نتوء في الذاكرة – السيد شعبان جادو

ولأن الحروف تتداخل في عقلي،أشعر بأنني فقدت توازني،تهرب مني الكلمات،أجتهد أن أمسك بها في هذا الليل المحاط بالظلام، إنها الوحدة القاتلة،فراغ يوشك أن يطبق على صدري، لا أجد مساحة من الدفء ،أقترب من عالم أخر أجهل ملامحه، تأتيني صور الرحلين كأنهم يطلبون مني المسير إليهم؛ لعلي أدرك خطوهم، تلك الألقاب التى أضعت عمري بحثا عنها،هي اليوم من نقوش الماضي البعيد، أجدني أرعي شياه أبي في صحراء لا تشتمل إلا على ذلك السكون الممتزج بالرهبة، غادرت بيت أحلامي،تركت فلذة كبدي حيث الغول يربض عند مدخل الكهف،يتحسس أنفاس المارين بين الدهاليز،الكآبة رسمت ملامح الوجوه، الشدة المستنصرية تقترب على عجل. بعض الوجوه الشائهة تعلق في مخيلتي مثل نتوء بارز يقتحم في إصرار الخاطر،أكاد أبصق على ظلهم ،العجز يكبل تلك اليدين الواهنتين، أما الآخرون ممن تآلفت معهم ،ابتعدوا حيث المنافي قهرا في باطن الثرى،أو خيالات تدب فوقه،سيان من عانق شوك الحياة أو رفل في ثوب القهر مدلاة بعنقه أسمال مهترئة،عبثا حاولت أن أمسك بخيوط ذاكرتي،تأبت علي في عناد بالغ القسوة، أرى نفسي وقد انتهبها ذلك الهول يمسك عني نبض الشعور ودفء التواصل،انقطعت عن عالم يمور بالحركة،صرت أشبه برجل فقد ظله. لا أدري، لم جفى النوم مرقدي؟ بالفعل استعذت بالله من الشيطان الرجيم، دعوته أن يهبني سبيل القلم ، البعض سيسخر من تلك الأمنية. جربت كل الحيل،وجدت لمعة في خاطري. لم أنتبه لوقع تلك الأقدام،إنها تقترب في بطء مثل دودة تقاوم السقوط. أخيرا تعرفت إليها، منذ فترة لم أرها،الآن تعاودني أطياف منها مثل ضوء شمعة توشك أن تلقى نهايتها ؛فذبالتها احترقت،هي الأخرى تعاني من داء النسيان،يأبى الود الذي كان بيننا أن يتصرم أو يفنى. عرفتها حين كان العمر ممتدا،الجمال اكتسته ثوبا مطرزا بوشي صنعته أنامل تجيد العزف على قيثارة البهاء. درجت بيننا المودة والرحمة،زوجين يأتلفان،لم تخل بطبيعة الحال حياتنا من بعض هنات مثل عتمة ليل داج،ولما نتبادل العتب نتصافى كأنما مر بنا داعي الحب،ابتاع كل واحد للآخر عقدا ثمينا من روائع الود الممزوج بعاطفة تمور هوى صادقا،هكذا مرت أيامنا. ولأن الثعلب يربض خلف تفاصيل الأشياء التى ترمى خلف الماضي،نبش في المسكوت عنه،ياله من شيطان يبعثر حبات المسبحة المنتظمة،أوقع في نفسها أنني حين أخلو بنفسي عرفت غيرها. يطول صمتي، الطعام صار هذه الأيام باردا؛رغم أن البخار يتصاعد منه بركانا يوشك أن يلفح وجهه! هكذا قالت عني. ثيابها عفى عليها الزمن،للنساء عطر يجذب النفس العطشى كما لو أنني أعيش عزبا. ها هي اليوم تفسر كل ذلك ،تريد أن تلقي باللوم علي في ثبات عاطفتها،ظنت بي الطيبة والوداعة،ذلك وهم فالعاصفة كثيرا ما تخدع الربان الماهر. اليوم فقط أجبرت أن تعيش بمفردها،كانت مثل غزالة أصيبت في مقتل،تغلبت على جراحها التى تجاوزت تلك الدماء النازفة من جسدها،هناك طعنة قاتلة في قلبها،طلقتها! يا للهول بعد هذه السنوات التى تقترب من عقدين من الزمن،أولادها ما عادوا يهاتفونها، انشغلوا عنها، هي تراني محتالا استطاع أن يصنع هالة من الأكاذيب حولها،ربما لسذاجتها لا أقول لطيبتها أوقعت نفسها في هذا الشرك،بالفعل مللتها،لا تحسن تلك الحماقات الجديدة التي تدور على شاشات التلفاز،تظن بي التصابي من جديد ،شعرت أنني أقارن بينها وبين بائعات الهوى أسمع من أحاديث النزق، حين بدأ العمر يزحف ناحيتها ترك بعض أثر في ترهل جسدها،بالفعل هي نسيت بعض زينتها،وهل تعاود أم الولد ترهات الصبا،لقد ودعت عالم الأزياء منذ فترة ليست بالقصيرة، أخذت تبكي طوال الليل،ها قد صارت بلا زوج ولا أولاد. للمرة الأولى لن تسمع انتقاداتي الجارحة،لن تشاهد صباغة شعري بتلك الحناء السوداء،بل لن تجبر على تشمم العطر الفج الذي أضعه على ثيابي،أهملت نفسها كثيرا،بكت عمرها الذي تركته يصرع تحت عجلات قطار الإخلاص،ما ضرها لو فعلت مثلي؟! ضحكت في سخرية مرة ،وهل تذكروها؟ إنهم لم يجروا خلفها،بل كل واحد منهم انشغل بنفسه، كان مثل لص سرق كل شيء حتى لوحات الحائط. ليتها فهمت ، منذ ما يقارب عاما ألقيت صورة العرس المعلقة في حجرتنا ،وجدتها ممزقة في سلة المهملات! الحياة كانت تمضي رتيبة ،فقط كلمات الاستهجان والسخط،الجحود هو سنة ذلك الرجل الذى كنته ومن ثم تعايشت معه، لقد رفضت مرارا أن تغادر البيت.

 

التعليقات مغلقة.