اللغة العربية فى التعليم قبل الجامعى: رؤية للمناقشة – أ.د. محمد العبد

بحث مُقدَّم للمؤتمر السنوي لمجمع اللغة العربية بالقاهرة 1438هـ /2017م في دورته الثالثة والثمانين.

          ” اللغة العربية فى التعليم ومسئولية الأمة” عنوان يوجه إلى الفهم بأن اللغة العربية فى التعليم سلسلة متصلة الحلقات يؤدى بعضها إلى بعض ويكمل بعضها بعضًا. وهذا ما ينبغى لمراحل التعليم من بداية المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة الجامعية أن تبنى عليه (لا سيما فى الكليات المعنية بتعليم العربية بشكل أو بآخر). وهو عنوان يوجه أيضًا إلى الفهم بأن تعليم العربية ليس محدودًا بحدود العملية التعليمية نفسها فحسب، بل هو بالأحرى منظومة اجتماعية كبرى تقع المسئولية عنها على عاتق الأمة: ترعاها وتوجه أهدافها ـــــ بما فيها من ثوابت ومتغيرات ــــ وفقـًا لاستراتيجيات تسهم فى رسمها أطراف عدة، من أهمها خبراء التربية والأكاديميون الاختصاصيون (المسئولية العلمية) والأطراف المعنية فى الدولة (المسئولية التنفيذية) والرأى العام (المسئولية الاجتماعية غير الرسمية). ويوجه ذلك العنوان أخيرًا إلى لفت الانتباه والمتابعة لحال العربية الراهنة واستجماع القوى المعنوية والمادية للارتقاء بمستوى المتعلم ولجعل العربية لغة مواكبة للعصر.

إن ما تقدمه هذه الورقة ليس بحثًا فى جذور مشكلة العربية فى التعليم بمراحله المختلفة، وليس بحثًا فى العلاقات والتفاعلات والتأثيرات بين لغة المتعلم وعناصر المنظومة التعليمية المتعددة. هذه الورقة هى بالأحرى مجموعة من الأفكار التى تكوِّن فى مجموعها رؤية مستقبلية، ولكنها ليست رؤية شاملة لمحتوى ما يُقَـدَّم فيما يسمى بـ ” كتاب الوزارة” فى خروج مادة اللغة العربية بخاصة وما يُقَـدَّم للطالب من مواد أخرى بالعربية بصفة عامة. وهى ــــ فى حقيقة الأمر ليست أفكارًا من وحى اللحظة، ولكنها أفكار تطرحها خبرة عقود أربعة أو يزيد فى حقل العمل التعليمى للعربية. هى أفكار للمناقشة، نفترض فيها حسن النية بأن الجهة الأولى المسئولة عن العربية فى مرحلة التعليم قبل الجامعى، وهى وزارة التربية والتعليم، لا تصمّ آذانها عن الاستجابة لمطالب المعنيين بالأمر فى التغيير والتطوير واستدراك السلبيات. وهى أفكار نفترض معها أيضًا حسن النية فى دفاع تلك الوزارة عن الثوابت والمسلَّمات، مثل العلاقة الوثيقة بين الموضوعات والمادة العلمية المقدَّمة للطالب وبين القيم الإنسانية العامة، وقيم الانتماء الوطنى، والوحدة الوطنية، والوعى بالحضارة العربية والتاريخ العربى.

          فى ضوء ما سبق، يمكننا إيجاز تلك الأفكار على النحو التالى:

  • أن التعليم منظومة كبرى متكاملة، تتأثر بعض عناصرها ببعض إيجابًا وسلبًا. وهنا يصبح من المؤكد أنه لا يصلح مثلًا تطوير مقررات اللغة العربية بعيدًا عن تطوير القائمين بأمر العملية التعليمية ذاتها. وكذلك لا يمكن تطويرها فى ظلّ ما يُسمى بـ ” الكتب الخارجية”، وهى بدعة تصادر على حق الطالب فى التواصل النقدى الذاتى مع النص المقرر: فهمًا وتذوقًا وتمييزًا بين الإمكانيات الأسلوبية ومحاكاة لما فيها من جماليات فى تجارب إبداعية يرعاها مدرس المادة على قدر الاستطاعة ـ تلك الكتب الخارجية لا تذر للطالب صغيرة ولا كبيرة عن النص المقرر إلا استخرجتها بدءًا من التعريف بصاحب النص ومناسبة النص ومعانى الألفاظ والأساليب حتى شرح النص وتحليل بلاغاته. وهى بذلك تصادر على حق الطالب فى الاجتهاد فى التعامل المباشر مع النص لأنها تنوب عنه وتلعب الدور الذى ينبغى للطالب ــــــ بإشراف معلّمه ــــــ أن يلعبه.

