غلائل الذكرى (الحلقة الخامسة): فِي فَنَّيِ الْإِلْقَاءِ وَالتَّمْثِيل – د. أسامة شفيع السيد

16176028_10209626247826033_799424719_nحين أقبلت الثانوية العامة أضجرتني بسخفها، وأثقلت نفسي بتبعاتها، وأنا امرؤ أضيقُ بالقيود، وتزعجني رتابة العوائد، أحب أن أمسي في غير ما أصبح، وأن أصبح في غير ما أمسي من شئون العمل وتصاريفه، وتأبى هذه السَّنَةُ الكئيبة إلا أن تُحيل أبناءها كراتٍ موصولةَ الأواخر بالأوائل، كلما بلغت في جهة مداها، تبينتْ فإذا نهاياتها بدايات، وإذا بداياتها نهايات في سآمة مقنطة، ودَوْرٍ مُكِدٍّ، ولغط من الطلاب يصك أذنيك في كل لقاء، وأساتذة كسماسرة الأسواق، بضاعتهم علم زائف، قد أمسى رهين تُرَّهةٍ كبرى يسمونها (المجموع).

وأكثر الناس في شأن هذا (المجموع) أشباهٌ وأمثال كأسنان المشط، عالمهم في شأنه كالجاهل: فارتفاعه لدى كليهما نهاية الأرَب، كان ما كان المسير بعده أو المصير، فإذا عرفتَ الفن للفن، والعلم للعلم، فاعرف كذلك المجموع للمجموع!

برِمتْ نفسي بذلك كله، فكنت كثيرًا ما أدس كتابًا أطالعه في الكتب المدرسية، فيتوهم من حولي أني مشغول بالمذاكرة، وأنا مشغول عنها. وتاقت نفسي إلى النشاط المدرسي، ألتمس فيه الأنس من هذه الوحشة الموحشة، فالتحقتُ بجماعة الإلقاء، ونَبَهَ فيها ـ بحمد الله تعالى ـ شأني، حتى أحرزت الجائزة الأولى في إدارة وسط الجيزة في إلقاء قصيدة ” آه من التراب ” للعقاد، وكان الدكتور محمد حسن عبدالعزيز (حفظه الله) ـ و هو جار أبي ـ هو الذي اختارها لي. وفي العام التالي أحرزت جائزة أخرى في إلقاء قصيدة “المساء” لإيليا أبي ماضي.

ولما التحقت بدار العلوم، وتخرجت فيها، وليت أمر جماعة الإلقاء خَلَفًا لصديقي العزيز الدكتور محمد فتحي عبد العليم. والحق أن الطالبات كن أكثر إقبالا على هذا الفن، وأكثر براعة فيه من الطلاب، وبرَّزت طالبتان: رانيا يوسف وليلى الشامي، وكلتاهما غدت من الملقيات شعرًا.

أما فن التمثيل، فعرفته صنوًا للإلقاء، وبأثر منه. كان الأستاذ صبحي خليل (الممثل المحترف الآن) هو الذي يقوم على تدريبنا في كلا الفنين، وأعانه على ذلك أنه حصل على ليسانس اللغة العربية من كلية الآداب، فاستقامت سليقته، ثم على شهادة معهد الفنون المسرحية، فاستقامت قريحته.

اختارني الأستاذ صبحي لبطولة مسرحية “كفاح شعب”، وهي بالعربية الفصحى، وتحكي جهاد أهل الإسكندرية ضد العدوان الفرنسي، وكان صاحبكم هو(محمد كريم). ولا تسلني كم كنا ننفق من وقت في التجارب (البروفات) دون أن تعتري أحدنا ملالةٌ، أو تستنطقه شكاة! فلم يكن يمسنا فيها نصب ولا لغوب؛ إذ كان في النفس من الجَذل والسرور ما يرد كل نصب، ويدفع كل لغوب. إي وربي.. لقد استحال الأمر شهوةً محضة.. معرِضًا تتراءى فيه النفوس وتتخايل، يملؤها العُجْب، ويُطربها الإعجاب، وإنه لشرُّ مكان تكون فيه نفس امرئ: أن تقع بين عُجْب وإعجاب!

