الدكتور محمد ضياء الدين الرَّيـّس في ذكراه الأربعين – بقلم: أبو الحسن الجمال

imagesيقول الإمام محمد عبده: “تموت العربية في كل مكان وتحيا في دار العلوم”، وسوف نلتقي في السطور التالية مع أحد رموز مدرسة دار العلوم التاريخية التي احتلت مكاناً كبيراً في حقل الدراسات التاريخية المعاصرة..هو المؤرخ الدكتور محمد ضياء الدين الريس، أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، ومن الذين أثروا المكتبة العربية بعشرات الكتب والأبحاث.. مازالت كتبه الرائدة مثوى للبحث العلمي في مصر والعالم الإسلامي …مازال الناس يقبلون عليها ويودون أن تطبع مرات ومرات..كان منهجه في تدريس التاريخ والحضارة الإسلامية يجمع بين حرارة الإيمان، والتوهج العقلي، والانتظام الفكري، والقدرة الفائقة على التصدي للمفتريات التاريخية التي يثيرها الأعداء، وهو من أبرز أساتذة التاريخ الإسلامي في مصر في عصره.

و”مدرسة دار العلوم التاريخية” مدرسة كبيرة ورائدة، قدمت الكثير والكثير في مجال الدراسات التاريخية والحضارية، وأنجزت نتاجًا علميًّا متميزًا وفريدًا، ومن أهم أعلام هذه المدرسة الكبيرة الأستاذ الدكتور محمد ضياء الدين الريس (ت1977م) الذي يعد بحق أحد العلماء العاملين المتميزين، وقد قم نتاجًا علميًّا لم يُسبق إليه، وكذلك الأستاذ الدكتور محمد حلمي محمد أحمد (ت1984م)، وهو من المؤرخين الكبار، وحاصل على الدكتوراه من انجلترا، وله العديد من الإنجازات العلمية الرائعة، منها: كتاب “مصر والشام والصليبيون”، والخلافة والدولة في العصر الأموي، وكذلك الخلافة والدولة في العصر العباسي، بالإضافة إلى ذلك فله جهد كبير ومشكور في تحقيق كتاب “اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا” حيث حقق منه الجزءين الثاني والثالث بعد أن حقق الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال الجزء الأول منه، ونشرته كاملاً لجنة إحياء التراث الإسلامي بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة.
ومن الأعمدة الأساسية للمدرسة التاريخية بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة الأستاذ الدكتور أحمد جاب الله شلبي (ت 2000 م)، (وقد تحدثنا عنه فى أحد فصول هذا الكتاب)، وهو عَلَم كبير غني عن التعريف، وحاصل على الدكتوراه من جامعة “كامبردج” بانجلترا، وهو أول مَن أدخل تدريس الحضارة الإسلامية إلى الجامعات المصرية، وقدم نتاجًا علميًّا واسعًا ومتميزًا وراقيًا في آن واحد، وكان من أبرز ما قدمه: موسوعة التاريخ الإسلامي في عشرة أجزاء، وكذلك موسوعة الحضارة والنظم الإسلامية في عشرة أجزاء، وموسوعة مقارنة الأديان في أربعة أجزاء، وسلسلة المكتبة الإسلامية لكل الأعمار، وكيف تكتب بحثًا أو رسالة، ورحلة حياة. ويجب أن نلاحظ أنه-رحمه الله- كان يحرص على أن يخاطب بهذا الإنتاج كل المثقفين وليس الأكاديميين فقط، فضلاً عن براعته في الكتابة بأسلوب سلس سهل يستوعبه بيسر كل مَن يطالع مؤلفاته. وكذلك الأستاذ الدكتور إبراهيم أحمد العدوي (ت2004م)، وهو قامة سامقة من قامات قسم التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بكلية دار العلوم– جامعة القاهرة، وحاصل على الدكتوراه أيضًا من انجلترا، وقد رحل عن دنيانا بعد أن ترك بصمات غائرة في جدار العلم تستعصي على النسيان، وقد أثرت مؤلفاته المكتبة التاريخية، وانتفع بها القاصي والداني، فبلغت أكثر من ثلاثين كتابًا، فضلاً عن الكتب المترجمة من الإنجليزية إلى العربية، ومن أبرز مؤلفاته: كتاب “نهر التاريخ الإسلامي: منابعه العليا وفروعه العظمى”، وتاريخ العالم الإسلامي- الجزء الأول: عصر البناء والانطلاق، والجزء الثاني: عصر التنمية والعطاء، و الدولة الأموية: مقوماتها ورسالتها، والدولة الإسلامية وامبراطورية الروم، والأمويون والبيزنطيون: البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية، والمسلمون والجرمان: الإسلام في غرب البحر المتوسط، والمجتمع العربي: مقوماته ورسالته العالمية، ومصر الإسلامية: مقوماتها العربية ورسالتها الحضارية، وقادة التحرير العربي في العصر الحديث.كما كتب عن عدد من الشخصيات الإسلامية البارزة والمؤثرة في تاريخ الأمة، مثل: ابن عبد الحكم: رائد المؤرخين العرب، وابن بطوطة في العالم الإسلامي، وموسى بن نصير مؤسس المغرب العربي، ورشيد رضا الإمام المجاهد. وكانت له أيضًا جهود في الترجمة، ومن أبرز ما ترجمه: كتاب الحضارة العربية تأليف: ي. هل، والإدارة العربية- بقلم مولوي س . ا. ق. حسيني، ولو ذهبنا نستقصى ما خطه قلمه-رحمه الله- لضاق بنا المقام.
ومدرسة دار العلوم التاريخية مدرسة ممتدة الجذور والفروع، متواصلة العطاء، لا ينضب معينها، ومن أعلامها أيضًا: الأستاذ الدكتور على حسن حبيبة رحمه الله، وكان من أبرز مؤلفاته: كتاب “مع المسلمين في الأندلس، وكذلك كتاب “الحملات الصليبية”. وهناك أعلام كبار مازالوا يواصلون هذا العطاء العلمي المتدفق، محافظين على راية مدرسة دار العلوم التاريخية شامخة تطاول عنان السماء، أمد الله في أعمارهم وبارك جهودهم، ومنهم: الأستاذ الدكتور حسن على حسن، والأستاذ الدكتور عبد الله محمد جمال الدين، والأستاذ الدكتور طاهر راغب حسين، والأستاذ الدكتور عبد الرحمن أحمد سالم، والأستاذ الدكتور يسري أحمد زيدان، وأخيرًا الأستاذ الدكتور عبد الفتاح فتحي عبد الفتاح رئيس قسم التاريخ الإسلامي حاليًّا، وكلٌّ منهم له بصمات علمية متميزة في حقلي الدراسات التاريخية والحضارية معًا.

