قراءة في كتاب (الاتجاهات الحداثية في نقد الشعر العربي، تأليف: د.يمنى الغندور) – عرض وقراءة: فريد لطفي أحمد

   من المسرات التي يختلسها المرء من بين أنياب الزمان الشحيح, أن  يطالع كتاباً جيداً فريداً في بابه, يشعر فيه بعرق صاحبه وجهده, وأنا في الحقيقة لا أستطيع أن أصف حجم سعادتي وأنا أقرأ  كتاب: “الاتجاهات الحداثية في نقد الشعر العربي.” لصاحبته الباحثة المجتهدة د. يُمنى أحمد الغندور.

 18678899_798934803607440_550569043_n ولو كان لي من الأمر شيء لطفتُ بهذا الكتاب على كل شاب مثقف محب للأدب, و على كل مشتغل بالنقد الأدبي, وكل مهتم بالثقافة العربية وحضارة المسلمين, وأهديتُ كل واحد منهم نسخة من هذا العمل الصالح الذي ينفع الناس ويبقى أثره الطيب في الأرض؛ وذلك لأن هذا الكتاب يبحث في ملامح أهم النظريات النقدية الأديبة في العصر الحاضر, وأكثرها اشتباكاً مع قضايا الساعة, ونحن في هذه المرحلة من مراحل البناء الحضاري للأمة المسلمة.

  ورغم أنها مسبوقة بدراسات مهمة في هذا الباب, لعل أهمها ثلاثية الدكتور عبد العزيز حمودة حول: “المرايا المحدبة” و ” المرايا المقعرة” و ” الخروج من التيه” إلا أنَّ أصالة الباحث الجاد بداخلها, واحتشادها لقضيتها, وعمق التحليل ودقة الاستنتاج, وتركيزها زاوية النظر على ” الشعر العربي” والاتجاهات الحداثية في نقده, كل هذا جعل لعملها قيمته الخاصة, وتميزه الذي يضعه في الصف الأول بين الدراسات العديدة التي كتبت في نقد الحداثة الغربية.

   مع بداية الرحلة ألقت الباحثة الضوء  الكاشف على مصطلح “الحداثة” من حيث مفهومه ونشأته وتطوره, في النقدي الغربي ثم  في النقد العربي, وأكدت على أن مفهوم “الحداثة” من المفاهيم التي لم يتفق عليها الباحثون, ولم يجمع عدد كبير من النقاد على وضع تعريف لها, ولعل السبب في ذلك ـ في نظرها ـ هو محاولة تمرير حقيقتها الهدامة, وخلصتْ الباحثة من ذلك إلى أن الحداثة: “تيار أدبي وفكري قائم على التمرد على الماضي ــ وبعبارة أدق التراث ــ وتجاوزه وتخطيه وهدمه, والسعي إلى جديد لا تضبطه أية ضوابط, ويحكم الشك باعتباره مذهباً فلسفياً هذا التيار في كل اتجاهاته وأهدافه.

  كما أكدت على أن هناك فرق بين “الحداثة” و “التحديث“, فالأولى تحمل من المفاهيم ما يشير إلى الانقطاع المعرفي عن كل ما هو موروث, أما “التحديث” فيشير إلى الرغبة في الرقي ومجاراة التطور العلمي والفكري.

  و”الحداثة” في الفكر الغربي كما تراها يمنى الغندور تيار فكري تفرعت عنه العديد من الاتجاهات الفكرية والنقدية, وقد وَلَّدته أزمة الإنسان المعاصر, بعد أن فقد القدرة على التحكم في عالمه, وظهرت في آفاق الفكر أقبح معاني العبثية.

   ثم عرضت يمنى لأهم الاتجاهات الحداثية التي توفرت على دراسة الشعر العربي, وهي: (الاتجاه البنيوي, والاتجاه التفكيكي, والاتجاه الاستاطيقي والاتجاه الأسطوري).

ثم ختمت رحلتها بدراسة رائقة حول أهم مصطلحات الحداثيين في نقد الشعر, فبدأت بالمصطلحات الخاصة بالمبدع والمتلقي, مثل الثبات والتحول, وهدم التراث, والرؤيا الجديدة, ومواجهة السائد, ومُراوغة النص, ثم انتقلت إلى المصطلحات الخاصة بالنص, وهي قصيدة النثر, والكتابة الجديدة, والعبث بطريقة كتابة القصيدة, وتفريغ اللغة وتفجيرها.

   ولعل أهم ما يلاحظه القارئ في دراسة تلك الاتجاهات هو أن الناقدة تتكئ على خلفية نقدية منهجية منضبطة,  ترفدها رؤية ثقافية وحضارية ترسم للمنهج النقدي ملامحه العامة, وتضيء أمامه الطريق, يُضاف إلى ذلك تلك الثقافة العريضة والخبرة الكبيرة في التعامل مع النصوص, نصوص النقاد ونصوص المبدعين في آن معاً.

        إن يُمنى الغندورــ من خلال تلك الدراسة ـــ ليست مجرد باحثة مشتغلة بالنقد الأدبي, وإنما هي ناقدة قديرة صاحبة رؤية ثاقبة, ولديها قضية واضحة المعالم تنافح عنها, وكم كنتُ أتعجب وأنا أتنقل بين صفحات تلك الدراسة الجادة كيف استطاعت تلك السيدة الأزهرية أن تناقش وتحاور ــ في قوة وجسارة ـ كبار رموز الحداثة العربية من أمثال أدونيس وكمال أبو ديب وعبد الله الغذامي وجابر عصفور وغيرهم كثير, كل هذا في لغة دقيقة واضحة قريبة المأتى, بعيدة كل البعد عن التقعر والغموض.

   ولعل من أنفس فضائل ذلك الكتاب أن صاحبته كانت عفيفة اللسان والقلم إلى أبعد حد, فقد اشتبكت مع أفكار ونظريات, ووقعت على  هَنَات وثغرات لأسماء كبيرة ذائعة الصيت, ولم أجدها مرة واحدة تتشدق بما خرجت به, أو تتطاول على كاتب اختلفت معه, ولقد وقع في هذا الفخ بعض الكتاب المتحمسين ففقد كلامهم كثيراً من بهائه, ومن احترام القارئ له, أما صاحبة ” الاتجاهات الحداثية في النقد الأبي” فكانت غاية في التهذيب وتقدير كل جهد, وكان شاغلها الأساسي هو تناول الأفكار ومساءلة النصوص, وقرع الحجة بالحجة.

   إن يمنى الغندور صاحبة هذا السفر النفيس باحثة استثنائية بحق, وهي من بيت علم وأدب فوالدها رحمة الله عليه كان أستاذا للأدب العربي بجامعة الأزهر, وقد نهلت يمنى من علم والدها وتأثرت بسمته العلمي والأدبي, لذا لم يكن غريباً أن تُهدي كتابها لوالدها الراحل الكريم .

  ولا شك أنني سأعود إلى هذا الكتاب الذي أمتعني وأبهج نفسي وأقر عيني مرات ومرات, وسأحتفظ به في مكان عزيز من مكتبتي, فهو نموذج نادر في الوعي والدأب والإخلاص والتمييز بين الطيب والخبيث, والعابر والباقي.

 

التعليقات مغلقة.