قراءة في كتاب (المجاز: رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة، تأليف: د.محروس بريك) – عرض وقراءة: د.مصطفى يوسف

تهدف هذه السلسلة إلى إلقاء الضوء على أحد المؤلفات في العربية، وبيان ما أضافه للعقل العربي من معارف وأفكار، بشكل مركَّز جدًّا فيما لا يتجاوز ألف كلمة؛ وذلك تحقيقًا للتواصل المعرفي، وربط العرب بنتاج علمائهم، والعودة إلى الكتاب اقتناءً ودرسًا وفهمًا بعد طول قطيعة وهجران.

بيانات الكتاب:

ش

اسم الكتاب: المجاز: رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة

المؤلف: دكتور محروس بُريِّك.

الناشر: دار النابغة للنشر والتوزيع –القاهرة.

الطبعة والسنة: الأولى -2014م

عدد الصفحات: 286 صفحة.

المؤلف في سطور:

محروس بريكالدكتور محروس السيد بُريِّك: لغوي، أديب، شاعر. وُلد بمحافظة الفيوم بمصر عام 1977م، تخرج في كلية دار العلوم جامعة القاهرة عام 1998م. عُين معيدًا بالكلية ذاتها عام 1999م.  حصل منها على درجة الماجستير بتقدير ممتاز عام 2002م، ثم على درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى عام 2008م، وأوصت لجنة المناقشة بطبع رسالته على نفقة الجامعة وتبادلها بين الجامعات المصرية. تدرَّج في وظائف هيئة التدريس بجامعة القاهرة حتى أصبح أستاذًا مساعدًا (أستاذًا مشاركًا) عام 2013م.  من مؤلفاته: (المجاز: رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة) و(النحو والإبداع: رؤية نصية لتأويل الشعر العربي القديم) ، وله بالاشتراك: (دليل النحو الواضح)، و(علم القافية)، و(علم النحو)، و(مهارات اللغة العربية). وله تحت الطبع: (نظم القرآن: مباحث مهجورة في بلاغة القرآن الكريم)، ويصدر له قريبا ديوانه الشعري الأول، ومجموعته القصصية الأولى، نُشرت له عدة قصائد في جريدة الأخبار المصرية وجريدة اليوم السعودية وجريدة الشرق القطرية. له عدد من البحوث العلمية المنشورة في مجلات دولية وإقليمية ومحلية محكّمة، شارك في عدد من المؤتمرات الدولية في أوربا ودول شرق آسيا وقطر والسعودية والمغرب ومصر، له عدة مقالات في اللغة والأدب. عمل بجامعة القاهرة وجامعة حائل بالسعودية وجامعة قطر. انشغل الدكتور محروس بريك بالدراسات النصيّة وتحليل النص الشعري، فتناول بالتأويل الدلالي المعلقات السبع، وقصائد لتأبط شرًّا وأبي تمام ومحمود درويش ومحمود حسن إسماعيل وأمل دنقل، كما اهتمّ بالتأويل الدلالي لبعض الظواهر النحوية والإيقاعية في القرآن الكريم، بالإضافة إلى التأويل التداولي في كتاب سيبويه، ودراسة بعض الظواهر البلاغية من منظور جديد. ويُعدّ كلٌّ من كتاب (النحو والإبداع) وكتاب (المجاز: رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة) من الدراسات البينية المهمة التي سلك فيها طريقًا جديدة في الدرس النحوي والبلاغي.

بين يدي الكتاب:

  نظر نحاتنا القدماء إلى الجملة – حقيقية كانت أو مجازية – فوجدوها لا تتألف من مفردات معجمية ، دون أن تُسلك في تركيب نحوي . كما أنها لا تتألف من وظائف نحوية مجردة خالية من أية كلمات تشغلها . بل تتألف من ذلك التفاعل النحوي الدلالي بين المفردات وما تشغلها من وظائف نحوية ، والربط بينها بالعلاقات النحوية .

واسترعى انتباههم أن الجملة المجازية لا تتحقق مجازيتها إلا إذا حدث اختلال متعمَّد في قواعد الاختيار بين المفردات داخل الجملة ، أو إذا تغيرت جهة العلاقة النحوية تغيُّرا مقصودا ذا رصيد دلالي .

