صور من الحياة: الزوج الضالّ! – بقلم الأستاذ كامل محمود حبيب

أتذكر – يا صاحبي – يوم أن نلت شهادة الدراسة الثانوية وأنت – إذ ذاك – فتى ريفي في العشرين من عمرك، سمهري القوام قوي التكوين صلب العود مشرق الوجه بهي الطلعة، تبسم للمستقبل في ثقة وتتنسم ريح الحياة في استبشار؛ يوم أن جئت تزف البشرى لأبيك الشيخ فتلقاك في سرور وربت على كتفك في فرحة، ثم رحت تدل على رفاقك بالفوز وهو عظيم وتزهو بالتفوق وهو مبين. وسألك أبوك عن هدفك الذي تصبو إليه فقلت له (أريد أن أدرس الطب) فأطرق في صمت وقد علت وجهه فترة، وإن الأفكار لتصطرع في ذهنه، وإن الخواطر لتضطرم في رأسه، فما له طاقة بما تتطلبه دراسة الطب من جهد ومال، وهو يحس لذع العوز والضيق، وأراد أن يصرفك عن بغيتك في لين فأصررت، وانطلق ينشر على عينيك بعض ما يعاني من فاقة ومتربة، فما وعى عقلك الغض مما قاله شيئا لأنك شاب لم تصقلك تجارب الحياة، ولا عركتك دوافع العيش، فأصررت. وراح هو يدير الرأي في رأسه عله يجد منفذا أو يهتدي إلى حيلة.

ومضت أيام والشيخ يضطرب في لجة من الهم، فهو لا يستطيع أن يلقي السلم إلى نزعاتك، فيدفع بنفسه إلى هوة من الدين والإملاق، وما هو بمستطيع أن يحول بينك وبين أمنيتك، فتستشعر الضعة والصغار بين أترابك.

وعلى حين فجأة انبسطت أسايره وانزاحت عنه غمه الأسى، فجلس يحدثك (أحقا يا بني أنك تطمع في أن تدرس الطب؟) قلت (نعم، يا أبي، ولا أبتغي به بديلا) قال (إذن تتزوج من ابنة خالك وهي فتاة يتيمة، تجمعكما وشائج القربى وصلات النسب وهي ذات مال يشد عضدك ويمهد لك السبيل إلى غايتك). وأزعجتك الفكرة، بادي الرأي. فما كان لك أن تفرغ للزوجة والولد وهما مشغلة، وأنت تهيئ نفسك لجهاد عنيف بعيد المدى مجهول العاقبة. ولكنك ما تلبثت أن أسلست لأنه ترءى لك أن الرفض حماقة تجذ حبل المستقبل، وهو طيش يطفئ شعلة الأمل الوضاء. أسلست أن تكون زوجا ورب أسرة وأنت ما تبرح طالبا في العشرين من عمرك.

وقال لك أبوك وقد تهيأتما معا – أنت وزوجك – للسفر (يا بني، هذه زوجتك تذر دارها لترعى شأنك وإن الدار لتشرق بالنعمة والخفض، وتنأى عن أهلها لتأنس إلى حماك وإن قلوب ذوي قرابتها لتفهق بالحنان والعطف، وتفزع إلى رجولتك وإن حواليها ألف رجل ورجل يفتدونها بالروح والمال، وتنزل لك عن عالها وهو غمر لتهدأ جائشتك وتسمو إلى طلبتك؛ فكن إلى جانبها رجلا. والرجل إن ضاق بالمرأة زوجة لم يضق بها رفيقة، وإن ضجر بها صاحبة لم يفزع عنها ربة دار وأما. وإن الشهامة في الرجل لتجعله – دائما – يحس في المرأة العجز والضعف، وتدفعه – أبدا – إلى أن يجد اللذة والسعادة في أن يحمي ضعفها ويناضل عن عجزها. وهذه الفتاة – زوجك – منك بالمكان الذي تعرف فكن لها عائلا وأخا وصاحبا؛ واستشعر – دائما – إلى جانبها الرجولة والشهامة والإنسانية)

ودوت كلمات أبيك الشيخ في مسمعيك فانتفض لها قلبك لأنك لمحت فيها نور السماء يتألق على لسان ملك.

وجاءت الزوجة الريفية لتعيش هنا في – في القاهرة – سجينة في دارك لا تجد السبيل إلى متعة المدينة ولا إلى نور المدينة وأنت طالب لا تملك فراغا من الوقت ولا فضلة من المال. وراضت الزوجة نفسها على الصبر فهي تقضي صدر النهار في غمرة من حاجات الدار: تعد لك الطعام وتهيء اللباس وتوطئ الفراش، ثم هي تدعك – صدر الليل – تفرغ إلى درسك تنتظر أوبة قلبك وفراغ عقلك. وأني لها ما تريد وأنت تسعى إلى غاية وتهدف إلى غرض، والطريق وعر والمرتقى صعب.

وشملتها موجة عارمة من الفرح يوم أن تخرجت في كلية الطب فأقبلت إليك وإن إهابها ليكاد ينقد من شدة الطرب. . . أقبلت تهنئك بالفوز المبين. ودوت كلمات أبيك الشيخ في مسمعيك فانتفض قلبك وتيقظت مشاعرك فأقبلت أنت أيضاً تهنئها بنجاحك وبين يديك أولادك الصغار.

