الشريدة – بقلم: نهى الطرانيسي

في الأشهر الحائرة الفاصلة بين الشتاء والصيف، لا تعرف ماهيتها وإلى من تنتمي لكنها مستقلة بطابعها الاضطرابي، وأظنها استنسخت من هذه الحيرة ذرات نشرتها في الأجواء فصرنا جميعا كالأشهر الحائرة.

بشمس شبه غائمة اتخذت مخدعا من السحاب وساترا لتستجمع قواها ليوم تال. مع (كلمتين وبس) الإذاعي، بدأ يومي الطويل بدون أن يطرف لي جفن، تعرف يدي الخطوات المتتالية من قطع الملابس إلى ما يلزم الحقيبة من هاتف ومفتاح حتى تسبقني قدمي إلى الخارج.

أصبحت أعيش مثل الجميع في روتين بخطوات بطيئة مضجرة يشعرك كالسجان إن رأى نفسا تواقة للحرية والركض ضرب بعصاه على الأقدام لتهدأ النفس الشابة وتنكسر وتتعلم أن ليس لها غير هذه الأسوار الباردة، هكذا مازلنا حتى لا يسمح لنا بالالتفات لرؤية تقاسيم الوجه كم تيبست معالمه كالروبوت لا تعرف أيبتسم أم أن الحزن ملأ عينيه حتى تتوجس نفسك خيفة منه، كأننا في يوم المحشر العظيم، تسوقنا الأحلام الواهنة المتواضعة والبطون شبه الجائعة إلى المكان المعلوم، كل يستقر في موطنه.

تتوالى الأيام؛ يوم يأخذ بيد الآخر لتمضي جميعا بسمات متشابهة.

وفي أحد الأيام استيقظت باكرا عن بقية الأيام ولم أشغل المذياع، اكتفيت بصوت العصافير المتقافزة على أفرع الأشجار وكأنها تحتفل بإحيائها ليوم جديد تعيشه بفرح دون فقد دقيقة منه، أعارتني قليلا من فرحتها، وهكذا مضيت ليومي الرمادي بابتسامة رسمت رغما عني فتعجب الجميع (أبك مرض؟!) لكم حق إن قلت إن السبب تلك العصافير وصفتموني بالجنون، وإن قلت لا أكدتم أنه قد تلبسني الجن؛ إذن فسلام عليكم لكم دينكم ولي دين.

تغرب رويدا رويدا ابتسامتي في خضم العمل المثقل، فتثقل عيوني من الإرهاق، جلست أرتاح مع كوب قهوة أستجدي به النشاط المسلوب، ومع تنقل وجهي بين النافذة والأركان، تقابلت أعيننا للحظة واحدة، فأدرت وجهي سريعا لا أعرف لمَ فعلت ذلك وكأنه شخص أعرفه، أحاول التهرب منه ولما اضطربت أصابعي بجانب القهوة الباردة وثبَّت نظري على النافذة منتظرة مغادرة الشخص المجهول؛ لأطلق زفرة كتمان أنفاسي، أظنني كنت أشبه بتمثال الشمع الذي أخذ يتصبب عرقا مع تزايد الحرارة.

استكملت أعمالي، فارقني عقلي يسأل ويعيد فما حدث، قابلت الكثير لمَ هذا خاصة ؟!

أطلقت الظنون بعيدا وعدت لوحدتي الصغيرة وبؤرة نفسي التي لا تقدر على احتمال هذا العناء.

عدت لمنزلي مساءً فشاهدت (نهر الحب)، يا لك من يوم غريب بدأته مع غناء العصافير وانتهى بنهر ليس كأي نهر بل فيض من الحب.

في صباح اليوم التالي تعمدت بقائي في الفراش يقظة دون حراك وسماع رفرفة أجنحة الطير وكأنني أخشى هذا الفأل وما سببه لي من رجفة غريبة.

هممتُ بدخول مكتبي ليفجأني ذلك الشخص المجهول، ينتظرني حاملا كما من الأوراق لم أُعِرها اهتمامي، عَلَت الدهشة الصامتة وجهي، ولم أنبس ببنت شفة، لم أنتبه لما يقول حتى استجمعت سمعي وعقلي المعطل وتبادلت معه أوراق العمل المشتركة… كم تمنيت أن يتجسد العمل بشخص لأحقق معه وأسأله لمَ هو؟

مضى الوقت ونحن منكبان، فككتُ أسر لساني وجمود ملامحي أما هو لا أظن أن انتابه شيء من ذلك، كان منطلق اللسان منبسط الوجه له استقامة ليست بالمائلة للأمام، لا يخشى شيئا من الدنيا، كنت كلما ابتسمت لشيء توردت وجنتي فأخجل من ظهورها الشديد فتزداد حمرة.

أضيئت المصابيح معلنة انقضاء اليوم، على الرغم من صمودها المزيف الذي لا يغني عن الانحناءة المنكسرة العطشى لراحة.

دخلت منزلي باتجاه غرفتي مسرعة، لمَ الفرحة غير المسببة تملأ نفسي؟! رحل عني الإرهاق بعد يوم مضنٍ مملوء بالأعمال؛ فتملكتني طاقة سحرية، فتحت نافذتي لأطل على عصافير آوت إلى أعشاشها بسلام وامتنان على مضي يوم رائع وكذلك ذهبت إلى خدري أختبئ به، وعيني لا تنام.

تتابعت الأيام سريعا على غير عادتها، ومع مضيها تولد شعور خفي غير مصرح به، ولكننا نعلمه من تسابق ذات الكلام على شفاهنا، ونظرات العيون المختلسة، وراحة نجوانا حتى نلتقي، فتعود أنفاسنا من شهيق وزفير منتظمة إلى صدورنا.

كنت في مرحلة الغيبوبة المبصرة، أبصر ما حولي ولكني بمفردي في فقاعة لا أسمع، لا أنتبه لما يحدث، وحدي أشرد بذهني وخيالي، فينسجان معا من أحداث الحياة حلما ورديا أجتره مرارا ومرارا.

حتى حانت اللحظة التي راودتني كثيرا بيقظتي، بنطق كلمة العهد المختومة على القلبين (أحبك أنت) تجمدت أطرافي وغابت أنفاسي لم أعد أحتاج لهذا الهواء، ومحا الوجود الناس وبقينا نحن فقط، وأخذتني السماء بحفلة راقصة مهنئة لي، وعادت بي وردة فضية ازداد بريقها مع هذه الكلمة.

طوقت نفسي بذراعي، لخلاص رحلة البحث، وسكن البال وارتاح حتى وإن لم يكن فقد حاولت مجاراة قوة وجموح القلب الذي أفصح بسره إلي، لم أستطع الإنكار، فما غاب ألق القلب عن عيني.

قررت إن كان هذا الحب في بدايته من سعادة ووخز خفيف كالرضيع يتأقلم على الحبو، فلنستمتع به حتى نكتفي فهو وقودنا لأولى خطوات الألم والاختبار الحقيقي لهذا الحب.

التعليقات مغلقة.