“اِطْرَغَشَّ وَابْرَغَشَّ” لابنِ خَالَوَيْهِ..مَلامِحُهُ ونُتَفٌ منه – د. محمد علي عطا

15045629_10210650852046023_1343965039_n

 “اطْرَغَشَّ وابْرَغَشَّ” كلمتان عربيتان فصيحتان معناهما: بَرِئَ وشُفِيَ، وهو اسم كتاب لابن خَالَوَيْه(ت370ه)، ذكرته له مصادر ترجمته([1])، ولكنه فُقِد مع الكثير من كتبه التي فُقِدت، ولكن يمكن – من خلال النقولات القليلة التي وصلتنا منه- أن نتتبع سيرته، ومخطوطاته، وأن نحدد ملامح محتواه العلمي.

وليس هذا ترفًا علميًّا، ولكنه بمثابة دليل يُبحث به في المخطوطات اللغوية المبتورة ومجهولة النسبة، فلعله يقبع الآن في إحدى الزوايا ولا يدري عنه أحدٌ شيئًا، خاصة وأنه كان موجودا حتى بداية القرن الثالث عشر  الهجري كما سيأتي.

أما عن سيرته فأول نقل منه وقفت عليه هو نقل ابن العَديم(ت660ه) الذي نقل عنه في أربعة مواضع، في كتاب “بغية الطلب في تاريخ حلب”، ثم أبو جَعفر أحمَد بن يوسُف الفِهري اللَّبْلِيّ(ت691هـ)، الذي نقل عنه في موضع واحد وذكره في قائمة مصادره في كتابه”تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح”، ثم المرتضى الزَّبِيْدِيّ(ت1205ه)، الذي نقل عنه نقلا واحدًا وذكره في قائمة مصادره أيضا في معجمه”تاج العروس”، فقد كان الكتاب دوَّارًا ومعروفًا بين هذه الأعوام، وكان موجودًا حتى بداية القرن الثالث عشر الهجري.

وأما مخطوطاته فقد رأى ابن العديم(ت660ه) مخطوطة منه عليها خط ابن خالويه، ونقل منها.

وأما موضوعه فنستشف من نقولات ابن العَديم (ت660ه) واللَّبْلِيِّ(ت691ه)، والمُرْتَضَى الزَّبِيْدِيِّ(ت1205ه)، أنه:

يبدأ بذكر مجموعة من الشعراء مدحوا ابن خالويه وكتابه، وترتيبهم فيه كما نص ابن العديم في النقولات التالية، هو:

  • الجفني الشاعر.

  • ابن صدقة الهاشمي.

  • الأنطاكي.

  • وأيضا مدحه أبو العباس الشمشاطي (ت بعد371ه)([2])، ولكن ابن العديم لم يبين ترتيب ذكره بالنسبة للسابقين.

ثم بعد ذلك يتحدث في موضوعات اللغة مثل: ازْحَأَلَّ؛ مقلوب: احْزَأَلَّ، أي ارتفع. وأسماء لدغ الحية: نَهَسَتْه، ونَكَزَتْه، ونَشَطَتْه.

هذا كل ما أسعفتنا به النصوص القليلة التي وقفت عليها.

أما زمن تأليفه فقد ألَّفه بعد موت أبي المرجى؛ حيث ذكر أنه مات وترحَّم عليه كما سيأتي في النقول التالية، ولكن لم تسعفني كتب التراجم بترجمة له نعرف منها تاريخ وفاته.

أما من حيث ترتيب تأليفه بين مؤلَّفات ابن خالويه، فغالب الظن أنه ألفه متأخرا بعد شرح المقصورة التي أعتقد أنها من أواخر مؤلفات ابن خالويه؛ لأنه لم يذكره في أي من كتبه، وجرت العادة أنه كثير الإشارة لمؤلَّفاته.

نُتَفٌ مِنْهُ: وجدت خمسة نقول عنه سأوردها مرتبة أولا حسب أسبقية وفاة الناقل، ثم أرتبها حسب إيراد الناقل لها.

