آفة الفكر هذا التحجير – بقلم: د. تامر عبد الحميد أنيس

12721886_1292358907446798_738512481_nكتب أحمد حسن الزيات في مجلة الرسالة العدد الثالث عشر مقالة بعنوان (آفة اللغة هذا النحو)، وعلى الرغم من أني أتحفظ غالبا من نقد النحو فإنَّ العنوان لم يزعجني لمكان اسم الإشارة منه، إذ إنَّه مشعر بإرادة نمط خاص من النحو، وإن كان محتملا لإرادة النحو بعمومه، على أية حال بدأ الأديب الكبير مقالته الصغيرة منحيا باللائمة على تدريس كتاب (شرح الكفراوي على متن الآجرومية) للطالب المبتدئ بالأزهر الشريف في ذلك الزمن، ووجه اعتراضه أنَّه يجبه المبتدئ باصطلاحات وقواعد وأوجه لا عهد له بها، ومعه حق في هذا المأخذ؛ لأنَّ مخاطبة الدارس ينبغي أن تكون بحسب مستواه، لكنَّه سرعان ما يمسك بخيط تعدد الأوجه ويجعله ضربا من الخلط المفسد للأذواق المفضي إلى طبع القرائح على التفكير العابث والتقدير الهزيل، وبأسلوبه الرشيق القادر على تقبيح الحسن وتحسين القبيح، ينتقل إلى أوجه من جناية هذا النحو الفوضوي – كما زعم – على عقول دارسيه، قائلا: (جنى هذا النحو الفوضوي على عقول الناشئين في معاهده، فعمَّى عليهم وجوه الأدب، ثم فتح لهم من الجدل اللفظي والتخريج اللغوي أودية وشعابًا يقصر دون غايتها الطرف، فعندهم كل صواب يمكن أن يخطَّأ وكل خطأ يمكن أن يصوَّب، وكل كلام على أي صورة يجب أن يفسر أو يؤول! اخرق القواعد، واقلب الأوضاع، وانطق اللفظ على أي حركة، واستعمله في أي معنى، فإنك واجد ولا شك من هؤلاء من يلتمس لك وجهًا من وجوه البسملة السبعة أو مخرجًا من مخارج باب الإعراب الثلاثة).

وهو يعزو ذلك التعدد في الأوجه والمذاهب وما وصمه بالتناقض والشذوذ إلى تعدد اللهجات القديمة، وفي هذا قصور في النظر لا مجال لمناقشته هنا.

ويبدو أنه يقول ذلك مدفوعًا بغيرة على النمط الشائع للفصحى، لا يريد أن يزحمه شيء من لغات العرب وإن صح نقله، لكنه في حرصه ذاك تغافل عن أن الكفراوي الذي نقل كلامه في البسملة إن كان قد أجاز سبعة أوجه فقد منع وجهين، فليس كل ما يقال جائز وله وجه، ولكن التوسع في التوجيه والتجويز ما وافق وجها في كلام العرب، هو الذي ضايق صاحبنا وأزعجه، حتى أخذه إلى التمثيل على ما حسبه فوضى وجدلا بتصحيف من صحف قوله تعالى: (إذ يبايعونك تحت الشجرة) إلى (أذئبا يعونك)، ومن صحف الأثر: (المؤمن كيِّس فطن) إلى (كيس قطن)، وهو تمثيل بعيد كل البعد عن التماس الأوجه الجائزة في التركيب من جهة العربية، وتصحيح نطق الناطقين بناء عليها، ويستحضر في هذا السياق سلوك بعض المتحذلقين أو المتظرفين أو المتخلصين من أخطائهم بلطف التماس توجيه لها، كذلك المصحح الذي كتب في ورقة الطالب (لا يصلح) ولما تبين استحقاقه للنجاح قال: قولي لا يصلح صوابه يصلح ولا زائدة.

