العربية الفصحى في ديوان شاعر العروبة علي الجارم – بقلم: أ.د. صادق عبد الله أبو سليمان

 

                                     %d8%b5%d8%a7%d8%af%d9%82 أ.د. صادق عبد الله أبو سليمان([1])

بحث مقدم إلى مؤتمر مجمع اللغة العربية بالقاهرة،الدورة 83، 28/7/1438هـ=24/4/2017-12/8/1438=8/5/2017م

ملخص البحث

تُعنى هذه الدراسةُ ببحثِ مكانة العربية في ديوان الجارم؛ لتشكِّلَ دعوةً إلى علماءِ اللغةِ العربيةِ ومفكريها إلى استلهامِ تراثنا- الممتدِّ عبر القرون القديمةِ والقريبةِ- في مواجهةِ التحدياتِ التي تواجهُ الأمةَ في حياتها الحاضرةِ أو الآتية.

إنَّ ما قدَّمه أسلافُنا-لَأراه- يُشكِّلُ القواعدَ والأعمدةَ التي ينبغي أنْ نبنيَ عليها أو ننطلقَ منها، وإنَّ أيَّ بناءٍ أو اجتهادٍ يسعى فيهِ أصحابُهُ إلى الانسلاخِ عن الماضي ولاسيما قيمِهِ اللغويةِ والفكريةِ والثقافيةِ والإنسانيةِ سيلفظُهُ الناسُ لا محالة؛ لذا فإن هذه الدراسةَ ستجدها تقف عند أحدِ أعلامِ العروبةِ والعربيةِ؛ حيثُ نافحَ عنهما النّفاحَ المستمرّ؛ لأنه رأى فيهما أهمَّ أطواقِ النجاةِ من أيِّ مكروهٍ بشريٍّ أصاب أمة العرب أو قد يصيبُها.

وانطلاقاً من الإيمانِ بما آمَنَ به الجارمُ في ديوانهِ الشعريّ الذي جاء في جزأين- استقرأَتِ الدراسةُ الألقابَ التي نَعَتَ بها شاعرُنا العربيةَ الفصحى، فوجدَتْ أنه عبّر فيها عن قَدامتِها، وعراقةِ نسبِها فهي أصلُ لغاتِ البشر، وشاعريتِها، وخلودها وخصائصها وهلمّ جرا، وبيّنت مكانةَ العربية الفصحى في فكرِه ووجدانِه، وأثرها في توحيدِ أهلها، وربطِهم بالإسلام والمسلمين، ووقفت عند مُقَوِّماتِ الحِفاظِ عليها ودورِ الأفرادِ والمؤسساتِ في هذا السياق.

وفي ظل ما تتعرض له العربية من مؤامرات وتهديدات، وما يعيشه وطنُ العربيةِ وأمتُهُ من تناحرات وحروب داخلية فإن هذه الدراسةَ فيما قدمته من مضامينَ وتحليلاتٍ لها- أراها- تعالج شيئاً من مشكلات العربية المعاصرة، وهمومِ أهلها ومصائبهم. وفي مجال الدرس اللغوي– أظنها- تقدم شيئاً يخدمُ الباحثينَ في مجال التأريخ لمفرداتِ اللغةِ وتراكيبها؛ الأمر الذي قد يستفيد منه صانعو المعجم التاريخي للغة العربية.

وعلى هامش هذه المواضيع وقفت الدراسة عند لفظي” أمداح” و” أدهار” اللذين لم توردهما معجمات اللغة العربية القديمة. ولم يورد الجمعَ الأولَ منهما” المعجمُ الوسيطُ” الذي أعده مجمع اللغة العربية في القاهرة و” معجم اللغة العربية المعاصرة” الذي أعده الدكتور أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل. وإذا كانا قد أوردا الجمع الثاني فقد اختلفا في عرضهما كما سيأتي في البحث.

****    ****    ****

مدخل

تعيشُ الأمَّةُ العربيةُ في هذهِ الأيامِ مِحْنةً عصيبةً تكادُ تعصِفُ بكِيانِها، حيثُ يسعى الأعداءُ إلى شرذمتِها، وجَعْلِها قبائلَ وشِيَعاً تسعى إلى التَّمَلُّصِ من بعضِها؛ بغيةَ إِرضاءِ غَيْرِ أبناءِ جِلْدتِها، بل السَّيْرِ في رَكائبِهِمْ تَسْتَمِدُّ مِنْهُمْ ما يُقَرِّبُها منْهم، وَيُبْعِدُها عن جُذورِ أصلِها المُشتركِ، ونتائجِ فروعِهِ العَريقَةِ المُمْتَدَّةِ في التّاريخِ.

