التكوين الثقافي المبكر للدكتور محمود الربيعي من خلال سيرته الذاتية “أخي محمد الربيعي, ذكريات ومختارات” – بقلم: د. مديحة السايح (مدرس البلاغة والنقد بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة)

يعد التأسيس الثقافي المبكر من أهم مراحل البناء الثقافي، ومن أهم عوامل قوته وفاعليته. ومن ثم يسعى هذا المقال إلى استجلاء العناصر والمكونات الأولى للبناء الثقافى للدكتور محمود الربيعى، الناقد الأدبى المتميز والأستاذ بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة، والجامعة الأمريكية سابقًا؛ والتى استخلصتها من سيرته الذاتية “أخي محمد الربيعي: ذكريات ومختارات”([1]).

2016-635918595852864556-286و”أخوه محمد” يكبره -كان رحمه الله- بأربع سنوات، درس في مدارس التعليم الأوَّلي بسوهاج، ثم التحق بقسم الحفاظ الذي يعده للالتحاق بالمعهد الديني بأسيوط، ثم انتقل إلى القاهرة وتخرج في كلية اللغة العربية، ثم درس في معهد التربية العالي بالقاهرة، ثم عمل بالتدريس في عواصم الجنوب. و هو شاعر مجيد، له عدة دواووين شعرية.

تتمثل العناصر الأولى للتكوين الثقافي المبكر للدكتور محمود الربيعي فى ثلاثة مكونات رئيسية هى: مادة ثقافية متاحة وغنية, بيئة مواتية لطلب العلم، خصائص وهبية عقلية ونفسية. وقد كان لتفاعل هذه المكونات معًا أثر ظاهر فى سؤال الثقافة المبكر الذى كان يطرحه محمود الربيعى على نفسه فى تلك البدايات البعيدة من رحلته الثقافية.

أتيحت للدكتور محمود الربيعى مادة ثقافية غنية، يمكن تصنيفها إلى أربعة مصادر:

– الكتب: خاصة النماذج الأدبية الرفيعة التى كانت تُقدم فى مناهج التعليم الأوَّلى مثل بعض أشعار شوقى، “السمير الصغير” للهراوى، شعر صفى الدين الحلى، شعر بعض المتصوفة، مجنون ليلى, تحت ظلال الزيزفون، نابليون على فراش الموت والعبرات والنظرات للمنفلوطى([2]). ومما لا شك فيه أن قراءة هذه النماذج الأدبية العالية مبكرًاا يفتح طاقات العقل والوجدان. كما أن المكتبات المتاحة له في ذلك الوقت مثل مكتبةة الأمير فاروق بأسيوط ومكتبة الجامع الأزهر ودار الكتب بالقاهرة كانت مصادر متنوعة للقراءة، وإن كانت ما تعرضه مكتبة الأزهر من “وجبات دسمة”، وهو مرحلته الثانوية, لم تكن معدته تقوى على هضمها كما يقول([3]).

 – الأنشطة الثقافية: تنوعت الأنشطة الثقافية التى أثْرَت البناء الثقافى للدكتور محمود الربيعى منذ سنواته المبكرة فى المعهد الدينى بأسيوط؛ حيث كان يستمع إلى إنشادد أخيه محمد الشعرَ “فى أمسيات المعهد التى كان يقيمها فى المناسبات الدينية والاجتماعية”([4] ويشهد الوفود الثقافية التى كانت تزور أسيوط وقت إدارة الشاعرر عزيز أباظة له([5] ثم يشهد، حين انتقاله إلى المعهد الدينى بالقاهرة، الدروس الدينية فى مسجد الحسين، دروس الشيخ حسنين مخلوف التى لا تروق له، واستماع القرآن الكريم فى الجامع الأزهر بصوت الشيخ مصطفى إسماعيل معشوقه القديم المتجدد, وآخرين فى مسجد الحسين والجامع الأزهر الشريف، وإن كانوا لا يروقون له([6]).

