من أصداء الأمسية الثقافية بين رجاء النقاش وفاروق شوشة – بقلم: فريد لطفي أحمد

   “مثل رجاء النقاش ليس بحاجة إلي الكتابة عنه لتأكيد أنه كاتب كبير وناقد كبير‏.‏ فقد استحق هاتين الصفتين معاً منذ كتاباته الأولي في مطالع الخمسينيات‏,‏ عندما كان مراسلاً أدبياً لمجلة الآداب البيروتية في القاهرة‏,‏ وكان الناقد الكبير الراحل أنور المعداوي هو الذي قام بتقديمه إلي الدكتور سهيل إدريس رئيس تحرير الآداب‏,‏ ثقة منه في هذا الشاب الممتلئ بالموهبة والوعي والاستنارة‏,‏ والإيمان برسالة الكتابة وشرف الكاتب ومسئوليته‏.”

   بهذه الكلمات العذبة قدم الشاعر والإعلامي والناقد الكبير الراحل الأستاذ فاروق شوشة لمقال له عن الأستاذ رجاء النقاش ضَمَّنه كتابه (ثقافة الأسلاك الشائكة).

     والحق أن فاروق شوشة كانت له عناية خاصة برجاء النقاش وفكره, كان من ثمارها مقال آخر له في رثاء رجاء جعل عنوانه (رجاء النقاش ضمير جيل), ثم إنه كتب مقدمة ضافية لكتاب رجاء (هل تنتحر اللغة العربية ؟) والذي صدر بعد وفاة النقاش, جعل عنوانها ( رجاء النقاش عاشق اللغة العربية ومبدعها), كما أن هناك لقاء جمع بين الرجلين في حلقتين من حلقات برنامج (الأمسية الثقافية) الذي كان يقدمه فاروق في التليفزيون المصري. كان ذلك في عام 2000م, بمناسبة حصول رجاء النقاش على جائز الدولة التقديرية.

   وقد كان لي شغف بمتابعة هذا البرنامج وتسجيل ما فيه من فوائد في أوراق خاصة, وفي لقاء رجاء النقاش حرصت  قدر الإمكان على تسجيل الحوار كاملاً, وقد عُدت إليه بعد مرور تلك السنوات فوجدتني  حريصاً على عرضه وتقديمه للقارئ؛ لعله يجد فيه فائدة, فراجعته وحاولت تهذيبه وتقديمه في صورة تقترب من الأصل المقدم في التليفزيون.

                                       ** * **

  كنت أعلم أنَّ الأستاذ رجاء لا يميل إلى المشاركة في الأحاديث التليفزيونية والإذاعية؛ وذلك لما ينطوي عليه من خجل وحياء شديدين, وأحسب أن رجاء قبل المشاركة في هذا البرنامج تقديراً لشخص فاروق, واحتراماً لبرنامجه الجميل.

الأساتذة وأصحاب الفضل

  افتتح  الأستاذ فاروق الحوار بمثل المقدمة التي في صدر المقال, ثم رحب بضيفه ترحيباً يفيض بالمودة والمحبة, وبعدها بدأ الأستاذ رجاء يتكلم, وقبل أن يوجه له أي سؤال من فاروق.

  قال: “أشكرك … لكن هذا التكريم هو تكريم لجيل الخمسينيات الذي أنتمي إليه“, وأفاض رجاء في الحديث عن معاناة هذا الجيل, وأن هذه الجائزة عندما تأتيه في هذا الوقت تذكره بمقولة لبرنارد شو بعد أن فاز بجائزة نوبل: “إن جائزة نوبل تشبه طوق النجاة الذي يقدم للغريق بعد أن ينجو.” ورفض برنارد شو  استلام الجائزة.