وتُشكِّلُ هذهِ المِحْنةُ الكئيبةُ- التي نَسْأَلُ اللهَ العَلِيَّ القديرَ زَوالَها- دافعاً حثيثاً إلى  العلماءِ والمفكِّرينَ والمُثقفينَ والسّاسَةِ الأُمَناءِ وَغَيْرِهمْ مِنْ غُيُرِ أبناءِ العروبةِ- كلٍّ في مجاله- إلى رَفْدِ كلِّ ما يَصُبُّ في خانةِ إنهاضِ العروبةِ من كَبْوَتِها، ويُسْهِمُ في تَجْنيبِها أضرارَ ما يُدَبَّرُ لها بِلَيل.

وانطلاقاً مِنْ وعْيِنا بهذهِ الحالةِ العربيةِ المؤلِمةِ، وإدراكِنا لأهميةِ اللغةِ في الرَّبْطِ بينَ المتحدِّثينَ بها، وَوَصْلِهِمْ بِبعْضِهِمْ بِرابطةٍ مَتينَةٍ يَصْعُبُ التَّخَلّي عنها في زَمَنٍ قَصيرٍ رأينا الوقوفَ عندَ اللغة العربيةِ وما اقترن بها من مضامينَ في شِعْرِ علي الجارمِ( 1881 – 1949م) الذي عُرِفَ بِاعْتِزازِهِ بِعُروبَتِهِ ولغتِها وتَعَلُّقِهِ بهما ماضياً، وَأَملاً مُنْجِداً يَرجو تحقيقَهُ واقعاً حَيّاً، يرسُمُ مَلامِحَهُ أَبْناءُ العُروبةِ في مختلِفِ أصقاعِهم في حاضرِهِمْ وغدِهِم.

ليس غريباً- بعد هذا كله- أنْ تجتمعَ كلمةُ أهلِ زمانِ شاعرِنا الجارمِ ومَنْ بَعْدَهم على اعتمادِ وَسْمِ هذا الرجلِ الألمعيِّ الغيورِ على عروبتهِ وعربيتِها، والمنافحِ عنهما أينما حَلَّ أو ارتحل، والدّاعي إلى تعزيز مكانتهما في أفئدة أهليها بِلقبِ” شاعرِ العروبةِ([2]).

وفي سياقِ هذا اللقبِ الذي يستحقُّهُ هذا الشاعرُ العربيُّ الأصيلُ بجدارةٍ رأينا أن نقفَ- في هذه الدراسة- عند العربيةِ في شعرهِ بوصفِها من أبرزِ مميزاتِ الهويةِ العُروبيةِ والإسلامية وأهمِّها.

****    ****    ****

 الجارم والعربية

(1)

تُشَكِّلُ اللغةُ العربيةُ عندَ علي الجارمِ( 1881 – 1949م) أُسَّ العُروبة؛ فهي لسانُ أبناءِ العروبةِ جميعِهِم، وحاويةُ كنوزِ تراثِهِم الثَّمين؛ وقد سَرى حُبُّها فيهِ مجْرى الدَّمِ في العروق؛ فَصاغَ من ألفاظِها وتراكيبِها الدُّرَرَ الشِّعْرِيَّةَ واللوحاتِ النَّثْرية، ونَقَشَ في خصائصِ متنِها وأسرارِ نظامِها البحوثَ اللغويَّةَ الدَّقيقةَ، وكتبَ في صَرْفِها ونَحْوِها وبلاغَتِها وأدبِها المُصَنَّفاتِ المُيَسَّرَةَ، حيثُ  أَلَّفَ بالاشتراكِ مع زميلهِ الأستاذ مصطفى أمين سلسلةَ” النَّحْوِ الواضح” و” البلاغةِ الواضحة”، وهي السلسلةُ التي ابتعدَتْ عنِ التعقيدِ والغَرابَةِ والحَشْوِ والاستطراد، وتميَّزتْ بِجِدَّةِ مَنْهَجِها في استنباطِ القواعد، ومراعاتِها لمستوياتِ النّاشئة، ومناسبةِ أمثلتِها لأبناءِ العصرِ الحديث، وسهولةِ صياغتِها، وتسلسُلِ شَرْحِها، وَسَلامةِ أُسْلوبِ عَرْضِها وَمَتانَتِه.

