السـيـاق ودلالـة السكـوت عـلـى الأحكـام عند الأصوليين – بقلم: سالي جمال عبد الحفيظ

 من يُمعِن النظر في كتب أصول الفقه يجد أن الأصوليين متفاوتون في مسألة تحديد مدلولات النصوص والألفاظ، فمنهم من يقف عند حرفية النص، ومنهم من يبالغ في اعتصار المعاني، ومنهم من يسلك منهجاً وسطاً لا إفراط فيه ولا تفريط، وبين تلك الاتجاهات مراتب ومنازل متفاوتة لاستنباط المدلولات.

وإذا دققنا النظر ثانياً نجد أن المتحكم الأساس في تلك الاتجاهات هو وجود (العقلية الدلالية) التي تفحص النص، فكلما كان الفقيه أو المفسر أو الأصولي بارعاً في باب الدلالات، كلما كان أقدر على استلال المعنى المراد من النص بسهولة ويسر.

وبالرغم مما أشرت إليه من أهمية هذا الباب الأصولي إلا أنه إلى عهد قريب كانت هناك أنواع من الدلالات لم تلقَ الاهتمام الحاصل لغيرها، ربما لأن توجه الذهن إليها كان من البدهيات والتلقائيات عندهم، أو لأنها تندرج ضمناً تحت أنواع أشمل، فكان الإعراض عن تفصيلها بالدراسة وإفراد المباحث لها من باب الاكتفاء بغيرها إشارةً إليها.

ومن هذه الدلالات دلالة السياق، فلم نجدها قد ذكرت مطولة في كتب الأصول مثل غيرها، بالرغم من كثرة استرشادهم بها في بيان المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق، يقول الدكتور/ خالد محمد العروسي عبد القادر: “ومن الدلالات التي استعارها الفقهاء والأصوليون عن أهل البيان، (دلالة السياق)، أو ما يسمى بـ(سياق النظم)، …، وكنت أتعجب لحفاوة كثير من المحققين – لاسيما ابن دقيق العيد وابن
تيمية- بهذه الدلالة ، وعنايتهم بها،…، فإذا عدتُ إلى موضعها في كتب الأصول ، وجدتُ أنهم تعرَّضوا لها باقتضاب في باب العموم.
(1)

فدلالة السياق لها عظيم الأثر في بيان المراد من النص، يقول ابن دقيق العيد: “فإن السياق طريق لبيان المجملات، وتعيين المحتملات، وتنزيل الكلام على المقصود منه، وفهم ذلك قاعدة كبيرة، من قواعد أصول الفقه(2).

ومن طرق البيان الأخرى التي تحتل مرتبة عالية: البيان بالسكوت، فهو قسيم البيان باللفظ، والأكثر استخداماً في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يسكت أكثر مما يتكلم، مع أنه بُعِثَ ليبين للناس ما نزل إليهم، فهذا دليل واضح على أن سكوته صلى الله عليه وسلم كان وسيلة من وسائل البيان.

وبالإشارة إلى أهمية البيان بالسكوت صدَّر الأستاذ الدكتور/ حسن السيد حامد خطاب، بحثه (أثر الـسـياق في دلالـة السكـوت عـلـى الأحكـام، دراسة فقهية)، الذي أقدم عرضاً بسيطاً لمحتواه.

بيّن الباحث في مقدمته أن السكوت ليس له مدلول محدد، بل قد يدل تارة على الرضا، وأخرى على الرفض، وتارة ثالثة على الإنكار، كما تختلف دلالته من شخص لآخر، حسب الحال والمقام والسياق الذي أحاط بهذا السكوت.

وأشار د. خطاب إلى أن الأصوليين قد فاقوا بدراستهم البلاغيين في بيان أثر السياق في الدلالة على المعنى، مستشهداً على أهميته بكلام ابن القيم في هذا الباب، كما نبَّه على أن الإمام الشافعي هو أول من نص على أهمية السياق بعنصريه المقالي والحالي، ثم تبعه الأصوليون في ذلك.