 – الأماكن الثقافية: منها الجولات المتسعة ماديًا ومعنويًا فى مدينتى أسيوط والقاهرة؛ ففى أسيوط هناك الرحلات الثقافية التى تشمل مكتبة الأمير فاروق، وزيارة الخزان وقصور الأثرياء على ضفة النيل, والرحلات الدينية إلى مسجد المجذوب، أو الرحلات السياسية أيام الحملات الانتخابية فى المواسم الانتخابية، أو الرحلات الترفيهية إلى دور السينما([7]). وفى القاهرة زيارة سور الأزبكية، ومجمع اللغة العربية حيث شهود احتفال تقديم الجوائز الأدبية فى الشعر والقصة، ونقابة الصحفيين واحتفالاتها الثقافية([8]). وقد كان شهود هذه المؤسسات والمحافل الثقافية، أو ما يسميه هو “الطلعات الثقافية”، وسائل مهمة لفتح الآفاق فى هذه السن المبكرة من خلال التعرف المباشر على الشخصيات والأفكار.

– العلاقات الثقافية: والتى تمثلت فى دوائر الأصدقاء والزملاء مختلفى المشارب الثقافية والأمزجة والبيئات والإمكانات، سواء فى المعهد الدينى بأسيوط أم المعهد الدينىى بالقاهرة, وتوسيع هذه الدوائر بقدر الإمكان، حيث التعرف المبكر على تجارب لا محدودة فى الحياة, مما يثرى العقل ويوسع المدارك. وقد كان لهذا العنصر تأثيره الحاسم فى التكوين الثقافى المبكر للدكتور محمود الربيعى حين كان فى المعهد الدينى فى القاهرة، إذ مثَّل رافد الأصدقاء من “القاهرة الخديوية” مرحلة جديدة فى هذا التكوين الثقافى المبكر، كما سيتضح حين الحديث عن الثمرات المبكرة لهذا التكوين الثقافى. وقد كانت هذه العلاقات الثقافية مصدرا إضافيًا للكتب “الثقافية العصرية”، التى كان بعضها كتبًا تاريخية وفكرية, ومصدرها صديقه عبد الرحمن حسين، وبعضها دواوين شعرية حديثة مثل دواوين نزار قبانى وعلى محمود طه, ومصدرها صديقه محيى الدين فارس، وهو طالب وشاعر سودانى، الذى كان يشرح له ما يشكل عليه من الشعر فى هذه الدواوين([9]), وهذه واحدة من فوائد الصداقة الثقافية، ومن جمالياتها أيضًا؛ أن المتعة بالصداقة تتسع عن الأَنَسة النفسية إلى أنَسَة العقل أيضا.

ومن أهم ما أتيح للدكتور محمود الربيعى من عناصر التكوين الثقافى المبكر البيئة المواتية لطلب العلم، والتى تمثلت في عنصرى المكان والإنسان.

-أما عنصر المكان– وهو عنصر جزئى- فقد تمثل فى الصورة اللافتة التى صورها للمعهد الدينى فى أسيوط فى ذلك الوقت- وقد ألحق بالكتاب صورة بديعة له- والتى جاءت فى وصفه للسكن الداخلى للمعهد، حيث الجمال والإنسانية والانضباط: “فى الساعة التاسعة تمامًا يدق جرس السكن، مؤذنًا بافتتاح عنابر النوم، وفى العاشرة تمامًا يدق مرة أخرى مؤذنًا بإغلاقه. وهذه قواعده المرعية التى ما شهدتها تخلفت قط.. وإلى جوار عنابر السكن، من مرافق القسم الداخلى – ثمة الحمامات، والمراحيض، والكانتين، وأماكن المذاكرة فى المطعم الفسيح وفى حدائق المعهد الداخلية المترامية الأرجاء،وعلاوة على ذلك ثمة الدواليب التى تتسع لحفظ الملابس وكل ما يعن على الخاطر([10]).