12729338_563287977172125_2608409629075155183_n

    ثم تحدث رجاء عن أساتذته في الحياة وفي الجامعة, فذكر من أساتذته في الحياة والده الشاعر عبد المؤمن النقاش, الذي كان يعمل مدرساً إلزامياً فقيراً, ورغم ذلك كان حريصاً على القراءة, وعلى تكوين مكتبة كبيرة في بيته, وهذا بالطبع ساعد الأبناء على تحصيل العلم والثقافة.

ثمَّ ذكر  والدته .. تلك السيدة البسيطة التي لم تتعلم .. لكنها كانت حريصة على تعليم أبنائها, فباعت كل ما تملك ـــــــ وهو قليل ـــــــ من أجل أن يكمل أولادها تعليمهم.

   وينتقل  رجاء إلى الحديث عن (زكريا الحجاوي) أحد رواد الأدب الشعبي, وكيف ساعده وهو طالب في الحصول على وظيفة محرر بجريدة الجمهورية وهي في بداية صدورها, وكان زكريا يعلم حاجة رجاء إلى العمل من أجل إكمال تعليمه.

    ويروي الأستاذ النقاش هذه القصة الغريبة التي يقول إنه يتذكرها وكأنها البارحة, لما فيها من دلالة على إنسانية الحجاوي, وعلى ما ينطوي عليه بعض المبدعين من السذاجة الجميلة المحببة.

كان زكريا الحجاوي لا يعرف أين  يسكن النقاش.. وذات يوم طرق الباب طارق … فإذا به يفتح الباب فيجد أمامه زكريا الحجاوي.

  لقد سأل عن سكن رجاء النقاش فدُلَّ فقط على الشارع الذي يسكن فيه بحي شبرا, فذهب الحجاوي وطرق كل الأبواب في الحي, وظل على ذلك ساعات حتى وصل إلى باب رجاء النقاش !!

 ويعلق الأستاذ رجاء على تلك القصة فيقول إن زكريا وقتها كان كاتباً كبيراً  ذائع الصيت, وله قيمته التي يعترف بها الجميع بينما كنت طالباً صغيراً فقيراً  أبحث عن عمل بجوار الدراسة حتى أتمكن من إكمال تعليمي, فلماذا يساعدني ؟ ليس هناك سبب سوى إنسانية الحجاوي ونبله وكرم نفسه الطيبة؛ لذلك كنت أناديه (يا أبي)!!

ثم يتحدث عن أستاذ آخر هو الدكتور عبد القادر القط, قال لن أتكلم عن علمه ومكانته كأستاذ جامعي وناقد كبير فمكانته معروفة, لكن سأتحدث عمَّا فعله معي:

” على بلاطة كدا كان د. عبد القادر يأتي إليَّ في بيتي ويعطيني نقوداً, ويقول: أنت ابني ولا فرق بيننا فخذ هذه النقود وتفرغ لدراستك”, وكان د. القط يختار وقت الامتحانات حتى أنقطع  للمذاكرة ولا أعمل.

  وبعد ذلك يتحدث رجاء عن أساتذته في الجامعة وفي الحياة الثقافية ويذكر منهم, أنور المعداوي ولويس عوض, وسهير القلماوي, ويخص محمد مندور بثناء خاص ومحبة غامرة ويقول عنه: ” إن مندور هو أول من علمني أن الأمانة في النقد جزء من الضمير الديني.”

                                      *****

   ويسأله فاروق شوشة عن سر أو كيمياء لغته البسيطة السهلة والعميقة في نفس الوقت, خاصة وهو يكتب في النقد, في الوقت الذي يكتب فيه أكثر النقاد بلغة صعبة متقعرة, تستعصي على الفهم, ولا يقرؤها أحد .. حتى النقاد !!

