إذن .. لَسْتُم الناسَ أيها الشعراءُ !! – بقلم: د.محروس بريك

IMG_3155ليس هذا المقال منصرفًا للحكم على الشعر من جهة كونه فنًّا، وليس انتقاصًا من الشعراء من جهة كونهم مبدعين؛ كيف ذاك وأنا أزعم أنني شاعر، وحياتي في الشعر على حد تعبير صلاح عبد الصبور، ولعل كلمة (إذن) في عنوان هذا المقال تشير إلى أن الأمر ليس على  عِلَّاته.

لقد عرَفتُ الشعراء عن قرب على مدار سنوات طويلة، فألْفَيتُ أكثرَهم متكبرين شامخين بأنوفهم؛ وأنا بطبعي أنفر من نوعين من الناس أشدَّ ما يكون النفور: المتكبر والمنافق! كم أحبُّ شعرَ المتنبي، ولا أحب المتنبي!!

لعل بعض الشعراء إذا قرأ هذا الكلام الآن أعرض ونأى بجانبه وقال: (إنما تبكي على الحب النساء، فلتذهَبْ إلى الجحيم!!)، لا بأس أيها الشاعر الكبير، دعني أقُصّ على الناس بعض ما رأيت وسمعت.

ذات صباح اتصل بي أستاذي الدكتور أحمد درويش الناقد المعروف على هاتفي الجوال-وكنت آنذاك معيدًا بجامعة القاهرة- طلب مني أن أدير ندوة شعرية في الجامعة بعد ساعة واحدة فقط، أخبرته أنني في طريقي إلى إحدى شركات حوسبة اللغة، قال: لا أعتقد أن مشوارك هذا مهم. لكنه كان مهما جدا بالنسبة لي، فبدونه لا أستطيع شراء الكتب ورابطات العنق…

انشغلت بالنظر في المرآة الأمامية لسائق الميكروباص، فبدوتُ في المرآة المشروخة شخصين، كلاهما يرتدي بذلة أنيقة، شعيرات لحيتهما المحلوقة بالأمس لا يلحظها إلا من جلس قريبًا جدًا منهما، لا شك أنها لن تظهر في الصور الفوتوغرافية، ولن يلحظها حضور الندوة، ولن يلحظها رئيس الجامعة أيضا.

  • ماذا قلت ؟ ألو .. ألو..

  • لا بأس ، سأكون في الجامعة بعد نصف ساعة.

كانت الندوة للشاعر عبد المنعم عوّاد يوسف وشاعرة أخرى معروفة، أما هو فكان مبدعًا حقًّا لكنه لم يكن يجيد فن الإلقاء، وأما المرأة فكان كلامها غثًّا إلا أنها تجيد الصراخ والعويل والتهويل. كان هو مهذّبًا وكانت هي متعالية شامخة بأنفها!! كان طبيعيًّا أن يصفق الجمهور للمتعالية صاحبة الصوت العالي.

في أثناء إلقائها لإحدى قصائدها دلف إلى القاعة نائب رئيس الجامعة آنذاك الدكتور عبد الله التطاوي، والدكتور أحمد درويش. كان الذوق يقتضي الترحيب بهما بمجرد أن تتوقف هي عن صراخها؛ توجهت إليهما مبتسمًا ومرحِّبًا: (نرحب بالدكتور عبد الله التطاوي نائب رئيس الجامعة على حضوره وتشريفه) .. صفّقتُ ترحيبًا به فصفّق الجمهور، ثم توجهت إلى أستاذي الدكتور أحمد درويش مُرحّبًا به كذلك: (كما نرحب بأستاذنا الدكتور .. الدكتور .. ) ظَلْتُ أنظر إليه بُرهة لا أصدّق أن يحدث مثل هذا أبدًا، أنظر إليه وأبتسم ابتسامة خجلى، والجمهور في ذهول وصمت، وهو والدكتور التطاوي ينظران إليّ مبتسمَين في استغراب، هل يُعقَل أن ينسى تلميذٌ اسم أستاذه الذي كان يتحدث إليه في الهاتف منذ قليل؟! هل رانَ طبق الفول على عقلي فما عُدتُ أذكر شيئًا؟! هل أنتظر حتى يحل المساء كي يُهضم الفول فأتذكر اسم أستاذي؟! ليت الندوة كانت في المساء!

