البصاص! – بقلم: السيد شعبان جادو

عاوده الحنين أن يعود طفلا، مهنته تلك جلبت إليه الشؤم،الكثيرون صدقوا حين أطلقوا عليه هذا اللقب،فما رأى شيئا إلا وطار به،كم كانت سعادته حين يشي بأحدهم،ربما بلغت به قمة السعادة حين وشى بنفسه!
تحاشاه الجميع،وهل يقرب أحد من الثعابين؟
تلك كانت بالنسبة إليه خطاب السر وكلمة التوصية،الآن هو منزو على مقعد خشبي ويستند إلى طاولة من حديد صدئة تصدر طنينا يشبه حياته بكل ما فيها من تدليس،يتعارك الذباب أيهم ينال من عينيه؟
في خدر تناوم،ضربت شمس الضحى قفاه،أخذت ذاكرته تعود به حيث أول وشاية قدمها،كانت عن أمه؛أخبر والده أنها حدثت جارتها بسر عجزه،يومها أصيب بذبحة صدرية،قبل أن يلقي عليها اليمين!
لذلك سخرته أمه نكاية فيه ؛ أن يعمل بصاصا،جاب الناحية،تجمعت لديه الحكايات،لم يكتف بهذا،بل اختلق الكثير منها،تسلل إلى مواطن الأسرار،فتحت له الأبواب المغلقة،يا لها من حياة قميئة أن يعتاش الإنسان على فضلات الآخرين!
تلك الكلمة ضربته في مقتل،لم ينس قائلها،إنه صديقه حاول أن يخلصه من تلك الآفة،حاول معه كثيرا،لكن الداء قد تمكن منه.
سمعوا بمهنته،أرسلوا إليه،في تبجح استجاب،يعرفون عنه كل شيء،هكذا أوهموه،إنهم في حاجة إليه،رغم براعتهم في استنطاق الأفواه العنيدة،لا تعجزهم الحيلة،حتى الأوراق تستطيع أن تدلل على ما يريدون،لكن ثمة مهارة يجب أن تنضم إليهم،إنه يعرف دهاليز الأخبار،يصنع لهم حبكة متقنة؛حتى وهو يكذب،يكفي العالم طيبة هؤلاء الذين يطيلون لحاهم ويقصرون ثيابهم؛ليكونوا أهل الصدق،يعرف أن أكثرهم يهيمون في وادى الضلال،لا يمنع أن يدس أنفه في سيرة ذلك الولع بالعطر،إنه يجذب إليه النساء،وفي المساء تكثر الأقاويل،ما أشهى خدر تلك المرأة التى أباحت له بسر أخفته عن الآخرين ؛الشيخ يخصي غلمانه في قارورة عطر ينتشي بها!
الطلاب يرسمون بأقلامهم حدائق ذات بهجة،عليه أن يخبرهم بها،الفتيات سيصرن ذوات ولد إن جاء العدل؛لا ريب يكثر العدد،الآباء يحملون الطعام،دلالة على ثراء قادم،كل هذه مادة للتمرد،ليتهم يقدرون جهده،ولأن الزمن يدور،ترك أثره،اعتلت صحته،لم يبق له غير ذلك المعاش الضئيل الذي قدموه إليه،نسي في زحمة تلك الوشايات أن يبتني بيتا،وهل به حاجة إليها؟
فلياليه كانت هناك حيث يقعى تحت قدميها،تركله متى شاءت،كلبا يحرك ذيله،لم يعد يصلح لشيء ،جعلوه مخصيا،لذا آمنوه على مخادعهم ،إنهم لا يتسترون،تفل على خياله ،لقد وشى بكل من حوله،ثم ماذا ها هو الآن مثل كلب أجرب يتحاشاه الجميع،لا يقرب أحد من القهوة؛وهل يأمن الناس على أنفسهم منه؟
تململ في جلسته،حلا له أن ينظر ذلك الطفل الذي كان يشبهه ذات يوم.
ترك مقعده،تحرك صوب تلك الدار،هناك يسكن معها،جنايته التى تجمعت في ذلك القعيد،أهو انتقام من الله أن يبتلى به،كلما حاول أن ينأى عنه أتاه في مخيلة تنبش الآلام،أي ذنب اقترفه لن يغتفر طالما هذا الطفل يذبل كل يوم،جاء به سفاحا،رفض أن يلحقه به،رغم صلفها،يتوجس منها خيفة،ارتكن إليهم،تقوى بهم،رضيت أن يأتيها كلما أرادت فلياليها مخمورة بتلك الفاحشة.

التعليقات مغلقة.