   ويبدأ رجاء إجابته بالشهادة لصديقه فاروق شوشة بأنه يكتب أيضاً بتلك اللغة السهلة الممتنعة, ثم يقول إنه يدين بالفضل في هذا للأدباء الذي قرأ لهم تعلم من كتاباتهم, مثل العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم, ويتوقف أمام أسلوب طه حسين فيشبهه بالقطعة الموسيقية الجميلة, أو بالنهر الذي تنداح مياهه في عذوبة وسلاسة, تقرأ له فتشعر أنك لا تقرأ شيئاً, وبعد أن تنتهي تشعر أن الكلمات تسكن في داخلك.. وتنمو وتزدهر!!

ويأتي السؤال التالي حول سرِّ نجاحه في إدارة الدوريات والمجلات الثقافية: المصور ثم الهلال ثم الدوحة …

   فيذكر رجاء أنه إن كان ثَمَّة توفيق فهذا يرجع إلى أنه تربى على المجلات الأدبية العرقية, مثل مجلات: (الرسالة) و(الرواية) و(الثقافة), ويتحدث عن غرامه بأعداد مجلة الرسالة, التي كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات, ويؤكد مرة أخرى أنها تعلم على أيدي هؤلاء الكبار فإن كان ثَمَّة توفيق فهذا سببه.

  ويُذَكِّره فاروق بكتاب سيكون مفاجأة للمشاهد أصدره عام 1995م, حول ” الإمام المراغي حياته وأفكاره” ويسأله عن سرِّ كتابته عن الشيخ المراغي, فيفيض في الحديث عن الجوانب العلمية والإنسانية في شخصية المراغي, وقال: إنه وجد الكتابة الدينية للشيخ المراغي عبارة عن قطع أدبية ممتعة, تقرأها وكأنك تمشي في حديقة غَنَّاء.

 وختم كلامه بقوله: ” إن فكر هذا الرجل لو طبق لقضى على التعصب الديني قضاءً تاماً.”

  وتنتهي الحلقة على وعد باستكمال الحديث في الحلقة القادمة, وكانت هذه أول مرة ـــــــ في حدود متابعتي ــــــ أرى فيها الأستاذ فاروق يستضيف كاتباً واحداً في حلقتين متواليتين.

                                          ***

  منهجه النقدي

   ويتواصل الحديث بين الأستاذين الكبيرين في حلقة الأسبوع التالي, ويكون السؤال الأول من فاروق حول منهج رجاء النقدي, وطريقته في التعامل مع النصوص..

   ويرد رجاء بأنه لا يحفظ (قوانين نقدية) ويطبقها, بل يدرس النظريات ويستفيد منها, ثم يتعامل مع النص بهذه (الرحابة الإنسانية) الكبيرة, باحثاً فيه عن أمرين: القيمة الإنسانية التي تخدم الإنسان وتضيء الطريق أمامه في زحام الحياة, والقيمة الفنية الجمالية التي هي أساس كل عمل إبداعي,  فهو لا يتحزب لمنهج فني أو مذهب نقدي, ويستدل على ذلك  بكتابه: ” ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء”  الذي يتحدث فيه عن بعض الشعراء المحافظين على نظام الشعر القديم, وعن بعض الشعراء المجددين أو شعراء التفعيلة, أي أنه يكتب عن الفن الحقيقي مهما كان الشكل الذي خرج فيه.

نجيب محفوظ

    ثم ينتقل الحوار إلى نجيب محفوظ وعلاقة رجاء النقاش به على المستويين الإنساني والأدبي, ويذكر فاروق شوشة أن رجاء النقاش تجمعه بنجيب محفوظ صداقة كبيرة.

فينكر رجاء هذا ويقول: إنه بتعبير أهل التصوف من مريدي نجيب محفوظ, ويتحدث رجاء عن نجيب بأنه ذلك الإنسان الذي كان يكتب ويعمل في صمت بعيداً عن الأضواء والشهرة راضياً بكدحه ودأبه واجتهاده.

