اللهجات العامّية الحديثة: ضيقُ مَتنِها وقلةُ مترادفاتها – د. علي عبد الواحد وافي

من أهم ما تمتاز به العربية أنها أوسع أخواتها السامية ثروة في أصول الكلمات والمفردات. فهي تشتمل على جميع الأصول التي تشتمل عليها أخواتها السامية أو على معظمها، وتزيد عنها بأصول كثيرة احتفظت بها من اللسان السامي الأول، ولا يوجد لها نظير في أية أخت من أخواتها. هذا إلى أنه قد تجمع فيها من المفردات في مختلف أنواع الكلمة اسمها وفعلها وحرفها، ومن المترادفات في الأسماء والصفات والأفعال. . . ما لم يتجمع مثله للغة سامية أخرى، بل ما يندر وجود مثله في لغة من لغات العام. فقد جمع للأسد خمسمائة اسم، وللثعبان مائتا اسم؛ وكتب الفيروزابادي صاحب القاموس المحيط كتاب في أسماء العسل؛ فذكر له أكثر من ثمانين اسماً، وقرر مع ذلك أنه لم يستوعبها جميعاً. ويرى الفيروزابادي أنه يوجد للسيف في العربية ألف اسم على الأقل؛ ويقرر آخرون أنه يوجد أكثر من أربعمائة اسم للداهية؛ ويوجد لكل من المطر والريح والنور والظلام والناقة والحجر والماء والبئر أسماء كثيرة تبلغ عشرين في بعضها وتصل إلى ثلثمائة في بعضها الآخر. وقد جمع الأستاذ دو هامر المفردات العربية المتصلة بالجمل وشئونه، فوصلت إلى أكثر من خمسة آلاف وستمائة وأربعة وأربعين. وكذلك الشأن في الأوصاف: فلكل من الطويل والقصير والكريم والبخيل والشجاع والجبان. . . في اللغة العربية عشرات من الألفاظ

وفي ذلك تختلف العربية الفصحى اختلافاً كبيراً عن اللهجات العامية الحديثة المتشعبة عنها. فمتون هذه اللهجات ضيقة كل الضيق لا تكاد تشتمل على أكثر من الكلمات الضرورية للحديث العادي، وتكاد تكون مجردة من المترادفات، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في إحدى مقالاتنا السابقة وقد كان هذا أحد الأسباب التي حملت بعض الباحثين على أن يقف حيال مفردات اللغة العربية موقف الشك الذي وقفه آخرون حيال قواعدها. فزعم أنه لا يبعد أن يكون جامعو المعاجم قد خلقوا كثيراً من هذه المفردات خلقاً لحاجات في نفوسهم

وفساد هذا الرأي لا يكاد يحتاج إلى بيان

فلهجات المحادثة في جميع الأمم تقتصر في العادة على الضروري وتنفر من الكمالي، وتنأى عن مظاهر الترف في المترادفات وما إلى ذلك. ولذلك تتسع دائماً هوة الخلاف بينها وبين اللغة الفصحى في هذه الناحية فليست العربية فذة في هذا الباب، بل تشترك معها فيه جميع (لغات الآداب) أو (اللغات الفصحى) وإليك مثلاً اللغة الفرنسية الفصحى، أو لغة الكتابة، واللغة الفرنسية المستحدثة في التخاطب العادي، فالفرق بينهما في المفردات لا يكاد يقل عن الفرق بين العربية الفصحى واللهجات العامية الحديثة المتفرعة منها