ونظراً لأهمية السياق في تحديد مدلول السكوت، كان هذا البحث الذي قُسِّمَ إلى مقدمة ــــــــــ أشرتُ إلي محتواها ـــــــــ وتمهيد وخمسة فروع وخاتمة، ففي التمهيد تناول معنى السكوت والفرق بينه وبين ضمائمه كالصمت والإنصات والإصاخة، فالسكوت هو ترك الكلام مع القدرة عليه، أما الصمت فهو أعم، ويكون مع القدرة وعدمها، ويزيد في معنى الإنصات الاستماع إلى جانب السكوت، أما الإصاخة فهي الاستماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد.

وقد أفاض الكاتب في الحديث عن فضل السكوت وحكمه، وأفضلية السكوت على الكلام والعكس، مدللاً على ما يذكر بالكتاب والسنة وما أُثر، ولعل قارئ هذا البحث  يظن ـ عند الوهلة الأولى ـ أنه كان أجدر بصاحبه أن يستبدل بذلك الحديث عن السياق ودلالته، معناه وأمثلته في كلام الله U وكلام غيره، وأقوال العلماء في دلالته، ظناً منه أن هذا أنسب للمقام وأنفع للقارئ، ولكن بتدقيق النظر وإعمال الفكر نجد أن الباحث قد أراد تصويب نظر القارئ وحصر تفكيره في المدلول فقط، حتى تحصل الفائدة، والحديث عن السياق ودلالته كثير في كتب أهل العلم فلم يرد التكرار.

أما الفرع الأول فقد خُصِصَ للحديث عن أثر السياق في دلالة السكوت على الرضا والإذن، فأشار في مقدمته أن السياق قد يستدعي ترك الكلام، وأن هناك من الدلالات ما يتوارى اللفظ عنها مجازاً أو عجزاً أو رفعة، وهنا يظهر أثر السياق في تحديد دلالة السكوت على الحكم الشرعي، ولعل هذا من أسرار اللغة ـ كما يقول الجرجاني.

ثم يلفت نظر القارئ إلى أن السياق الحالي أو المقامي يمتد ليشمل المخاطَب والمخاطِب والمحيط المادي والمعنوي؛ ليؤكد على خطورة أخذ الكلمة بمعزل عن سياقها، وما يؤدي إليه ذلك من خلل وانحراف في فهم المعنى المراد.

وقسم الحديث في هذا الفرع إلى ثلاثة أقسام، الأول منهما خُصص للحديث عن أثر السياق في دلالة السكوت على الإباحة، والثاني في دلالته على الرضا والإذن، والثالث في دلالته على الرفض.

ففي الأول: استشهد بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم : “إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء من غير نسيان من ربكم، ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوا ولا تبحثوا فيها“، فاستشهد بهذا الحديث على أن المسكوت عنه شرعاً يبقى على الحكم الأصلي وهو الحِل، ودلالة سياق قوله صلى الله عليه وسلم: “ من غير نسيان من ربكم” تؤكد ذلك، وأورد الباحث العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي يؤكد السياق الذي اقترن بها على هذا المعنى، موضحاً أهمية السياق الحالي والمقامي في الدلالة على الأحكام الشرعية.

وفي الثاني: جعل معتمده الأساس على حديث استئذان البكر في بيان أثر السياق في دلالة السكوت على الرضا أو الإذن، فذكر أن الفقهاء اتفقوا على أن الرضا يتحقق منها بأحد أمرين، الموافقة الصريحة أو السكوت، ودلل على ذلك بالأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكذا بالأدلة من المعقول.

ثم انتقل إلى جانب التطبيق؛ حيث بيَّن أثر اعتبار السياق في مدلول السكوت على بعض الفروع الفقهية، كعدم اعتبار سكوت البكر علامة على الرضا عند خطبتها؛ لأن السكوت لا يعتبر إلا للحاجة، وهي منتفية في الخطبة، وكذلك وضح الفرق بين دلالة السكوت المصاحب للتبسم باستهزاء وبين المصاحب للتبسم بغير استهزاء، فهنا يكون للسياق دور هام في تحديد المدلول.

أما في القسم الثالث: فجعله الكاتب لبيان أثر السياق في دلالة سكوت الثيب على الرفض؛ فسكوت الثيب ليس دليلاً على رضاها، بخلاف البكر فتكون أشد حياءً من الثيب، فالسياق والحال مختلفان، وبرهن على ذلك بالسنة والمعقول، كحديث: “الثيب أحق بنفسها من وليها“.