– وأما العنصر الإنسانى فهو التربية. وقد كان عنصرًا كليًا وشاملاً لكل مراحل حياته وليس فقط مرحلة التكوين الثقافى المبكر. وقد كان هو العنصر الأهم على الإطلاق منن بين هذه العناصر جميعًا, والذى وفره له “أخوه محمد”. لقد كانت التربية التى قام بها “أخوه محمد” تربية بمفهومها الشامل لكل جوانب الإنسان واحتياجاته المادية والمعنوية, والتى تجلت فى تفاصيل الحياة اليومية، وفي المواقف الإنسانية العابرة والمواقف الإنسانية الحاسمة فى حياة الدكتور محمود الربيعى، والتى حفلت بها صفحات الكتاب. يمكن جمع هذه التفاصيل التربوية فى أربعة أنواع؛ التربية بالقدوة والنموذج والمثل الأعلى، الرعاية النفسية، الرعاية الاجتماعية، والرعاية العلمية.

مثَّل “محمد الربيعى” لأخيه الأصغر النموذج والمثل الأعلى الذى ظل محمود الربيعى طوال مرحلته التعليمية قبل الجامعية متعلقًا به، ناظرًا إليه، جاهدًا أن يتمثله، متتبعًا لمواطن رضاه ليرضيه. يقول فى وصف طموحه أن يلتحق بالمعهد الدينى فى أسيوط بعد إتمام التعليم الأوَّلى: “على خطواته درجت، أكملت السنوات الخمس فى لمح البصر، وعينى مفتوحة على حلمى الأكبر أن ألتحق به فى أسيوط. كنت أقول لنفسى إننى أريد أن أنعم بصحبته أربعًا وعشرين ساعة فى اليوم، وأن هذا ليس كثيرًا علىّ”([11]). ثم يصف الهدف من وراء الجهد الذى بذله ليتم حفظ القرآن الكريم أنه كان ليلحق بأخيه فى الأزهر: “وأن الالتحاق بالأزهر معناه أننى سأعيش مع أخى فى المدينة العامرة مدينة أسيوط, وأننى سأخوض بإشرافه رحلة العلم والتنوير والخلاص من إحساس القبيلة إلى الإحساس بالذات، فتلك هى الحرية الحقيقية التى كنت أصبو إليها فى أعماقى، والتى كان أخى يمثل لى فيها رمزًا عظيمًا من رموز المعرفة فى تلك المرحلة المبكرة من حياتى”([12]). ويقول فى وصف تجربته المريرة فى رحلة الكشافة إلى جبل الدَّرَّاسة: “ومضينا فى صعود الجبل نشطين، لا تنقصنى الحماسة، وأنا أحاكى فيها أخى، ولا ينقصنى النشاط، وأنا أسعى إلى الإتقان فى كل ما آتى من أمر، ويقع ضمن أهدافى دائمًا – كما ذكرت- أن أرضيه”([13]).

أما الرعاية النفسية فقد أغدق محمد الربيعى على أخيه منها فيوضًا تجاوزت المرحلة المبكرة من حياته إلى أُخيرات عمر محمد الربيعى المديد – رحمه الله -, أجتزئ صورًا منها فى المرحلة المبكرة من حياة د. محمود الربيعى؛ يقول واصفًا أول أيامه فى أسيوط حين وجدا ،لأيًا، حجرة متواضعة للسكن المؤقت إلى حين يسمح المعهد بانضمامه لأخيه فى السكن الداخلى: “أحاول كسب ثقته، ويحاول إرضائى والقضاء على مخاوفى، يقول لى: لا تظن أننا سنعيش دائمًا هذه الحياة الخشنة، فعما قريب سننام على أسرّة وثيرة فى السكن الداخلى”، “يطلب منى أن أصبر على ما نحن فيه من وحدة، وأنا ألوذ بالصمت فلا أعطيه طمأنينة كاملة”، “فى الصباح يعد لنا طعام الإفطار، ويعتذر لى عن تواضعه… وهو يفعل ما فى وسعه لإرضائى، فيعوضنى عن ضيق الحال بشراء بعض الفاكهة أحيانًا”، “لكن أخى – للحق – لا يرهقنى بأى طلب، ولا يلومنى على أى تصرف، اللهم إلا معابثة الشيخ الزير… وأخى دائمًا ينصفه ويلومنى، ويقول لى: هو وحيد وأنت عندك أخ.. ثم إنه عمك يا أخى”.