مضت اللحظات طريفة وغريبة، ثم قفز اسم (درويش) في رأسي فجأة، فانتفضت قائلا باستغراب: ( الله ! .. نرحب بأستاذنا الدكتور درويش طبعًا) ضحك وضحكتُ وسمعت قهقهات جدران القاعة تتردد أصداؤها في أرجاء المكان!

أكملت الشاعرة المتكبرة عويلها، وما إن أنهت قصيدتها حتى بادرتُ الجمهور قائلا: (ما هذا بقول شاعر ! هذه هي الحرب يا رفاق !)، بعد اللقاء قال لي أحد الشعراء المشهورين ممن حضروا الندوة: ما هذا الذي قلتَه؟! لقد نفيت عنها كونها شاعرة بالمرة. هل رأيت كيف كانت تنظر إليك شزرًا على المنصة؟ لكنك أسعدتني بهذه الكلمة حقًّا. قلت له: لا عليك .. لقد أعطتني رقم هاتفها كي نتواصل لعقد ندوات قادمة!

في هذا المكان نفسه قبل بضعة أشهر من تلك الندوة استضافت كلية دار العلوم عددا من الشعراء، وطُلب مني إدارة الندوة. كان عدد الشعراء كبيرًا، ولم تكن الكلية قد رتّبت أسماء الشعراء، وتركَتْ ذلك لاجتهاد مقدم الندوة، وتلك مهمة أصعب من اقتحام خط بارليف، ففي أكثر الشعراء لوثة كِبر وجنون وإحساس زائد بالعظمة، لو قدّمتَ أحدًا على بعضهم لثارت ثائرته وعدّ ذلك منقصة في حقه.

قال لي أحد تلامذتي في جماعة الشعر في دار العلوم: إن فلانًا الشاعر الكبير المعروف انتزع ديوانه من بين الدواوين التي أحملها، ووضعه بعنف فوق الدواوين قائلا: (هذا لا يوضع تحت هذا) وأشار إلى ديوان صديق له شاعر معروف أيضًا!!

لم أجد بُدًّا من ترتيب الأسماء حسب حروف الهجاء، ما إن صعدت المنصة حتى شقّ الصفوف أحد الموظفين ثم صعد إلى جواري هامسًا في أذني:

  • فلان (وكان شاعرًا كبيرًا مشهورًا) يسأل عن ترتيب الأسماء في الصعود إلى المنصة.

نزل حيث يجلس ذلك الشاعر الكبير المتكبر، وما إن همس في أذنه حتى همّ صاحبنا شامخًا بأنفه، وخطا خطوات نحو الباب، وهناك ظل واقفًا حتى صعد إليّ الموظف مرة أخرى لاهثًا: إن فلانًا (ذاكرًا اسمه بنبرة تفخيم تليق بمكانته وكبريائه) سوف يغادر المكان ما لم تغيّر الترتيب. رددت على الفور: فليذهبْ إلى حيث ألقتْ رحلَها أمُّ قشعَمِ.

بدأتُ في إلقاء الكلمة الافتتاحية، وحانت مني التفاتة نحو الشاعر الكبير المتكبر، فوجدته يحدّق في وجهي وقد احمرّت عيناه من الغيظ، ثم خرج من باب القاعة كالثور الهائج.

