عفوًا الهاتف غير متاح ! – السيد شعبان جادو

13401137_1304385009591243_1667704174_nالحكايات مملة ومكررة مثل ساعات الليل التي تمضي في رتابة،أخذ يتقلب يمينا ويسارا،تتابعت حياته أمام عينيه بكل أفراحها،لكن الإخفاقات كثيرة،من بين ثنايا الماضي لاحت له طيف خيال،وما أكثر ما تتهادى هذه الأماني حين تطبق الهموم على صدره!
اعتدل في فراشه،تلا دعاءه،حاول أن يصرف هذا الخاطر،تأبى في إصرار،أخذ يقلب رأسه،ولم لا؟
حدث نفسه،بعد هذه السنوات ربما يعاود الحنين دفقه،هو يحبها كثيرا،لقد ارتحلت بعيدا،الغربة حاجز يقهر الحب!
بينهما حجاب،لقد غادرت عالمه،لم تعد بها طاقة أن تنتظر رجلا يعيش بلا رجاء في الحياة !
الآخرون صاروا يمتلكون السيارات الفارهة،البيوت الشاهقة،الأرصدة المنتفخة،ترى ما الذي استفادته من كتبه التى تسكن حجرة نومه،إنها تقبع جواره مثل حبيبة تهيم بصاحبها شغفا لا تفارقه،أما هي فلها يكتب تلك الكلمات،يظن نفسه الرافعي حين جاءه “وحي القلم” فكتب على ” أوراق الورد” تلك خيالات لا تأتي بالبيت ولا تطعم القلوب غير الجوع!
تأوه في مرارة من فقد روحه،ليتها كانت معي،أخذ يحدث نفسه،نعم هي محقة،مضى عمري سربا،تفلت من بين يدي حلم أن تكون معي،لكم جنيت عليها،وافقت أن ترتبط بي ميثاق قلب وعاطفة هوى،كنت بلا ظل،الآن وقد غابت،ما جدوى تلك الكتب،ولمن سأكتب؟
نزعة الحرمان تستبد بي،أشواقي الهائمة بلا ثقل تفعل بي الجنون،صار فراشي جمرة من نار،ثيابي وأوراقي حتى أفكاري كل هؤلاء أشعر تجاههم بكراهية،لقد تفلت الأمل!
الوحدة سهم قاتل،ثمة رغبة جامحة أن تكون جواره الآن،أن يداعبها،يسرق منها وجه القمر الذي تخفيه،أن تكون له أنثاه،أي جنون تملكه الآن؟
أمسك بهاتفه،اسنعاد الرقم المنطوي في السجل،كان قد خزنه باسم ” أطياف” بعد جهد توصل إليه؛ذاكرته قد أصابها غبش،حين تتوارى خلف رداء النسيان.
ماذا جنيت من تلك المومياوات القابعة في حجرة عافاها النسيان،لم أهنأ بوجهها،لم أجد الدفء الذي يقاوم تجمد شراييني،سأعاهدها أن ألقي بها في محرقة الماضي،بل من الآن سأشعل فيها نيران الكراهية،لا موضع لها في حياتي،سأضع مكانها عطور الصباح،أفتح نافذتي التى خيم عيها العنكبوت،ما يزال في رصيدي ما يكفي لأن أبدأ من جديد.
تخلص من عطر حياته،ومن وهج الحروف،صار الآن وحيدا إلا من نجوى يهمس بها في ولع،يتراقص قلبه من نشوة آن لها أن تكون له،سيفعل لها كل ما تريد،ليس من عتب على رجل يعاود الحياة من جديد.
الهاتف يتابع رناته في صخب،يكرر الطلب مرة ومرة،به خاصية النداء الآلي التي لا تكف عن الصياح،يخبره :الرقم الذي تحاول الاتصال به غير موجود بالخدمة،انكفأ على نفسه،السهام تتابعت عليه،أخذ يدور في حجرته،نظر إلى صورتها المعلقة،مزقها،أشعل النار في بقاياها،بحث عن كتبه؛وجد الباعة يعبثون بها!
حاول أن يعيدها إليه،التاجر ساومه،أرهقه الثمن،حاول معه جاهدا،الحياة تغالبه،لم يعد به صبر،الدموع تنساب من عينيه،أخذ يبحث عن المفقود،كان الجرح قد اتسع.

تعليق واحد

  1. القصة تعبر عن واقع المثقفين الأليم في ظل طغيان المادة والعبث والاستهزاء بما جنوه من فكر وثقافة، فيسرق عمرهم منهم ويستيقظون على كابوس مزعج فيه ضياع آمالهم وتخليص الصحب والأحبة ،ساعتها يحاول الاتصال بهذا العالم المادي كي يسايره ولكنه وقتئذ يجده مرفوعا مؤقتا من الخدمة أو غير متاح ،فيعود ذلك المخزون أدراج إلى عالمه فتجده سلب منه وهنا تزداد المأساة وتصل إلى المنتهى.

التعليقات غير مفعلة.