أما جامعو المعاجم فيدلنا التاريخ وتدلنا آثارهم على شدة حرصهم على تحري الحق. فقد استخلصوا معظم ما اشتملت عليه معاجمهم من كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أحاديث الرسول عليه السلام، والآثار العربية في العصر الجاهلي والعصور الإسلامية الأولى، واستخلصوا بعضه من العرب المعاصرين لهم. وكانوا شديدي الحيطة في هذه الناحية إلى حد الإفراط. فكانوا يتحاشون الأخذ عمن تشوب عربيته أية شائبة. ولذلك كانوا لا يكادون يأخذون إلا عن عرب البادية لفصاحة ألسنتهم، وبعد لهجاتهم عن التأثر باللغات الأعجمية، وعزلتهم وقلة احتكاكهم بغيرهم. فكانوا يترقبون مجيء أعراب البادية إلى المدن في التجارة أو غيرها. . . فيستمعون إلى حديثهم ويناقشونهم في مختلف شئون اللغة، ويدونون من فورهم كل ما يهديهم إليه هذا الحديث وترشدهم إليه هذه المناقشة بصدد مفردات اللغة ودلالتها ووجوه استخدامها. وكانوا يتبعون أحياناً ما يسميه علماء اللغة بطريقة (الملاحظة السلبية) فيرحلون إلى البادية ويقضون فيها بين ظهراني الأعراب الأشهر بل السنين، يعاشرونهم ويستمعون إليهم في أحاديثهم الطبيعية، ويدونون ما يقفون عليه في هذا السبيل، وفي ذلك يقول أبو نصر الفارابي في كتابه: (الألفاظ والحروف): والذين عنهم نقلت اللغة العربية من بين قبائل العرب هم قيس وتميم وأسد، ثم هذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين، ولم يؤخذ عن غيرهم من سائر قبائلهم. وبالجملة فإنه لم يؤخذ عن حضري قط، ولا من لخم وجذام لمجاورتهم أهل مصر والقبط، ولا من قضاعة وغسان وإياد لمجاورتهم أهل الشام وأكثرهم نصارى يقرءون العبرية، ولا من تغلب لمجاورتهم للروم، ولا من بكر لمجاورتهم للقبط والفرس، ولا من عبد القيس وأزدعمان لأنهم كانوا بالبحرين مخالطين لأهل فارس والهند، ولا من أهل اليمن لمخالطتهم لأهل الحبشة والهند، ولا من بني حنيفة وسكان اليمامة وثقيف وأهل الطائف لمخالطتهم تجار اليمن من المعنيين وغيرهم وقربهم من الجاليات اليمنية، ولا من حواضر الحجاز لأن ألسنة أهلها كانت قد فسدت حينئذ لامتزاجهم بأمم كثيرة، ويقول ابن خلدون (وكانت لغة قريش أفصح اللغات وأحرصها لبعدها عن بلاد العجم من جميع جهاتها، ثم من اكتنفهم من ثقيف وهذيل وخزامة وبني كناية وغطفان وبني أسد وبني تميم. فأما من بعد عنهم من ربيعة ولخم وجذام وغسان وإياد وقضاعة وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس والروم والحبشة فلم تكن لغتهم تامة الملكة لمخالطة الأعاجم. وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغاتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية)

وما اتخذوه من وسائل الحيطة حيال القبائل والأمكنة اتخذوه حيال الأزمنة والعصور. فلم يأخذوا إلا عن العصور التي كان فيها اللسان العربي سليماً لم يصبه بعد تبلبل أعجمي ولا انحراف عن أوضاع اللغة الفصحى. ولذلك لم يأخذوا إلا عن عرب الجاهلية والإسلام إلى أواسط القرن الثاني الهجري بالنسبة إلى فصحاء الإحضار، وإلى أوائل الرابع بالنسبة إلى فصحاء البادية؛ وسموا هذه العصور (عصور الاحتجاج). وأهملوا ما عداها مبالغة في الدقة وحرصاً على تحري وجوه الصدق واليقين.

أما الأسباب الحقيقية لكثرة المفردات والمترادفات إلى الحد الذي وصفناه فيرجع أهمها إلى الأمور الآتية:

1 – أن طول احتكاك لغة قريش باللهجات العربية الأخرى قد نقل إليها طائفة كبيرة من مفردات هذه اللهجات. ولم تقف لغة قريش في اقتباسها هذا عند الأمور التي كانت تعوزها، بل انتقل إليها كذلك من هذه اللهجات كثير من المفردات والصيغ التي لم تكن في حاجة إليها لوجود نظائرها في متنها الأصلي؛ فغزرت من جراء ذلك مفرداتها وكثرت فيها المترادفات في الأسماء والأوصاف والصيغ، وأصبحت الحالة التي انتهت إليها أشبه شيء ببحيرة امتزج بمياهها الأصلية مياه أخرى انحدرت إليها من جداول كثيرة. وإلى هذا يشير ابن جني في كتابه الخصائص إذ يقول: (وكما كثرت الألفاظ على المعنى الواحد كان ذلك أولى بأن يكون لغات لجماعات اجتمعت لإنسان واحد من هنا وهناك)، ويشير إليه كذلك ابن فارس في كتابه الصاحبي إذ يقول: (فكانت وفود العرب من حجاجها وغيرهم يفدون إلى مكة للحج ويتحاكمون إلى قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها؛ فإذا أتتهم الوفود من العرب يتخيرون من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم، فاجتمع ما تخيروا من تلك اللغات إلى سلائفهم التي طبعوا عليها).