كنا معيدين عندما اتصلت بي عمّتي عدة مرات تُلحّ عليّ أن أزورها أنا وزميل لي من الشعراء كان يستأجر معي شقة في بين السرايات، ولما طال إلحاحها أجبت دعوتها أنا وزميلي الذي لا تعرفه، قالت لي : لا تتناولا طعام الغداء، فقد أعددت لكما طعامًا. أقلّتنا السيارة إلى حي المعادي الهادئ الراقي وسط الفيلات الأثرية الجميلة والأشجار العالية، عندما نزلنا من السيارة إلى حيث الشارع الذي تقطن فيه عمتي، قال لي زميلي بازدراء واستنكار:

  • هي عمتك ساكنة في شقة؟!

  • وهل قلت لك من قبل إنها تقطن في فيللا؟!

طال ترحيبها بي وبزميلي، وأكرمتنا كرمًا حاتميًّا، ولكيلا يشعر هو بالحرج تجاذبتْ عمتي معه أطراف الحديث، كان يحدثها شامخًا بأنفه وهو يجلس واضعًا ساقًا على ساق طوال الوقت.

لقد أكرمتنا إشفاقًا على شابين عَزَبَين يستأجران شقة وحدهما في القاهرة، لا شك أنهما لا يذوقان طعامًا شهيًّا فترات طويلة. لم يكن لديّ أي تفسير لتعامله معها بهذا الاستعلاء والتكبّر، وهي التي أكرمته رغم أنها لا تعرفه من قبل، إلا أن يكون قد أصابته لوثة الشعراء!!

في الطريق نزل لقضاء حاجة له في ميدان التحرير، وذهبت أنا إلى الشقة التي أقطنها معه؛ هناك حزمت حقيبة سفري، ومددت يدي إلى وُريقة داستها الأقدام حتى تركت فيها آثارًا من آثار الأحذية، وكتبت فيها كلمة واحدة (سافرت)، ولم أقابله بعد ذلك اليوم إلا لِماما.

لست أدري لماذا يربط كثير من الشعراء بين الكبر والإبداع؟ ليس الشعراء فحسب بل كثير من الفنانين إذا عاملتهم عن قرب وجدتهم شامخين بأنوفهم حتى في أثناء الحديث إلى أصدقائهم المقربين!!  

ليس كل الشعراء متكبرين بالطبع؛ فقد ألفَيتُ منهم نفرًا من النبلاء المتواضعين؛ نحو فاروق شوشة، وأبو همام، وعبد المنعم عواد يوسف، وفاروق جويدة، ومحمد التهامي، ومحمد الشهاوي، ومحمد الفيتوري، وأحمد سويلم، وعلاء جانب وغيرهم. 

لا يقف الأمر عند حدود الكبر، فبعض الشعراء والفنانين يربط بين الفن ومعاداة الدين!! ففي ندوة من الندوات الشعرية خُصِّصتْ فقرة لإلقاء بعض القصائد من عيون الشعر القديم، حتى إذا ما بدأ أحد المُلقِين في إنشاد مُطوّلة زهير بن أبي سُلمى- مال شاعرٌ كبير نحو أستاذي الدكتور محمد حماسة رحمه الله وهمسَ في أذنه قائلا: (بذمّتك .. أليست هذه القصيدة أفضل من القرآن؟)، هبّ أستاذنا حماسة من مكانه وأغلظ لذلك الشاعر القول وترك المكان مُغاضبًا وهو يردد قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسَّكم النار).

لم يكن عالم الشعراء يخلو أحيانًا من طرافة وتصرفات طفولية؛ ففي إحدى الندوات التي كنت أديرها جلس أحد الشعراء في آخر مقعد في مدرج علي مبارك بكلية دار العلوم، ولما أشرتُ إليه أن ائتِ صدر المجلس – حيث المكان المخصص للشعراء- أعرضَ وأبَى!! بعد أن انتهت الندوة سألته عن سر إبائه ورفضه قال لي: لو جلست في الأمام سأصعد إلى المنصة بسرعة ولن يطول التصفيق، أما عند جلوسي في آخر القاعة فإنك إذا ناديت اسمي غَدَوتُ بين صفوف الناس أمشي وهم يلتفتون إليّ وتشرئب أعناقهم ويطول تصفيقهم!!

التعليقات مغلقة.