وانطوت السنون تدفعك إلى ذروة المجد وترفعك إلى قمة الثراء فما حدثتك نفسك مرة واحدة أن تطب لمرض زوجك، وهوعته ديني، وأنت من بذرت غراسه في نفسها حين أرهقتها الوحدة وأمضتها الخلوة؛ وأنت في شغل لا تعبأ بما يعتريها من ضيق وملل ولا تلقى بالا إلى ما يجتاحها من ثورات نفسية، فانطلقت – وأنت طبيب – تقضي سحابة النهار في المستشفى، وتطوي هزيعا من الليل في العيادة يخلبك بهرج المال ويجذبك لألاء الغنى. والطبيب ساحر يعصر دماء المرضى فتتدفق في جيبه سيلا من الذهب.

ثم حالت حالك؛ فأنت لا تدخل الدار إلا ثائرا تضطرم، ولا تحدث أهلك إلا غاضبا تحتدم، تفزع عن زوجك في غير رحمة وتهر في أبنائك في غير شفقة. وتفتحت عيناك على أشياء كنت – من قبل – في عمى عنها؛ فأنت لا ترى في الدار إلا القاذورات تتناثر هنا وهنالك فتبعث فيك الاشمئزاز، وإلا رائحة النتن تفوح من نواحيها فتتقزز لها نفسك وإلا التشعث يملأ أرجاءها فينفذ فيك الثورة والاضطراب، ثم لا تسد أنت الثغرة في رفق ولا ترأب الصدع في دين.

ليت شعري، ماذا دهاك فطم على رجولتك فما عدت تسمع كلمات أبيك الشيخ تدوي في مسمعيك وإن فيها نور السماء يتألق على لسان ملك!

لقد عشت زمانا ترى في عيادتك القد الأهيف والكشح الهضيم والثوب الهفهاف، وتحس الابتسامة الرقراقة والخد الأسيل والشعر السبط، وتتنشق شذى العطر الجذاب؛ على حين لا ترى في دارك سوى زوجة بلهاء في ثوبها الأبيض الفضفاض تنتحي ناحية من حجرة وتنطوي على أورادها تتلوها في حركة رتيبة يملها القلب وتضيق بها النفس.

وراح عقلك الكبير يقارن بين الفتاة التي ترى في الشارع وفي العيادة وبين زوجك الريفية الجاهلة، فسيطر عليك الأسى واستولى النفور على قلبك، ونسيت يوم أن كنت فتى في العشرين من عمرك. . .، فما استطعت أن تكتم نوازع نفسك فجلست إلى صديق لك تبثه لواعج الفؤاد ولوعة النفس فقال لك (لا بأس عليك! إن في الأرض مراغما كثيرا وسعة) فقلت له (وماذا تعني؟) قال (أتزوج من ابنة فلان باشا، وهي فتاة في روعة الجمال وأبهة العظمة وسمو الجاه ومنتهى الثراء، تتوثب شبابا وظرفا وتتألق أناقة ورقة، فيها ثقافة الشرق وتربية الغرب، تتحدث في طلاقة وتأسر في لباقة) قلت في دهشة (وابنة خالي، ابنة خالي؟) قال الرجل (ابنة خالك؟ تذرها في بيتها بين بنيها وأورادها. . . إنها لم تجد فقدك فهي في شغل عنك وإن لك من ثرائك ما يكفل لها عيشة راضية وحياة طيبة) قلت (ولكنها هي. . . هي ربة نعمتي!) قال (هذا حديث لفته السنون في ملاءة النسيان!) قلت (وأنا؟. . . لقد قاربت الأربعين) قال (هذا وهم باطل فأنت ما تزال في ربيع العمر تفور نضارة وشبابا).

لشد ما أفزعتك الخاطرة – بادئ ذي بدء – فقضيت ليلتك تتقلب في فراشك تدير الرأي علك تهتدي. والشيطان إلى جانبك يزين لك الأمر ويغترك عن زوجك وأولادك الأربعة. وقالت لك نفسك (هناك في كنف ابنة الباشا تجد السعادة والرفاهية والثراء والجاه جميعا).

وانطوت الأيام والشيطان يوسوس لك وصاحبك من وراءه يزخرف القول وينمق الحديث. وعلى حين غفلة ارتفعت صيحات الشيطان في قلبك فطمت على رجولتك فما عدت تسمع كلمات أبيك الشيخ تدوي في مسمعيك وإن فيها نور السماء يتألق على لسان الملك.

وفي ذات ليلة، انطلقت برفقة صاحبك إلى دار الباشا لتصبح زوج أثنتين، ولتطعن قلب المرأة التي ضحت في سبيلك بمالها وشبابها لتكون أنت طبيبا عظيما تستطيع أن تتزوج من ابنة الباشا، لتطعن قلبها طعنة قاسية تعصف بهدوئها وتهدم سعادتها.

آه يا صاحبي، لو رأيت عبرات بنيك وهي تنهمر مدرارا ليلة عرسك. لقد كانت تساقط على قلبي – قلبي أنا الإنسان – قطرات من نار تتلهب لظى وشواظا. أما أنت فقد فقدت – حينذاك – رجولتك وإنسانيتك في وقت معا

يا صاحبي، إن الزوجة تلقي بنفسها في رعاية الرجل لتتشبث منه بخيوط ثلاثة: الرجولة والشهامة والإنسانية.

التعليقات مغلقة.