لكن معالجتهم للمجاز لم تكن واحدة ؛ إذ وقف بعضهم عند ذلك الحد من الوصف المجرد لهذه الظاهرة ، وكان هذا الوصف يمتزج – أحيانا – ببعض التفسيرات – كما تنبئ عن ذلك إشارات النحاة من لدن سيبويه ( ت 180 هـ ) حتى نهايات القرن الثالث وبدايات القرن الرابع الهجريين – وكانت تلك سمة المراحل المبكرة من النحو العربي ؛ لانصراف النحاة – محقين – إلى تقرير القواعد ووضع الأطر العامة لظواهر اللغة .

لكن ما إن استقرت القواعد ، واطمأن النحاة إلى سلامة النص القرآني من التحريف – حتى بلغت هذه الظاهرة طور النضج الفني على يد ابن جني ( ت 392 هـ ) الذي تخطى حدود الوصف اللغوي المجرد إلى بيان الدلالات الكامنة خلف اختيار المفردات المعجمية في علاقاتها داخل التركيب . وتجسدت إشارات النحاة من قبله في بابين مستقلين من كتابه “الخصائص” ، وقد اعتمد على معطيات هذين البابين في تحليلاته الفنية للجمل المجازية في كتاب “المحتسب” من بعد .

لكن التطور الحقيقي كان على يد نحوي بلاغي فذ هو عبد القـاهر الجرجاني ( ت 471 هـ ) الذي استطاع أن يجعل من كتابيه “دلائل الإعجاز” و”أسرار البلاغة” دراسة تقوم على التذوق الفني ؛ انطلاقا من مجموعة من الضوابط النحوية والدلالية ، دون أن يجنح بتفسيراته إلى التقعيد الصارم أو التفريع والتقسيم الذي يُنسي أولَه آخرُه . واستطاع الزمخشري ( ت 538 هـ ) أن يطبق نظرية عبد القاهر ، في تفسيره “الكشاف” ، فجاءت تفسيراته امتدادا لجهود عبد القاهر .

أما السكاكي ( ت 626 هـ ) فقد درس المجاز في شعبة ( علم البيان ) ، لكنه يرى أن ( البيان ) شعبة من ( المعاني ) . والذي يسترعي الانتباه أنه عدّ علمي المعاني والبيان من تمام ( علم النحو ) . وتعد دعوة السكاكي هذه دعوة مهمة للربط بين معطيات ( علم النحو ) من جهة ، ( وعلمي المعاني والبيان ) من جهة أخرى . لكن من جاء بعده من البلاغيين والنحاة لم يستغل هذه الدعوة الاستغلال الأمثل .

أما البلاغيون فانتزعوا مباحث النحو من منظومة السكاكي ، وانصـرفوا إلى ( المعاني والبيان والبديع ) ، وظلت هذه العلوم الثلاثة – بتفريعاتها وتقسيماتها – هي علوم البلاغة بعيدًا عن علاقتها بعلم النحو .

وكما استقل البلاغيون بعلوم البلاغة الثلاثة ، استقل النحاة المتأخرون بعلم الصرف والنحو بعيدًا عن علوم البلاغة . وباستثناء بعض الإشارات ، أصبح كلام النحاة في المجاز ترديدا لعبارات سيبويه وأمثلته وشواهده ؛ نحو حديثهم عن خروج الظرف عن الظرفية اتساعا ، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه اتساعا … إلى غير ذلك.

ويضع أبو حيان الأندلسي ( ت 745 هـ ) بابا للحقيقة والمجاز في نهاية كتابه ( ارتشاف الضرب ) ، ويزعم أنه لم يرَ أحدا من النحويين وضع هذا الباب. والحق أن ابن جني قد سبقه إلى ذلك ببابين عن المجاز في خصائصه . والناظر في بابي ابن جني ، وفي باب أبي حيان – يجد البون شاسعا بينهما ؛ فعلى حين عرض ابن جني لطريقة تشكيل الجملة المجازية ، وبيَّن أغراض المجاز ، وتناول بعض آيات القرآن والأبيات الشعرية بالتحليل الفني ، وطبق ما قاله في الخصائص تطبيقا فنيا في المحتسب – نجد باب أبي حيان ، وهو المتأخر ، قد جاء مختصرا مجملا ، حاول فيه جاهدا عرض أقسام المجاز عرضا إحصائيا متعجلا ، دون بيان أسس هذا التقسيم أو تحليل ما أورده من آيات قرآنية .