وقد مثلت هذه الرعاية النفسية أمانًا له من الهلاك فى صحراء الدَّرَّاسة حين عاد ولم يكمل رحلة الكشافة: “لقد حوصرت إذن، وسدت فى وجهى معظم الأبواب, وفشلت مشروعاتى. ماذا بقى لى؟ بقى لى حدب أخى وعاطفته الحانية حيالى: يخفف عنى، ويشرح لى حدود الممكن – وإن كان قليلاً ولا يرضينى – ويتحمل حدتى وتعجلى، ويطرى تقدمى الدراسى، ويذهب إلى حد أن يقول لأصدقائه: محمود أخى إذا رضى فهو روضة من رياض الجنة…”([14]).

وقد أثمرت هذه الألوان من الرعايات ثمارها الوجدانية الدافئة فى نفس الصبى الصغير محمود, رسمها الدكتور محمود الربيعى فى صورة بالغة الثراء فى قوله: “ولم أدَع اسمًا له حلاوة فى فمى – مما أناديه به – إلا استخدمته”، “.. فبهرنى أداؤه وسرت رعشة فى بدنى ناشئة عن اتصال روحى حميم بينى وبينه، فعرفت – وأنا ابن الخامسة – حجم الحب الذى يكنه قلبى له، والذى قدر له أن يستمر على مدى عمره”([15]).

أما الرعاية الاجتماعية فقد تمثلت فى تحديد أخيه حدود العلاقات الاجتماعية ورسم مسارات العلاقة بالآخرين، خاصة الزملاء والأقارب الذين يختلفون عنهم سمتا وأخلاقًا، يودونهم ولا ينقطعون عن زيارتهم، ولكن لا يجارونهم ولا يتخذونهم قدوة؛ لأن هؤلاء الأقارب والزملاء لهم ظروفهم، أما هما فلهما أهداف محددة وميسرة أمامهما([16]). هذا بعكس ما فتح له الباب بل شجعه على توثيق روابطه بأصدقاء الثقافة، وعبد الرحمن حسين في مقدمتهم، بل شاركهم حضور الندوات الثقافية التى يرتادونها، متعهدًا بإقناع زملائه جميعًا بالحضور([17]).

أما الرعاية العلمية فقد تمتع بها محمود الربيعى منذ يومه المدرسى الأول؛ حيث قام “أخوه محمد” بتدريبه على ما سيقبل عليه من أداء النشيد المدرسى, وتهيئته له، ثم تشجيعه المستمر على أدائه الحسن حتى تميز بين أقرانه([18]). ولا شك أن فى هذه التهيئة والتدريب المسبق إزالة لوحشة نفس الصغير من الأحداث الجديدة، ودعم لها يمنحها الثقة بالقدرة على الأداء، ومن ثم يكسب – بالاستمرار فيه – المهارة والتميز. كما تمتع بها فى إشراف أخيه على قراءاته المبكرة فى مكتبة الأمير فاروق بأسيوط. كما تجلت هذه الرعاية العلمية فى الضبط المبكر للمفاهيم، وفي التفرقة الواضحة بين المفاهيم التى يمكن، إذا أهملت، أن تتداخل فى النفس فتحدث فيها آثارًا سلبية: “تعلمت منه أن طلب العلم شىء والحصول على الشهادة شىء آخر، وأن المعرفة شىء والوظيفة شىء آخر، وأن الكبرياء شىء والتكبر شىء آخر”([19]).

والعنصر الثالث الذي توافر للدكتور محمود الربيعي هو خصائص وهبية عقلية ونفسية.