ولد الدكتور ضياء الدين الريس في 17 من يناير 1912، وحفظ القرآن الكريم كاملاً، كعادة الطلاب في هذا العصر، ثم التحق بكلية دار العلوم بالقاهرة، ويدرس فيها علوم العربية والشريعة والحضارة والتاريخ الإسلامي والفلسفة بمنهج عميق وأصيل، ثم يحصل على دبلوم دار العلوم العليا 1935 وكان ترتيبه الأول، مما حدا باختياره ضمن بعثة دار العلوم لدراسة التاريخ بانجلترا 1938، ونجح في امتحان جامعة لندن الخاص 1939، كما نجح في امتحان شهادة الأدب المتوسط في التاريـخ والأدب الإنجليزي والترجمة والفلسفة الأدبية 1941، ونال شهادة البكالوريوس مع مرتبة الشرف من جامعة لندن في التاريخ والعلوم السياسية، وأذنت له الجامعة بالتقدم للدكتوراه مباشرة، وأتم رسالته 1945، وكان موضوعها “فكرة الدولة كما تصورها النظريات السياسية الإسلامية”، ثم يعود إلى مصر ويعين مدرساً للتاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم، ومازال يتدرج في المناصب والدرجات العلمية حتى حصل على الأستاذية، وعين رئيساً لقسم التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم.

أثرى الدكتور محمد ضياء الدين الريس المكتبة العربية بالعشرات من الكتب والأبحاث الفريدة في مجالها، ومن أبرز كتبه: “كتاب النظريات الإسلامية”، و”عبد الملك ابن مروان موحد الدولة العربية”، و”في التاريخ الإسلامي الحديث”، و”الخراج والنظم المالية للدولة الإسلامية”، و”الإسلام والخلافة في العصر الحديث”، و”الدستور والاستقلال والثورة الوطنية 1935″، و”ثلاث شعراء مصريون”، وغيرها…

التعليقات مغلقة.