كذلك لا يجدى الاستغراق فى حوار التطوير فى ظل مجتمع يفتقر إلى القدوة فى المحيط الخاص ( المحيط المدرسى) والمحيط العام ( محيط المجتمع الأكبر). يبث الإعلام من يوم لآخر أخبارًا مؤسفة لمعلمين يتحرشون بطلابهم. ويرى طلاب الصف الثالث الإعدادى على غلاف كتاب اللغة العربية شعار ” لغتى حياتى”، وهو شعار يبقى حبرًا على ورق الغلاف حتى يراه الطالب واقعًا حيًّا فى داخل الكتاب وفى الحياة العامة. وعلى أسوار مدارسنا يقرأ الطلاب عبارة ” مدرستنا نظيفة وجميلة ومتطورة”، وواقع الحال يشهد على أنها عبارة فارغة المعنى ومشكوك فى مصداقيتها.

  • يجتهد واضعو كتب المرحلة الابتدائية مثلًا فى تأليف موضوعات للقراءة وفقًا لمعايير تربوية ولغوية تناسب المرحلة العمرية والمعرفية للتلاميذ، ولكن الأمر يقتضى توفر مدونة أو ذخيرة لغوية تُجمع على أسس علمية، ويقوم عليها خبراء فى علوم التربية وعلوم اللغة وعلم الحاسوب من أجل الوصول إلى مستويات من التخطيط اللغوى التى تناسب النمو اللغوى لدى التلاميذ من مستوى إلى آخر.
  • نحن نُعنى فى مراحل التعليم المختلفة بالكفاية اللغوية على حساب الكفاية الاتصالية. الطلاب يقرأون ويحفظون ويُلقفون ويتدربون على كيفية اجتياز الامتحانات والحصول على أعلى الدرجات، والطلاب يقفون على قدم وساق يواجهون ماكينة الأسئلة المتوقعة لتحقيق النجاح والخلاص من مرحلة إلى مرحلة أخرى… وهكذا. الكتابة هى أساس التقويم، وما يكتبه الطالب لا دور له فيه، فإذا نظرنا إلى الوجه الآخر للكفاية، وهى الكفاية الاتصالية، ظهرت نقاط ضعف عدة فى قدرة الطالب على أن يقيم حوارًا مرتجلًا مع زملائه حتى فى أقرب الموضوعات وأحبها إلى نفسه. الطالب هنا عهده الدائم باللغة المكتوبة ولا عهد له باللغة المنطوقة. اللغة الحقيقية هى الكلام، والكلام هو الذي يتيح حقًّا فرصة لتحسين الأداء، وأن يربط الطالب بيــــــن مقتضـــيات أداء

المنطوقات ومعانيها، سواء أكان ذلك فى نصوص شعرية أم فى نصوص نثرية، ويتقن الطالب ـــــ دونما تفاصيل نظرية ـــ مخارج الأصوات، ويعرف مواضع الوقف، ويعقد صلة ـــ عن طريق الممارسة المتكررة ــــ بين نوع الجملة: خبرية أو إنشائية وبين هبوط النغمة أو صعودها، ويعقد صلة من خلال الممارسة المتكررة أيضًا ــــ بين المعنى وعلامات الإعراب ونحو ذلك.

تظل الكفاية اللغوية مهمة، ولكنها تظل وسيلة لغاية، والغاية هى دائمًا الكفاية الاتصالية. ومن هنا نرى أن تُجعل درجات مناسبة للكفاية الاتصالية التي تُعد الاختبار الحقيقى للمنتج البشرى النهائى. طريقة التدريس ونظام التقويم يخنقان قدرات الطلاب وتطلعهم واجتهادهم فى امتلاك العربية الحية والحوار بها فى مواقف اتصالية واقعية ومتنوعة. لا بد من إعادة النظر فى نظام التقويم العتيق والمحفوف بالمخاوف والمحاذير حتى تنطلق ألسنة الطلاب وتتفجّر طاقاتهم، فيكون خروجهم من حالة الاختناق اللغوى التى أدى إليها تغليب الكتابة على الكلام.