بينما خُصِصَ الفرع الثاني لبيان أثر السياق في دلالة السكوت على عدم الوجوب، مسترشداً بحديث الأعرابي الذي جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن وجوب الحج كل عام، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى قالها ثلاثاً، ثم قال: “لو قلت نعم لوجبت“، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم كان للدلالة على عدم الوجوب، وهذا المعنى مفهوم من دلالة السياق في السؤال.

وقد يكون السكوت في بعض الأحيان أبلغ وأصلح للدلالة على الرفض، يقول الدكتور خطاب بعد ذكره لحديث المرأة التي جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فسكت، ثم زوجها غيره: “وقد يقول قائل: ولماذا لم يرفض أو لم يرد بالرفض؟ والجواب فيما يلي: أن رفضه قد يعيب بالمرأة فلا يتقدم أحد لخطبتها, لكن السكوت حفظ لمكانتها حتى تقدم لها أحد الصحابة، وأن الرفض فيه حرج وإهانة لها خاصة أمام جمع من الصحابة(3).

 وفي الفرع الثالث من هذا البحث كان الحديث عن أثر السياق في دلالة السكوت على الإجماع، وهو ما يسميه الأصوليون الإجماع السكوتي، فدلالته مستفادة من السياق الحالي لهؤلاء العلماء الذين سكتوا عن القول المعلن، والدال على عدم الرفض والموافقة الضمنية.

ثم ذكر اختلاف العلماء في حجية هذا الإجماع بإيجاز شديد؛ حيث إن ـ هذا الخلاف ـ لا أثر له في قضية البحث.

ثم جعل الفرع الرابع لبيان أثر السياق في دلالة السكوت على التقرير، فسكوت النبي صلى الله عليه وسلم حجة شرعية، دون سكوت غيره، فهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم التي لا يشاركه فيها غيره.

وحديث “إن الله حدّ حدوداً فلا تعتدوها، وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها، وترك أشياء ــ من غير نسيان من ربكم ـ ولكن رحمة منه لكم، فاقبلوا، ولا تبحثوا فيها.” دل على أن السكوت بيان؛ لأنه سكوت متعمد من غير نسيان.

وضرب لذلك أمثلة عديدة، منها سكوته عندما أكل الضب على مائدته، حيث دل على مشروعية أكله وأنه مباح.

وفي الفرع الخامس والأخير تكلم عن أثر السياق في دلالة السكوت على الحياء، مؤكداً على أن الحياء هو خلق الإسلام، ومن أهم سماته صلى الله عليه وسلم ، حيث كان يُعرف حياؤه من سكوته وإمساكه عن الكلام، وخاصة في أمور النساء، وقد ظهر ذلك في مواطن كثيرة، كالمرأة التي سألته عن غسلها من المحيض.

غير أن سكوته صلى الله عليه وسلم لم يكن إلا دل على أمور تفهم من السياق الحالي أو المقامي، فيكون السكوت إلى جانب السياق بياناً.

وفي الخاتمة ذكر أهم النتائج التي توصل إليها في بحثه، ملحقاً بها فهرس المراجع التي جمع بين قديم المصادر وحديثها، ثم فهرس الموضوعات ليسهل على القارئ الوصول إلى أجزاء البحث بسهولة.

وأخيراً، فرجائي من الله ألا أن أكون قد وفقت في عرض هذا البحث، وأبرزت أهم مراميه وأهدافه؛ لينفع الله به غيري من طلاب العلم.

___________________

(1) دلالة السياق وأثرها في استنباط الأحكام، للدكتور خالد محمد العروسي عبد القادر، الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، ص: (5).

(2) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، (4/82، 83)، لتقي الدين محمد بن علي بن وهب القشيري الشهير بابن دقيق العيد، ت: 702  هـ، دار الكتب العلمية ، بيروت .

(3) بحث (أثر الـسـياق في دلالـة السكـوت عـلـى الأحكـام، دراسة فقهية)،  للأستاذ الدكتور حسن السيد حامد خطاب.

2 تعليقان

  1. خلود قال:

    بحث ممتاز
    بالتوفيق ?☺

  2. فاطمه قال:

    ما شاء الله بحث رائع

التعليقات غير مفعلة.