1-قال ابن العَديم(ت660ه)([3]):”وقرأت في كتاب اطْرَغَشَّ تأليف أبي عبد الله الحسين بن خالويه النحوي، وذكر جماعة مدحوه ومدحوا كتابه المذكور، وقال: قال أبو العباس الشميشاطي تميميٌ([4]):

  …………….                   لِلِعِلْمِ لَأْلَاءٌ بِجَانِبَيْهِ

لَيْسَ بِنَحْوٍ نَحْوُ سِيْبَوَيْهِ …إِلَّا إِذَا قَرَأْتَهُ عَلَيْهِ

وقد كان بين أبي العباس وبين ابن خالويه مودَّة تقتضي الثناء عليه، فإنني وقفت على أبيات لأبي العباس يرثي بها أبا عبد الله بن خالويه بعد وفاته”.

2- قال ابن العَديم(660ه)([5]): “ابن صدقة الهاشمي: شاعر، له أبيات في أبي عبد الله بن خالويه يمدحه فيها وأظنه يعرِّض بابن صدقة الموصلي([6]) فيها. نقلت من خط علي بن ثروان الكندي في أمالي([7]) أبي عبد الله الحسين بن أحمد بن خالويه، وذكر أنه نقلها من خط ابن خالويه، لابن صدقة الهاشمي فيه:

إِذَا مَــــــا الَمَرْءُ أَشْبَهَ وَالِدَيْـــه … فَأَيَّــــةُ حُـجَّـةٍ بَقِيَتْ عَلَيْــــــه

ومَا زَالَ الحُسَيْنَ لَهُ سَجَايَـــا … تُذَكِّرُنَـا مَخَـــــايِــلَ خَـالَوَيْــــــه

شَأَى كُبَرَاءَ أَهْــــــــلِ العِلْمِ طُـــرًّا … بِفِطْنَتِهِ وَحِــــدَّةِ أَصْغَرَيْــــه

وَفَـــــــلَّ المَوْصِلِيَّ لـهُ لِسَانٌ … بِــهِ أَنْحَى عَلَى ابْـــنِ دَرَسْتَوَيْـه

كَنَصْـلِ السَّيْفِ يَضْحَكُ وَالمَنَايَا … تُعَبِّسُ تَــــــــــارَةً في مَضْرِبَيْه

فَأَجْلَبَ حِيْنَ لم يَغْلِبْ خِـــــدَاعًا … فَكَادَ الصَّفْعُ يَأْخُـــــذُ أَخْدَعَيْه”

3- قال ابن العَديم(ت660ه) ([8]):”الأنطاكي: شاعر كان في عصر ابن خالويه، ومدحه بأبيات. قرأت في كتاب اِطْرَغَشَّ، تأليف أبي عبد الله بن خالويه قال بعد أن ذكر أبيات ابن صدقة الهاشمي التي ذكرناها في ترجمته، ثم قال: وقال للأنطاكي شِرْوَاه([9]):

وَمَــــا مَاتُوا وَكَيْفَ يَقُوْلُ مَاتُوا … وَفِيْنَا ابنُ المُقَدَّمِ خَـــالَوَيْه

فَإِنْ حَقَّقْتَ مَوْتَهُمُ فَحَقِّقْ … حُصُــوْلَ عُلُوْمِهِمْ في قَبْضَتَيْه

يريد بذلك الخليل وسيبويه وابن دَرَسْتَوَيْه جاء ذلك في شعر الجفني، وسنذكره إن شاء الله تعالى في ترجمته، وفي شعر ابن صدقة الهاشمي، وقد ذكرناه”.

4- قال ابن العَديم(ت660ه) ([10]): “الجفني؛ شاعر كان في عصر ابن خالويه، ومدحه، فإني قرأت في كتاب اطْرَغَشَّ تأليف أبي عبد الله بن خالويه وعليه خطه، قال ابن خالويه: وكتب إليّ الجفني يهجو ابن صدقة([11])، لما قطعته بين يدي أبي المرجى رحمه الله.