ولأن رؤية علم العربية غير واضحة لديه نجده يقر بأن دراسة النحو على هذا الشكل تفيد بلا شك في بحث اللهجات في اللغة ودرس القراءات في القرآن، ولكن دراسته لضبط اللغة وتقويم اللسان أمر مشكوك فيه كل الشك، ويعلل هذا الشك بأننا اليوم وقبل اليوم إنما نستعمل لغة واحدة ونلهج في الفصيح لهجة واحدة فلماذا لا نجرد من النحو القواعد الثابتة التي تحفظ هذه اللغة وتقوم تلك اللهجة؟

ولنا أن نتساءل:

– أوليس القرآن بقراءاته، والحديث برواياته، وكلام العرب المنقول إلينا مما يقرأ ويحفظ ويتدارس ويستصحب في حياة الناس اليوم؟!! فلم نعده من شأن (مؤرخي الأدب وفقهاء اللغة وطلاب القديم على ألا يطبقوه على الحاضر)؟!! إن في هذا دعوة للانفصام عن تراث الأمة وسيرورتها الثقافية والمعرفية غير مقبولة.

– أوليس كثير من لهجات العرب القديمة موجود حي إلى الآن في لهجاتهم الحديثة، مما يعين على تفصيح العاميات المعاصرة؟!!

– أوليس في تعدد الجائز وإن تفاوت في درجة الفصاحة فسحة للألسن وتيسير على الناطقين بدلا من الإعنات والتضييق والتخطئة التي تصرف الكثيرين عن الحديث بالفصيحة؟!!

والعجيب أنَّه يختم مقالته بضد ما بدأها به، وهذا دليل على اضطراب النظر وعدم انضباط بوصلة النقد، إذ يقول: (ولكن فريقا ضئيل الشأن من بقايا الثقافة القديمة في مصر والعراق لا يزالون يظنون أنا مجبرون على إخضاع ألسنتنا وأقلامنا لتلك اللهجات البالية، فيقعد بهم تخلف الذهن وضعف الملكة وكلال الذوق [وانظر إلى العبارات الحادة والاتهامات الجاهزة] عند هذه البقايا الأثرية ينبشون عنها قبور البلى، ثم ينثرونها كالشوك في طريق الأدباء الموهوبين، ويتبجحون بأن هذا اللغو هو اللغة، يقرءون الكتاب القيم للعالم الباحث، أو للأديب المجدد ، فيعمَون عن خطر البحث في نفسه، ومجهود الباحث في بحثه، ولا يرون إلا حرفا وقع مكان حرف، أو جمعًا لم يجدوه في كتب الصرف).

وظاهر في هذا الكلام اختلال المنطق واضطراب الفكر؛ لأن الذي يركن إلى التأويل السائغ ويبحث في تلك اللهجات القديمة من شأنه أن يجوز ما وافقها لا أن يجعلها كالشوك وأن يحصر اللغة فيها. والذي يحصر الصواب في وجه واحد كما أراد الكاتب هو الذي من شأنه ألا يقبل وقوع حرف مكان حرف، ويرفض جمعًا غير موجود في كتب الصرف.

والتدرج في التعليم مطلوب بلا شك، لكنَّ الضيق بتعدد الأوجه وتباين المذاهب، والدعوة إلى قتله في نفوس ناشئة العصركل ذلك – فضلا عن أنه قصور عن إدراك طبيعة العربية – يفضي إلى تشكيل عقول لا تقبل الخلاف ولا تتسع لأكثر من رأي، ونفوس معجبة بآرائها نافرة ممن خالفها، متعصبة للرأي الواحد، ثم بعد ذلك نشتكي من التطرف والتحجر الفكري.

لماذا لا نستثمر ما في علم العربية من قيمة إنسانية مثلتها تلك المقولة الشهيرة (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب).

وصدق القائل: من تعلم العربية رق طبعه.

2 تعليقان

  1. محمد جبريل عبد الشفيع بدر قال:

    تحياتي وتقديري لصديقي العزيز ودكتوري الفاضل دكتور تامر.
    اتفق معك وأتمنى أن نهتم بلغتنا وبخاصة قواعدها.

  2. جزاك الله خيرا صديقي الفاضل ووفقنا وإياكم لحفظ لغتنا العربية التي حفظهما الله -جل في علاه – بالقرآن الكريم.

التعليقات غير مفعلة.