لقد انتهى الأمر بالنحاة المتأخرين – في هذا السياق – إلى إهمال جانب المفردات المعجمية التي تشغل الوظيفة النحوية . وانصب اهتمامهم على الصنعة النحوية ؛ حتى إننا نجد نحويا كالسيوطي ( ت 911 هـ ) عندما يتعرض للحديث عن ( التوسع في ظرف الزمان والمكان ) يضع مجموعة من الشروط النحوية للتوسع ، وهي:

الأول : أن يكون الظرف متصرفا ، فما لزم الظرفية لا يُتوسع فيه ، لأن التوسع مناف لعدم التصرف .

الثاني والثالث : ألا يكون العامل حرفا ولا اسما جامدا ؛ لأنهما يعملان في الظرف لا في المفعول به . والمُتوسَّع فيه مشبَّه بالمفعول به ؛ فلا يعملان فيه .

الرابع : ألا يكون فعلا متعديا إلى ثلاثة …وأورد تحت هذا الشرط كلاما طويلا ليس هذا مقام عرضه .

     ثم يورد السيوطي خلافا للنحاة حول هذا الشرط ؛ فمنهم من يمنع الاتساع في المتعدي إلى ثلاثة ومنهم من يجيز ، ومنهم من يمنع الاتساع في المتعدي إلى اثنين .

الخامس : ألا يكون العامل ( كان وأخواتها ) .

     وهكذا أصبحت القضية قضية خلاف نحوي ، وصنعة خالية من الدلالة . فابتعد النحاة المتأخرون بالمجاز عن التذوق الفني الذي اتسم به الدرس النحوي القديم لدى سيبويه وابن جني ، وبلغ نضجه على يد عبد القاهر الجرجاني .

ظلت تلك القطيعة بين النحو ومعطياته من جهة ، والبلاغة ومباحثها من جهة أخرى ، حتى نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، عندما نشأ “علم الأسلوب” الذي اشْتُق من ( البلاغة القديمة ) ، ثم تطور إلى فرع معرفي مستقل . حيث عمل الأسلوبيون على تقريب المسافة الفاصلة بين العلمين ، ثم عزَّزت اللسانيات الحديثة الصلة بينهما في النصف الثاني من القرن العشرين .

وتعالت دعوات كثير من اللغويين والبلاغيين المعاصرين – أمثال الدكتور تمام حسان ، والدكتور محمد حماسة ، والدكتور شفيع السيد ، والدكتور سعد مصلوح ، والدكتور محمد عبد المطلب وغيرهم – إلى وصل ما انقطع بين علمي النحو والمعاني ، وضرورة امتزاجهما ليشكلا معًا ( نحوًا جديدًا ) ، ينفذ إلى بيان الأسرار الفنية الناتجة عن العلاقات النحوية بين المفردات في الجملة.

إن الثمرة الحقيقية لهذه الدعوات سوف تتحقق إذا ما اعتُبر هذا النحو الجديد – الناشئ عن امتزاج علمي النحو والمعاني – مدخلاً أساسيًا للدراسة البيانية ، والمجاز أهم مباحثها . وذلك على اعتبار أن ( البيان شعبة من المعاني ) .

وفي هذا الإطار يأتي هذا الكتاب : “المجاز: رؤية جديدة للتآلف النحوي بين المفردات المتنافرة ” في أربعة فصول يسبقها مقدمة وتمهيد ، ويتلوها خاتمة.

أما التمهـيد فقد عُني ببيان ( مفهوم المجاز ) ، و( مصطلحاته ) ، و(مباحثه). وما كان المؤلف ليعتني بمثل هذه القضايا لولا تباين آراء البلاغيين واختلافهم حولها . فكانت ثمة ضرورةٌ لبيان الخلاف وترجيح بعض الآراء ، بما يتلاءم مع طبيعة هذا البحث . وأودعَ المؤلفُ في التمهيد بيانا للعلاقة بين علم النحو وعلمي المعاني والبيان ، ويُعد ذلك بمثابة المدخل إلى الدراسة .