   ونجيب محفوظ ــــــ كما يقول النقاش ــــــــ كاتب متجدد يطور نفسه.. كان قبل الثورة يكتب من أجل أن يتغير المجتمع .. فلما قامت الثورة توقف عن الكتابة فترة.. وفكر ماذا يكتب ؟ وظن أنه لن يكتب أدباً بعد أن تغير المجتمع!

فأخرج مجموعة من الروايات التي تتحدث عن مصر ما قبل الثورة مثل: (الثلاثية) و (اللص والكلاب), ثم بدأ يكتب عن مجتمع ما بعد الثورة.. وينتقد سلبياته.

ويقول رجاء ” إن نجيب محفوظ هو المعادل الموضوعي لمصر“, فمن أراد أن يعرف مصر في القرن العشرين بتاريخها وهمومها وحياة أفرادها فعليه بنجيب محفوظ.

   ونجيب أيضاً مثال عظيم للزواج بين الفن والأخلاق فنجيب الروائي المبدع صاحب نوبل إنسان قبل كل شيء, شديد البساطة, شديد التواضع, وهو أيضاً على درجة كبيرة من الاعتزاز بالنفس. والخلاصة : ” إن نجيب محفوظ نقطة ضوء كبيرة في حياتي “.

بين المعداوي وفدوى طوقان

   ثم يحول  الأستاذ فاروق الحوار إلى العلاقة بين الناقد المصري الراحل أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان, فيقول رجاء: إنها علاقة حب إنسانية جميلة, صورة من صور الحب العذري الجميل الدال على إنسانية فدوى والمعداوي, عاشقان لم يلتقيا إلا على الورق, عن طريق الرسائل الأدبية المتبادلة بينهما. فنشأ بينهما حب عميق, وهي صورة مما حدث قبل ذلك بين مي زيادة وجبران خليل جبران.

   وأحسَّ رجاء بهذه العلاقة, وفي المرة الوحيدة التي قابل فيها فدوى, حدثها عن منزلتها لدى المعداوي, وأنه يتوقع أن يكون بينهما رسائل متبادلة, وقال لها إن أردت أن تعطيني هذه الرسائل فإنها ستفيدني في دراستي للمعداوي, وبالفعل زارت فدوى مكتب النقاش ـــــــ ولم يكن موجوداً وقتها ــــــ وتركت الرسائل التي تلقتها من المعداوي, والتي تظهر فيها قصة حبهما النبيل, دون أن يكون لها مصلحة, ودون أن تستفيد من نشر تلك الرسائل, بل ربما أصابها شيء من الضرر, فهي سيدة لها مكانتها الشخصية كواحدة من أكبر شعراء العرب, ثم هي امرأة من عائلة كبيرة ومحافظة في فلسطين.

                                           ****

   هذا هو رجاء النقاش في رحلته القصيرة الممتعة مع فاروق شوشة وقد حاولت نقلها للقارئ بكل أمانة كما سجلتها في أوراقي الخاصة حين عرضها على شاشة التليفزيون المصري, والحلقتان موجودتان في مكتبة التليفزيون, مع غيرهما من ذخائر هذا البرنامج الاستثنائي الجميل.

 

2 تعليقان

  1. جميل ☺ بارك الله فيكم وزادكم علما فوق علمكم

  2. فريد لطفي أحمد قال:

    لقد طوق أستاذي د.محروس بريك عنقي بفضله وكرمه
    إذ تفضل بنشر هذا المقال الذي هو على تواضعه قطعة عزيزة من نفسي
    لما فيه من حديث لرجل من أحب الناس إلى قلبي هو رجاء النقاش
    في صحبة رجل من أحب الناس إلى قلبي هو فاروق شوشة
    وأنا أشهد أنه إن كانت ثمة ضوء في حياتي فهو من مصباح الرجلين الكريمين قد خرج.
    وإلى مذهبهما في فكر والفن والحياة ينتمي
    أسأل الله أن يعينني على قضاء حقهما
    والوفاء بدينهما..

التعليقات غير مفعلة.