كَشرْتَ لَـهُ فَأَصْبَحَ مُجْلَخِدًّا … لِحُــــــرِّ جَبِيْنِـــهِ وَلِوَجْنَتَيْـــه

وَأَيَّدَكَ الإِلَّهُ عَلَيْهِ نَصْرًا … بِقُدْرَتِـــــــــــــهِ وَأَدْحَضَ حُجَّتَيْــــه

وَأَشْبَهْتَ الخَلِيْلَ وَكَانَ طَبًّا … وَسِرْتَ عَلَى مَذَاهِبِ سِيْبَوَيْه

وذكر بعدها أبياتاً لابن صدقة الهاشمي، وبعدها للأنطاكي، وقد ذكرنا ذلك”.

5- قال أبو جَعفر أحمَد بن يوسُف الفِهري اللَّبْلِيّ(ت691هـ):”وقالَ ابن خَالَوَيْه في كتابه اطرغش: ونَهَسَتْهُ، ونَكَزَتْهُ، ونَشَطَتْهُ”([12]). أي الحيَّة، كما ذكره ضمن مصادره (ص6).

6- قال الزَّبِيْدي(ت1205ه)([13]): “ووجد هنا في بعض النسخ زيادة قوله”وَازْحَأَلَّ: مقلوب:  احْزَأَلَّ، أي ارتفع. قاله ابن خالويه في كتاب اِطْرَغَشَّ وابْرَغَشَّ”. وذكر في خاتمته أنه مما اعتمد عليه من كتب.

__________________

([1]) انظر الفهرست(ص92)، إنباه الرواة (1/235)، مقدمة العباب للصغاني(1/8)، مقدمة التكملة (1/8)، بغية الوعاة(1/529)، تحفة الأديب(1/172) كما ذكر العثيمين في مقدمة تحقيق إعراب القراءات السبع وعللها.

([2]) هو أحمد بن الحسين بن حمدان أبو العباس التميمي الشمشاطي، أديب نحوي لغوي، قدم حلبا في أيام سيف الدولة وأملى بها أمالي وفوائد،  روى فيها عن ابن دريد وابن الأنباري، ونفطويه والمحاملي، وإسماعيل الوراق، وأبي زكريا بن محمد، وجحظة البرمكي، وغيرهم، انظر بغية الطلب في تاريخ حلب، (2/686-689).

([3]) بغية الطلب في تاريخ حلب، (2/688)، تحقيق سهيل زكار، دار الفكر العربي للطباعة والنشر والتوزيع.

([4]) كذا في البغية؛ الشميشاطي التميمي، وسبق أنه الشمشاطي، وقد كتبت الكلمتان في البغية على أنهما من الشعر وليسا منه.

([5]) بغية الطلب في تاريخ حلب، (10/4685).

([6]) ابن صدقة الموصلي نحوي، تصدر بحلب في أيام سيف الدولة، واجتمع به ابن خالويه بين يدي أبي المرجي بن حمدان وجرى بينهما كلام، روى عن ابن دريد، وروى عنه بعض علماء حلب، ويظنه ابن العديم هو سلامة بن الممرث الحلبي. انظر بغية الطلب في تاريخ حلب، (10/4685).

([7]) كذا قال ابن العديم أنه نقلها من الأمالي ولم يذكر كتاب اطرغش، رغم أن إحالاته في النقل السابق والنقولات اللاحقة تؤكد أنها من اطرغش؛ فإما أنه وهم أو أن الأبيات موجودة في الكتابين.

([8]) بغية الطلب في تاريخ حلب، (10/4749).

([9]) شرواه: أي مثله، يقصد مثل شعر ابن صدقة على نفس البحر والقافية.

([10]) بغية الطلب في تاريخ حلب، (10/4752).

([11]) تقدم الحديث عنه في الحاشية رقم(6).

([12]) تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح، اللبلي، تحقيق عبد الملك بن عيضة الثبيتي،(ص380)، أصله رسالة دكتوراه بجامعة أم القرى، بمكة، نشر 1418ه/1997م.

([13]) تاج العروس من جواهر القاموس، (29/119)، تحقيق مجموعة من المحققين، دار الهداية.

2 تعليقان

  1. sara قال:

    بارك الله جهودك

  2. ياسر عرف قال:

    زادك الله علمًا، ونفعنا به.

التعليقات غير مفعلة.