وهى قدرات وملكات ظهرت مبكرًا فى شخصية محمود الربيعى طالب الصف الأول الأوَّلى فى المعهد الدينى، منها التنبه والتتبع الدقيق للتفاصيل, وهى من الصفات المهيئة لطلب العلم وجودة التحصيل. ومنها الحواس المتوفزة، والنظر الحاد، والخيال الطليق القادر على تشرب البيئة المحيطة بكل مكوناتها: “نظرت إلى صف أخى، وتفرست فى الجميع بحثًا عنه حتى وجدته. كان يؤدى فى إخلاص بالغ، فينعكس على كل جارحة من جوارحه، فبهرنى أداؤه”، “.. أما أنا فكنت أتشرب مدينتى من جديد على مهل: نظرى حاد، وحواسى متوفزة، وخيالى طليق” ([20]). ومنها الطموح المحلق الذى كان يدفعه إلى التعرف إلى المادة المقررة وتحصيلها قبل تلقيها فى قاعة الدرس: “فحين كان يترك كتبه المدرسية كنت أستولى عليها سنة وراء سنة، وألتهمها قبل أن تصبح من واجباتى المفروضة علىّ”([21] والذى كان يدفعه دائمًا إلى البحث عن نوعية خاصة من الأصدقاء “المثقفون بالثقافة الحديثة، الطموحون إلى العلا”([22] وإن كانتت هذه الثقافة الحديثة تتمثل عنده فى ارتداء الزى الإفرنجى ودراسة الإنجليزية فىى المعهد البريطانى وممارسة الرياضة، وهى الصورة التى رآها فى صديقه عبد الرحمن حسين، الذى كان يدفعه دائمًا إلى البحث عن أفق ثقافى جديد لا محدود وراء الأفق الثقافى المتاح الواقعى المحدود، كما أنه تجلى فى سؤاله المبكر حين حط رحاله فى القاهرة عما وراء مكتبة الجامع الأزهر ودروس مسجد الحسين من تثقيف رسمه خياله من حكايا سمعها فى جهينة وأسيوط عن سور الأزبكية والعقاد وطه حسين ودار الكتب.. إلخ([23]).

أما الخصائص النفسية فقد تمثلت فى الثراء الوجدانى المبكر, الذى ظهر فى وصفه أخاه محمدًا بأوصاف تعكس هذا الثراء الوجدانى وهو فى سن الخامسة: “وشعرت بوحشة حين فارقنى، مع أننى كنت أراه يقف وسط زملائه من تلاميذ السنة الخامسة، حلو الملامح، نظيف الثياب، نشيطًا، مبتسمًا، مليئًا بالحماسة، شامخ الجبهة، عالى الروح، شعرت كم أنا فخور به، وكم أنا فى حاجة إليه، وتعلقت عيناى به فلم أنتبه لمن تجمع حولى من زملائى الجدد ([24]).

