب التواشيح والأناشيد في شرخ الشباب، ولم تزل للبدايات أحكام تلازمني فيما آتي من ذلك وما أدع، وتُطل برأسها بين حين وآخر، كأنما تقول ليَ ساخرةً: لم تزل فتيلتُك توقد من بقية زيتي!

على أنني لاحظت أن محاكاتي لم تزل منقوصة أبدًا، فلا تراني أبلغ الغاية في شيء منها، ولا أُحكمُها كل الإحكام، بل أخلع على شخصية مَن أحاكيه مِن نفسي، فإذا هي خليط من مِزاجي ومِزاجه، فلا تخلص لي، فيقالَ: مبتدِع، ولا تخلص له، فيقالَ: متَّبِع! وإنما عرفت ذلك بمجالسة من هم أبرع مني في هذا الشأن، فإنهم إذا سمعوا مني وسمعت منهم، تبينت مواضع النقص فيَّ بمواضع الكمال فيهم. وعلة هذا النقص ـ فيما أرى ـ خصلتي الأخرى التي أومأت إليها آنفًا، وذكرت أنها تدابر فن المحاكاة، وهي شغفي بالتقدم، وعزوف نفسي عن رتبة المصلِّي ( المصلي من الخيل في المضمار ثانيها، والسابق أولها)، كأنما أنظر إلى قول أبي الطيب:
                  إذا غامرتَ في شَرَفٍ مَرومِ *** فلا تقنع بما دون النجومِ!
وليس من شكٍّ في أن صاحب المحاكاة مصلٍّ لا سابق، قانع بما دون النجوم، فكأن نفسي لما نفرت من هذه الرتبة احتالت في الخروج عنها، فكان ما أسلفتُه من عدم الإتقان، فلا يلوح لي أنه ثمرة العجز، ولكنه من الضيق بالمقام.

على أن المحاكاة قد أفادتني في العموم أمرًا آخر، وهو اكتناه روح من أحاكيه وإن دثَّرها بألف إهاب، وسترها بألف حجاب، حتى غدا فيَّ ذلك طبعًا وديدنًا، سواء أردت المحاكاة أو لم أرد، وعندي على ذلك شاهد مما وقع لي في مطالعاتي، ففي كتاب (حياتي) لأحمد أمين مقطع يذكر فيه بلاءه بفقد صداقة صديق طالما اتخذه مرآةً لنفسه، ورفيقًا لدربه بالرغم من اختلافهما في الطباع والميول والأهواء. يقول في الفرق بين طبيعتيهما:

“هو أقرب إلى المثالية، وأنا أقرب إلى الواقعية، وهو فنان يحكمه الفن، وأنا عالم يحكمه المنطق، وهو يحب المجد ويحب الدويَّ، وأنا أحب الاختفاء وأحب الهدوء، وهو مغال إذا أحب أو كره، وأنا معتدل إذا أحببت أو كرهت، وهو نشيط في الحكم على الأشخاص وعلى الأشياء، وأنا بطيء، وهو عنيف إذا صادق أو عادى، وأنا هادئ إذا صادقت وعاديت، وهو واسع النفْس أمام الأحداث، وأنا قلق مضطرب غضوب ضيق النفس بها، وهو ماهر في الحديث إلى الناس فيجذب الكثير، وليست عندي هذه المقدرة، فلا أجتذب إلا القليل، وهو في الحياة مقامر يكسب الكثير في لعبة ويخسره في لعبة، وأنا تاجر إن كسبت كسبت قليلا في بطء، وإن خسرت خسرت قليلا في بطء. يحب السياسة لأنها ميدان المغامرة، وأنا لا أحبها إذ لا أحب المقامرة، ولعل هذا الخلاف بيننا في المزاج هو الذي ألف بيننا، فأشعره أنه يكمل بي نقصه، وأشعرني أني أكمل به نقصي!
جاءت العمادة مفسدة لهذه الصداقة؛ لأنه بحكم طبيعته أراد أن يسيطر، وأنا بحكم طبيعتي أردت أن أعمل ما أرى”.