والحق أني برعت في التمثيل كما برعت في الإلقاء، وبلغتِ البراعة أن بكى كثيرٌ من الحاضرين في المشهد الذي كنت أودع فيه ولدي قبل أن يُعدمني الفرنسيون. ولعلي كذلك قد دمعت عيناي آنذاك، فقد صحب المشهدَ صوت ناي حزين، كأنه أنين ثكلى لم يبعد عهدها بفقد ولدها، ولم يزل صوت ذلك الناي يملأ شِعَابَ نفسي، ويُشيع فيها حزنًا خابيًا كلما ذكرته.

وقد دلتني هذه التجربة القصيرة على أن مصطلح (التشخيص) أدق من مصطلح (التمثيل)؛ لأنك لا تبلغ الغاية في أداء الدور وتصوير الشخصية حتى تكون إياها، فأنت لا تمثلها، وإنما تبعث في جسمك روحَها، ثم تُنشد بعدها “نحن روحان حللنا بدنا”! وإني لأذكر أني كنت أتخذ هيئة (محمد كريم) هيئةً لي، وطريقته في الحركة طريقةً لي في غير أوقات التمثيل والإعداد، يقع ذلك عفوًا لا تعمد فيه، ويلاحظه زملائي من حولي، ويضحكون مني، وأضحك كذلك من نفسي حين أنتبه إليه في خلواتي.

على أني تبينت فيما بعد أني مجبولٌ في العموم على الاستغراق فيما أنا آخذٌ فيه من الجِدِّ والهزل جميعًا، فإذا أقبلتُ على أمر أقبلتُ عليه بكُلِّي، فكأني فانٍ فيه، ثم أُودِعُ هذا الاستغراقَ عينيَّ، فمن نظر فيهما وأنا على هذه الحال، رأى صفحة نفسي في إقبالها وقوتها وعنفوانها، وهذا ما فسر لي ما صنعتْه إحدى المُدَرِّسَات بالمركز الثقافي الفرنسي حين كنت أَدْرُس ثمة، فقد سألتني ذات يوم في إلحاح شديد أن أغير مكان جلوسي من الصف الأول إلى الصف الأخير، معللةً طلبها بأنها تضطرب إذا صادفتْ عيناها عينيَّ في إبان الشرح. هكذا صرحت بالسبب دون مواربة! ووقع لي مثلُ هذا بأَخَرَةٍ في معهد جوته (Goethe)، حين خَفَّتْ نفسي إلى دراسة الألمانية، فقد لاحظتُ اضطراب الأستاذة أيضًا وانزعاجها كلما نظرتْ إليَّ، لكنها كانت تستر ذلك، وتجتهد في ستره، ولا غرابة فقد كانت أَسَنَّ من الأولى، وأوسع خبرة، وأعرف بالناس.

وأذكر أنني حين خرجت في (الباوزه = pause) (وهي فترة الراحة بين جزئي الدرس)، جلستُ وحيدًا في ركن قصيٍّ، وجعلتُ أرتشف الشاي رويدًا رويدًا، أَتلمس في حرارته الدفء من برد الشتاء، ووجدت له من لذة المذاق آنذاك ما لا عهد لي بمثله، فأيقنتُ أنها نشوةُ نفسي، سَرَتْ حلاوتُها في ظاهر حسي، فلو أني أكلت ساعتَها علقمًا لوجدته كخلاصة الزهر. وهذه شمسُ الشتاء الشاحبة قد أرسلت نحوي شعاعًا نحيلا تخلل أوراق الشجيرات حتى نفذ إليَّ، فلما سقط على وجهي تبسمتُ ابتسامةً ماكرةً؛ إذْ مرَّ بخاطري ما كان من أمر أستاذة الفرنسية قبل سنين.

وفي ذلك العهد عرفت اهتمام الفتيات بالممثلين، وإن كانوا في البدايات، وكدت أذوق هذه الفتنة، لولا سبق العناية، فلله الحمد!

وكانت هناك مسرحية أخرى “عامية فكاهية”، يخرجها الأستاذ صبحي أيضا، ويجري إعدادها مزامنًا لإعداد مسرحيتنا، وفي المكان نفسه، وكان بطلها محمود عبد المغني (الممثل المعروف الآن)، وعُرضت المسرحيتان على مسرح المدرسة السعيدية، ودعي إليهما الناس، وكان فيمن دعي مخرج شاب أتاني عقب انتهاء مسرحيتي، وعرض علي “دورًا” في مسرحية يخرجها على مسرح الهناجر.. فاجأني كلامه، فبُهتُّ، ثم اعتذرت إليه، فقال لي: فكر في الأمر، فقلت: يفعل الله ما يشاء.

التعليقات مغلقة.