أثمرت هذه العناصر، مجتمعة متفاعلة، ثمارها المبكرة في شخصية الدكتور محمود الربيعي. وقد كان لرافد الأصدقاء خاصة أثره البالغ فى التكوين الثقافى المبكر للدكتور محمود الربيعى، ليس باعتباره مصدرًا للكتب والحوار الثقافى فحسب، بل باعتباره مشكِّلاً للوعى المبكر بمفهوم الثقافة ووظيفتها، وأنها “مفتاح الباب الوحيد لرحابة الأفق, وبدونها يمكن أن يعمل الإنسان ضد نفسه على طول الخط”([25]). وكان هذا الوعى المبكر نتيجة مباشرة لما يمكن تسميته بـ “الهزة الثقافية التى أحدثتها فى عقله وقلبه علاقته بعبد الرحمن حسين الذى مثل بالنسبة لمحمود الربيعى صورة “الثقافة الحديثة”، المختلفة فى مصادرها ومذاقاتها عن “الثقافة القديمة” التى يمثلها الأزهر منهجًا ومكانًا. هذه “الهزة الثقافية” – التى تحدث غالبًا نتيجة فراغ ثقافي أو خلل في التوازن المعرفي – بدأت بموقف طريف يرويه الدكتور الربيعى عن دهشته الممزوجة بالخجل من جهله باسم محمود الخفيف مؤلف “عرابى الزعيم المفترى عليه “ومن اختلاف صورة عرابى التى يقدمها الكتاب عن تصوره الخطأ عنه أنه صاحب “هوجة عرابى”([26] ثم تتابعت باتساعِ علاقتُه بعبد الرحمن حسين, مثيرة سؤال الثقافة المهم والحاد: “ما الذى جعل من صديقى ما هو عليه وجعلنى ما أنا عليه، مع أن مناهجنا الدراسية واحدة، ومرحلتنا العمرية واحدة؟ ما الذى جعله صاحب رصيد ثقافى واسع ورؤية ثقافية وجعلنى من كل ذلك صفر اليدين؟”([27] وينداح هذا السؤال فى دوائر أوسع حاملاً معه الثنائيات الكامنة فيه؛ ثنائية الجنوب والشمال والمتاح الثقافى لكل منهما، ثنائية الثقافة القديمة والثقافة الحديثة ورمزيهما “القاهرة المعزية” و”القاهرة الخديوية”. وتعكس هذه الثنائية حالة الانقسام الثقافى فى المجتمع المصرى فى ذلك الوقت – وهى ثنائية زائفة من حيث الأصل – التى كانت قد أحدثت آثارها العميقة فيه فى مفهوم الثقافة ووظيفتها ووسائلها وأتباعها، والتى انعكست على الأجيال الناشئة فى ذلك الزمان، ووضعتهم فى موقف اختيار بين اتجاهين أُريد لهما أن يكونا فى صورة تعارض، اتجاه القديم بكل ثقله الحضارى وقدرته على البقاء والنماء والتجدد، واتجاه الحديث بكل بريقه ومخاطره. لكن محمود الربيعى، الناشئ، قد حسم اختياره – وبحكم طموحه المحلق – لصالح الجديد… “لاحت القاهرة الخديوية – إذن – سفينة نجاة، ومرفأ ضوء، بعد أن كانت القاهرة المعزية… هى كل العالم”([28]). وقد تحقق هذا الاختيار عمليًا فى مسيرته العلمية العامرة الممتدة – أدامها الله – بدءًا بحصوله على الدكتوراه من جامعة لندن، ومرورًا بإنتاجه العلمى الموزع بين الدراسات التطبيقية والنظرية والترجمة، والذي يصنفه الدارسون ضمن النقد الشكلاني أو الموضوعي المتأثر بمدرسة النقد الجديد خاصة([29])، وإن كانت بذور التكوين التراثى المبكر حافلة وفاعلة بالضرورة فى هذا الإنتاج على نحو مباشر أو غير مباشر.

________________________

الهوامش:

[1]))هذا الكتاب هو الثالث عن سيرته الذاتية بعد كتابيه “فى الخمسين عرفت طريقى” و”بعد الخمسين” اللذين صدرا على التوالى عامى 2000, 2004 من مكتبة غريب. وكتابه هذا الثالث صادر عن مكتبة الأنجلو المصرية عام 2016. وقد اقتصرت عليه دون الكتابين الأولين لتفصيله المكونات الثقافية الأولى في حياة الدكتور الربيعي، بينما ركز الكتابان الأولان على ما بعد هذه المرحلة المبكرة.

[2])) انظر: أخى محمد ذكريات ومختارات. ص10, 20.

[3])) ص31.

[4])) ص19.

[5])) ص20.

[6])) ص24, 31.

[7])) ص33, 34.

[8])) ص15.

[9])) ص35.

[10])) ص15.

[11])) ص11.

[12])) ص11.

[13])) ص29.

[14])) ص12, 13, 14, 31.

[15])) ص11.

[16])) ص27.

[17])) ص33.

[18])) ص5-6, 10.

[19])) ص16.

[20])) ص8, 12.

[21])) ص10.

[22])) ص27.

[23])) ص24.

[24])) ص7, 8.

[25])) ص32, 33.

[26])) ص31, 32.

[27])) ص32.

[28])) ص33.

([29] ) د. ميجان الرويلي ود. سعد البازعي: دليل الناقد الأدبي. المركز الثقافي العربي. ط 3،2002. ص384.

التعليقات مغلقة.