وأما الفصل الأول فخَصه المؤلف ببيان أسس تشكيل المجاز عند نحاتنا وبلاغيينا القدماء ؛ أمثال سيبويه والمبرد وابن جني وعبد القاهر والزمخشري وابن يعيش . والغرض من هذا الفصل هو الوصول إلى أسس بناء المجاز على مستوى الجملة ( وهو ما اصطُلح عليه بالمجاز التركيبي ) ، ومدى مفارقة هذه الأسس لشروط بناء المجاز على مستوى المفردة المعجمية ( وهو ما عُرف بالمجاز الإفرادي ) . وبيان مدى ضرورة الاحتكام إلى السياق كي ينصرف الكلام إلى المعنى المجازي. وهل السياق أساس بنائي لابد أن يراعيه المتكلم عند تشكيل المجاز ، أم أنه أساس تفسيري يعتبره المتلقي ، أم أن الأمر يختلف تبعا لكون المجاز إفراديا أو تركيبيا ؟

وأما الفصل الثاني فانصرف إلى جلاء ذلك الاضطراب الذي شاب بعض الدراسات الغربية الحديثة ؛ إذ اعتبر فريق منهم المجاز مجرد عملية استبدال في دلالة المفردة المعجمية ، ونفَوا أي دور للنحو في تشكيله . في حين نظر فريق آخر إلى أن المجاز – برمته – على أنه نتاج النحو بعلاقاته ووظائفه ، فهو داخل تحت ما يسمى ( علم دلالة الجملة ) وليس تحت ( علم دلالة الكلمة ) . ولعل منشأ هذا الاضطراب مردُّه إلى ظهور مجازات جديدة لدى الشعراء المحدثين تفارق تلك المجازات التقليدية القريبة المأتى .

أما الدراسات العربية المعاصرة فقد أورد المؤلف منها في هذا الفصل أربع دراسات، يجمعها المنطلق اللغوي ووصل ما انقطع بين مباحث البلاغة وعلم النحو . لكنها تختلف – بالطبع – في طرق المعالجة والنتائج التفصيلية . وهي جهود لأساتذتنا الدكتور تمام حسان والدكتور سعد مصلوح والدكتور شفيع السيد والدكتور محمد حماسة .

ثم أعقب الفصل بخلاصة وتعقيب مهمّين استخلص فيهما بعض الملامح اللغوية المُجملة التي يمكن من خلالها التفرقة بين أنواع المجاز المختلفة .

وأما الفصل الثالث فهو فصل تطبيقي ، انصرف الجهد فيه إلى المعالجة النحوية الدلالية للمجازات التركيبية ؛ انطلاقا من الأنماط التركيبية والدلالية التي تقتضيها كل علاقة نحوية لها نصيب في تشكيل المجاز ، مع بيان المجازات المعقدة تركيبيا ودلاليا لقيامها على علاقتين نحويتين فأكثر . ولم يَشَأ المؤلف لهذا الفصل أن يكون تعدادا للأنماط وسوقا للأمثلة بطريقة نحوية صماء . إنما عدد الأنماط لبيان الفروق في الدلالات المجازية فيما بينها .

وكانت الأمثلة من الشعر العربي قديمه وحديثه ؛ ما كان منتميا منه إلى ما يسمى الشعر العمودي ، وما كان مندرجا تحت ما يسمى الشعر الحر .

وأما الفصل الرابع فهو تطبيق لما تم التوصل إليه في الفصل السابق؛ لكن هذا التطبيق على نصوص كاملة من الشعر العربي . ويعد هذا التطبيق محاولة لبيان دور الجملة المجازية في تشكيل دلالة النص الشعري .

وقد وقع اختيار المؤلف على ثلاثة نصوص شعرية تنتمي إلى عصور مختلفة ، وتمثل اتجاهات متباينة . ويتبين من خلالها كيفية تطور الصورة المجازية . وهي قصائد لكل من تأبط شرا ، ومحمود حسن إسماعيل ، ومحمود درويش .

وفي النهاية ندعوك أيها القارئ الحبيب لمطالعة هذا الكتاب الماتع.

عرض وإعداد: مصطفى يوسف

التعليقات مغلقة.