لما قرأت هذا المقطع وقع في نفسي أنه يتحدث عن طه حسين، ولم أكن ألممت بتاريخ العلاقة بينهما إلا إلمامًا يسيرًا لا يتيح لي القطع بصدق ظني، ولكن الخصال التي ذكرها لصديقه ابتعثت في نفسي روحًا طالما رأيتها تسري في كتب طه حسين؛ وذلك أن لكل كاتب روحًا تنبئ بمكنون نفسه ومخبوء طبيعته من وراء حجاب الكلمات والأفكار.

وأذكر في هذا الصدد أنني لما قرأت كتاب (العلم والدين) لبرتراند راسل (Bertrand Russell)، أعقبته ـ اتفاقًا ـ بقراءة طائفة من كتب زكي نجيب محمود: (قصة عقل)، و(موقف من الميتافيزيقا)، و(عربي بين ثقافتين)، ثم كان أن دار حديث بيني وبين صديقي أحمد محمود، فقلت له فيما قلت: إني لأجد (روح) راسل فيما يكتبه زكي نجيب محمود! فلما كان الغد شرعت في قراءة (قصة نفس)، فإذا بأديب الفلاسفة يقول: “إنني وإن لم أكن تابعًا كل التبعية لبرتراند راسل في فلسفته، ولا رافضًا كل الرفض لها، إلا أنني مع ذلك أشعر برباط قوي بينه وبيني”.

طِرت بهذا الكلام فرحًا؛ لأنه ـ وقد جاء في (قصة نفس) لا في (قصة عقل) ـ دلني على صدق ما أذهب إليه من أن القراءة لا ينبغي أن تكون إمرار عينيك على الكلمات المتراصة، والجمل المتجاورة طلبًا لمعانيها، ثم لا مزيد، بل ينبغي أن تُفضي بك إلى شيء آخرَ أبعدَ غورًا من هذه الشيات الظاهرة والظواهر الساذجة. وضاعف فرحتي أني قرأت كتاب راسل مترجمًا إلى الفرنسية، قبل أن أعلم بالترجمة العربية لرمسيس عوض، فليس الأمر إذن مشابهة في أسلوب الكتابة، ولا في أنماط التعبير، ولكنه هذه الروح التي نعقل معناها، ثم لا يتضح هذا المعنى إلا بضرب مثال، وهو مُدرَكٌ أبدًا وإن تباينت لغات الكاتبين، وافترقت جهات الكتابة لديهم. بهذا أخبرتني التجربة.

وفي ذلك اليوم نفسه كتبت إلى أحمد هذه الرسالة:
“أخي الكريم أحمد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
قلت لك في حديثنا أمس: إنني أشعر أن هناك مشابهة بين زكي نجيب محمود وبرتراند راسل، فكأن الروح السارية فيما يكتبان واحدة! وقد وقفت اليوم على هذا المقطع من كتاب (قصة نفس) لزكي نجيب محمود، (ثم نقلت المقطع السابق)، ثم قلت: ولا أكتمك، يا أحمد، أنني قد غمرتني السعادة بتوفيق الله (سبحانه) إياي إلى هذه الملاحظة التي أيدها أحد طرفيها، واستشعرت ـ والمنة لله سبحانه-ـ أننا لا نقرأ فحسب، أعني أن حظنا من القراءة لا ينتهي عند ما تقتنصه أعيننا من الألفاظ والعبارات، ولا عند ما ينتهي إلى عقولنا من الأفكار والآراء والمذاهب، ولكننا نكتنه روح الكاتب وضميره، حتى إذا صادفنا روحًا تشبه روحه، وضميرًا يشاكل ضميره، لم يَخْفَ علينا ردُّ الفروع إلى الأصول، فكأننا نقرأ ـ حين نقرأ ـ نفوس الكاتبين على ما هي عليه، لا على نحو ما يصورونها، صادقين أو كاذبين”.

هذا ما وقع لي عندما قرأت مقطع أحمد أمين السابق. استجمعت نفسي وتمثلت هذه الروح، فلم أخطئ في طه حسين خصلة واحدة من الخصال المذكورة.

التعليقات مغلقة.