  • يقتضى نظام توزيع الأدوار أن يكون للطالب ــــ فى مراحل التعليم المختلفة دونما استثناء ـــ دور فى فهم النص وتذوقه. يحصل طلاب المرحلة الثانوية على معجم ” الوجيز” ولكنهم لا يكادون يجعلون له دورًا فى فهم النصوص المقررة أو التدرّب على استخراج المعانى ومعرفة جذور الكلمات، وذلك أن كتاب الوزارة يقوم بهذا الدور، والكتاب الخارجى يقوم بما لم يقم به كتاب الوزارة . وينبغى أن نترك للطالب دورًا فى معرفة معانى المفردات خارج النص ومعانيها فى سياق الاستعمال النصى. لا يقوم الطالب هنا بالطبع بدور الناقد المحترف، ولكن يجب أن نترك له مساحة من الاعتماد على الذات فى التعامل مع والنص وتنمية خبراته ومهاراته فى ذلك التعامل مفيدين فى ذلك من بعض أسس نظرية التلقى ومفاهيمها الأولية.
  • يمكن فى مرحلة التعليم الثانوية استخدام آلية تعزيز التواصل بين الطالب والنص والفنون الجميلة الأخرى من أجل تحويل النص ــــ لا سيما النص الشعرى ــــ إلى صورة يطوِّر الطالب ـــــ من خلال ذلك ـــ أكثر من مهارة.      ( أشير هنا إلى كتاب رائد فى هذا المجال؛ وهو كتاب ” قصيدة وصورة ” المرحوم الدكتور/ عبد الغفار مكاوى. وكان صدر منذ سنوات عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت). هناك دائمًا وسائل غير تقليدية لجعل النصوص الأدبية مجالًا للمتعة، بدلًا من اقتصار الهمة على ما هو للحفظ وما هو للدراسة. معلوم ما للحفظ من دور فى تقوية الملكة اللغوية، ولكن المهم هو الحفظ عن فهم واستمتاع وقدرة على الأداء.
  • ينبغى للمعيار الفنى أن يكون المعيار الأهم فى اختيار النصوص وتقديمها للطلاب . يُراعى ذلك فى بعض الحالات، وفى حالات أخرى يقع ما يمكن تسميته ” تسييس” النصوص؛ بمعنى تأثير العوامل والاعتبارات والمتغيرات السياسية فى كل مرحلة من مراحل الحكم فى اختيار نصوص بعينها وغيرها  خير منها من الناحية الفنية. اختيرت قصيدة ” النسور” لمحمد إبراهيم أبى سنة نموذجًا لمدرسة الشعر الجديد التى يدرسها طلاب الفرقة الثالثة الثانوية فى عهد كان فيه الحاكم نسر النسور . وفى عهد آخر لاحق قدّم كتاب اللغة العربية للصف الثالث الإعدادى نصوصًا لبعض أدباء غزة المعاصرين، على رغم أنه بالإمكان أن نجد عشرات النصوص فى بابها خيرًا منها فنيًّا وأدنى إلى ذوق الطالب المصرى.
  • ينبغى للغة العربية فى المقررات الدراسية أن تكون وحدة واحدة، بمعنى أنه لا يعقل أن يدرس الطالب قواعد العربية فى مادة اللغة العربية، فإذا جاء إلى كتاب التاريخ أو علم النفس أو المجال الزراعى والصناعى وجد هذه الكتب تضرب بتلك القواعد عرض الحائط. عمل ” إن” وأخواتها و”كان” وأخواتها فى كتاب اللغة العربية شىء وعملهما فى تلك الكتب شىء آخر! هذا فضلًا عن الأساليب الركيكة ومحاكاتها لنظام العامية فى حالات غير قليلة. وهى ــــ عند وزارة تحترم عقول الطلاب ـــــ تُوجب عليها أن تعهد بمثل تلك الكتب إلى لجان متخصصة من الخبراء اللغويين الذين يزيلون منها تلك الأخطاء والرطانات.

 

التعليقات مغلقة.