2 – إن جامعي المعاجم لم يأخذوا عن قريش وحدها، بل أخذوا كذلك عن قبائل أخرى كثيرة؛ ومن المقرر أن لهجات المحادثة كانت تختلف في بعض مظاهر المفردات باختلاف القبائل حتى بعد تغلب لغة قريش على سائر ألسنة العرب. وكان من جراء ذلك أن اشتملت المعاجم على مفردات لم تكن مستخدمة في لغة قريش ويوجد لمعظمها مترادفات في متن هذه اللغة الأصلي وفيما انتقل إليها من غيرها، فزاد هذا من نطاق المفردات والمترادفات في المعاجم سعة على سعة

3 – إن جامعي المعاجم، لشدة حرصهم على تقييد كل شيء دونوا كلمات كثيرة كانت مهجورة في الاستعمال ومستبدلاً بها مفردات أخرى. فكثرت من جراء ذلك في المعاجم مفردات اللغة ومترادفاتها

4 – إن كثيراً من الكلمات التي تذكرها المعاجم على أنها مرادفة في معانيها لكلمات أخرى غير موضوعة في الأصل لهذه المعاني، بل مستخدمة فيها استخداماً مجازياً

5 – إن الأسماء الكثيرة التي يذكرونها للشيء الواحد ليست جميعها في الواقع أسماء، بل معظمها صفات مستخدمة استخدام الأسماء. فكثير من الأسماء المترادفة كانت في الأصل نعوتاً لأحوال المسمى الواحد، ثم تنوسيت هذه الأحوال بالتدريج وتجردت مدلولات هذه النعوت مما كان بينها من فوارق وغلبت عليها الاسمية. فالخطار والحطام والباسل والأصيد. . . من أسماء الأسد يدل كل منها في الأصل على وصف خاص مغاير لما يدل عليه الآخر، وكذلك ما يعد من أسماء السيف: كالمصمم والهندي والحسام والعضب والقاطع. . . وهلم جرا

6 – إن كثيراً من الألفاظ التي تبدو مترادفة هي في الواقع غير مترادفة، بل يدل كل منها على حالة خاصة تختلف بعض الاختلاف عن الحالة التي يدل عليها غيره؛ وإليك مثلاً: رمق ولحظ ولمح وحدج وشفن ورنا. . . وما إلى ذلك من الألفاظ التي تدل على النظر؛ فإن كل منها يعبر عن حالة خاصة للنظر تختلف عن الحالات التي تدل عليها الألفاظ الأخرى. فرمق يدل على النظر بمجامع العين؛ ولحظ عن النظر من جانب الأذن؛ وحدجه معناه رماه ببصره مع حدة؛ وشفن يدل على نظر المتعجب أو الكاره؛ ورنا يفيد إدامة النظر في سكون. . . وهلم جرا

هذا، ومع ما كان يتخذه جامعوا المعاجم من وسائل الحيطة والحرص على تحري الصواب، فقد اندس في معاجمهم كثير من المفردات المولدة والمشكوك في عربيتها، وحرفت فيها كلمات كثيرة عن أوضاعها الصحيحة. ويرجع ذلك إلى أسباب كثيرة أهمها سببان:

(أحدهما) أن بعض الأشعار التي أخذوا عنها قد ثبت فيما بعد أنها موضوعة. فلا يبعد أن يكون بعض مفرداتها من اختراع الواضعين

(وثانيهما) أنهم كانوا أحياناً يأخذون عن الكتب والصحف. فحدث من جراء ذلك تحريف في كثير من الكلمات التي نقلوها. لأن الرسم في عصورهم كان مجرداً من الإعجام والشكل. فكان من الممكن أحياناً قراءة الكلمة الواحدة على عدة وجوه.

التعليقات مغلقة.