بين الناقد ودارس النقد – بقلم: أ.د. محمد حماسة

  أستميح القاريْ الكريم في أن أعبر عن سعادتي الشخصية بتقديم هذا العمل للزميل الصديق الأستاذ الدكتور/ وحيد الجمل, هذا العمل الذي يتناول قصيدة واحدة من قصائد الشعر العربي لا تتجاوز الأربعين بيتا.17028825_316710095398156_926288986_n

    ومبعث سعادتي أن الكاتب يبرهن بطريقة عملية أنه ناقد للشعر بمعني الكلمة, وأنا أفرق بين الناقد الأدبي ودارس النقد الأدبي كما أفرق بين الفيلسوف ودارس الفلسفة, وهكذا في كل علم من العلوم الناقد هو الذي يروز النص ويتذوقه, ويستكف مداخله, ويستطيع الوصول إلي كنهه من خلال بنيته اللغوية, إذ يفككها تركيبيا ثم يعيد تركيبها دلاليا, فيبدو النص وقد كشف عن شيء كثير من أسراره, وباح ببعض ما يحتوي عليه, وما يكنه في ضميره، ومن هنا يحق للنص النقدي أن يتوازي مع النص الإبداعي, والناقد الحق هو الذي يعرف مداخل النص ويهدي غيره إليها.

 وأما دارس النقد فهو الذي يعرف تاريخ النقد الأدبي, ويلم بالنظريات المختلفة, ويجيد عرضها, ويعرف أهم روادها وأماكن نشأتها, وحركة انتقالها, وأهم أتباعها ومريديها, وعلاقة بعضها ببعض. والناقد الأدبي هو بالضرورة دارس نقدي, أما دارس النقد فليس بالضرورة ناقدا أدبيا, ونحن مع الأسف نخلط بين النوعين ولا نميز بينهما التمييز الكافي, ونقاد الأدب بهذا المعني قلة قليلة، أما دارسو النقد فكثرة غامرة.

 من هنا كانت سعادتي بهذا العمل, لأنه يكشف عن ناقد متمرس, يقف مع نص واحد, يتناوله كله, لا يهمل منه شيئا ولا يجتزئ منه شيئا, ولا يكتفي بالقول: “انظر إليه يقول” أو “استمع إليه يقول”، وإنما يقوم بما يجب عليه من البحث والدرس, وتطعم النص, وتذوقه, واكتناه أسراره, والتفتيش عن خبيئته ليجلوها للقارئ أو الملتقي, ويدعوه – في الوقت نفسه – أن يبذل جهدا مماثلا يتفق معه أو يختلف، ولا يفرض ما يراه في النص علي القارئ يلزمه به ويدعوه إلي عدم تجاوزه, بل يبين في تواضع صادق أن قراءته واحدة من القراءات الممكنة المتاحة, ولغيره أن يقدم رؤيته واجتهاده, ورؤيته مقبولة, واجتهاده مأجور ” إننا لا نستطيع أن نزعم بأن قراءتنا لقصيدة ابن زريق هي القراءة الأمثل أو النهائية, وكل ما عداها باطل, بل تصبح محاولة لاستنطاق القصيدة “.

    إن هذا النوع من التحليل لا يأخذ من النص شيئا ويترك منه آخر, لأن كل جزء في بنية القصيدة مهما كان صغيرا يقوم بدور في نتاجها الدلالي, وهو في الوقت نفسه يقوم علي معطياتها اللغوية والتعبيرية، فلا يفرض عليها شيئا من خارجها, ولا يسقط عليها ظلا لا ينبع منها, وبذلك يحمل التحليل دليل صدقه, ولا تستطيع أن تذكر منه شيئا, بل يمكنك أن تسير معه في الاتجاه نفسه، وقد يمكن أن تمضي في الشوط أبعد مما توقف عنده, فأنت إذا رأيت شيئا آخر فإنه لا يتناكر مع ما وصل إليه بل يتكامل معه، وذلك لصحة الأساس وصدق المنطلق.

    إن قصيدة ابن زريق قصيدة مشجية، فيها مسحة حزن نبيل، وقد كفلت لها وسائلها الفنية أن تتخطي القرون والأجيال, وأن تنال شهرة أوسع من شهرة شاعرها, ولعلك إذا تأملت نغمها الموسيقي وهو يجر البسيط, وتأملت رويها وهو العين المضمومة الموصولة بهاء الوصل المضمومة المشبعة, وقعت في أسرها، بالإضافة إلي ما فيها من انكسار أبي، وحزن نبيل، وتأمل موقور بالشجن مشحون بالأسى.

لا تعذليه فإن العذل يوجعه               قد قلت حقا ولكن ليس يسمعهُ

ويظل ضمير الغائب المفرد مستوليا علي الأربعة عشر بيتا الأولي من القصيدة حتي يأتي البيت الخامس عشر فيظهر ضمير المتكلم المفرد في قوله :

أستودع الله في بغداد لي قمرا             بالكرخ من فلك الأزرار مطلعهُ

    ويشدنا هذا الضمير الغائب المفرد في مواجهة ضمير المخاطبة, فنتعاطف معه ومع تأبيه, ونفوره من العذل واللوم من هذه اللائمة العاذلة التي لم تستطيع أن تطويه أو تثنيه عما يريد.

 

    أعجبني أن الدكتور / وحيد الجمل صبر علي هذه القصيدة، وأخلص لها ولم يسلك مسلك الذين يجتزئون من النصوص ما يريدون تاركين أشلاءها الأخرى تنزف وحدها ناسين أن كل شلو يؤدي وظيفة في الجسم الأصلي، وإذا بتر وحده فإنه لا يؤدي الوظيفة التي كان يؤديها. الدكتور/ وحيد يؤمن بأن العناصر الفنية تتكامل وتتعاون في أداء مهمتها, ويؤمن أيضا بأن حب النص شرط أساسي للتعاطف معه, وهو حب لا يفقده الموضعية, لأن الحب هو الذي يؤدي إلي امتلاك المعرفة ويوصل إلي الإمساك بالجوهري في القصيدة لا العارض فيها, ويؤمن أيضا بأن للقصيدة سطحا خارجيا وعمقا باطنيا, والاهتداء إلي العمق لا يكون إلا من خلال هذا السطح الذي يقودنا إلي الباطن العميق.

    هذه بعض الأسباب التي تدعوني إلي السعادة بتقديم هذا العمل الممتع, وإني لعلي ثقة أن القارئ الكريم سوف يجد فيه أسبابًا أخري للمتعة الفنية العالية، إذ يقرأ نصا إبداعيا موازيا لإبداع القصيدة ذاتها.

 

                                                   أ.د/ محمد حماسة عبد اللطيف

                                               أستاذ بكلية دار العلوم – جامعة القاهرة

                                                 عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة

________________

عنوان المقالة من وضع د. محروس بريك

التعليقات مغلقة.