أقول:

فُتِنَ علي الجارم بلغتِنا العربية فَدافعَ عنها دفاعَ العاشقِ المفتون بها، وشاركَ في غير لجنةٍ مجمعيةٍ، وانْتَصَر لَها في مقاماتِهِ الخاصَّةِ والعامَّة، وقد التفت الشاعر محمود غنيم إلى اهتمامِ شاعرنا بالعربيةِ الفصيحةِ وغَيْرَتهِ عليها؛ فنعته بـ” خادم الفصحى” حين قال في حفل تأبينه([3])🙁 البحر الكامل)

يا خادِمَ الفصحى، وَكَمْ مِنْ خادمٍ
أَفْنَيْتَ عُمْــرَكَ ذائِداً عَنْ حَوْضِــها
تَعتزُّ ســــاداتٌ بِلَثْــمِ بَنانِهِ
ذَوْدَ الكريمِ الحُرِّ عنْ أَوطانِهِ

إنَّ قراءةً لديوانِ الجارمِ تُوضِّحُ أنَّ صاحبَهُ مُتَمكَّنٌ أمكنَ في اللغةِ العربية، وأنهُ حريصٌ على إحياءِ مفرداتها القديمةِ في شعرِهِ، ولعلَّ القارئَ يَشْعُرُ حين يَطَّلِعُ عليهِ أنَّ صاحبَهُ يُعَبِّرُ- في الأغلبِ الأعمّ- عن معانيهِ وصورهِ بلغةِ العربِ القدماء، وأنهُ يسعى إلى بعثِ الشعرِ العربيِّ ولغتهِ على أسسِ الفصاحةِ العربيةِ ومتانةِ أساليبها العتيقة.

ومما قد نراه شاهداً واضِحاً يدعمُ ما نذهبُ إليه في هذا المقام ما جاء عنه في التغني باللغةِ العربية، وذلك في قصيدتهِ التي حَمَلَتْ عنوان” اللغة العربية([4])، يقول🙁 البحر البسيط):

وَسْنى بِأَخْبِيَةِ الصَّحراءِ يوْقِظُها
تُحْدىْ بِها اليَعْمَلاتُ الكُومُ إِنْ لَعِبَتْ
تَهتَزُّ فَوْقَ بِحارِ الآلِ راقِصَةً
وَحْيٌ مِنَ الشَّمْسِ أَوْ هَمْسٌ منَ الشُّهُبِ
فَلا تُحِسُّ بِأَنْضاءٍ ولا لَغَبِ
وَالنَّصْبُ لِلنّيْبِ يَجلو كُرْبَةَ النَّصَبِ

ويمضي الشاعر الجارم في وصف العربيةِ، وكأنهُ- في ألفاظِهِ وتراكيبِهِ التي يستعملها- يعيشُ في العصرِ الجاهليّ؛ الأمر الذي قد يُعَرِّضهُ لنقدِ بعضِ النقاد، واتهامِهِ بأنه يعيش في غير عصره.

على أننا نرى الأمرَ على غيرِ هذا النحو؛ فالشاعرُ- وكما هو واضح- يتغنى بأصالةِ لغته، وعراقتها، بألفاظٍ جاهليةٍ صِرْفَةٍ يستمدها من وحي البيئةِ العربيةِ الصَّحراوِيَّة، وذلك على النَّحوِ الذي نَلْحَظهُ في كلمات: أَخْبِيَة- تُحْدىْ- اليَعْمَلات- الكوْم- أنضاء- لَغِبَت- لآل- النّيب- النَّصَبِ([5]).

وكما هو مَلْحوظٌ فَإِنَّ هذهِ الكلماتِ وأمثالَها ممّا زَخَرَ بهِ معجمُ الجارمِ الشِّعريُّ لا يُمْكِنُ لمعاصِري الجارمِ من غيرِ المُتضلّعينَ من لغة العرب أَنْ يفهمَ معانيَها دونَ الرُّجوعِ إلى أحدِ معجماتِ اللغةِ العربية.

وليس غريباً أنْ نرى الأديبَ الناقدَ عباس محمود العقاد وهو يرثي الجارمَ يتنبهُ إلى هذه الخاصَّةِ الأصيلةِ في أدبه، وذلك حين جعله وَريثاً للأصمعيِّ العالمِ اللغويّ المعروف، وصاحب ديوان” الأصمعيات”، وبعض المصنفات في لغة العرب، إذْ قال في رثائه([6]):( البحر الخفيف)

وارثُ الأصْمعِيِّ في لُغةِ الضّا
والأديبُ الذي لهُ فطنةُ المِصْـ
(م)

(م)

دِ، وفي الشِّعْرِ وارثُ البُحْتُريِّ
ــريٍّ، زانت سليقةَ البَدَوِيّ

وكَأنّيْ بهذا الشاعرِ الفَذِّ نراهُ وهو يَنْهَلُ من مَعينِ هذه اللغةِ العريقةِ في إِطارِها التَّاريخيِّ القَديمِ، ويدافعُ عنها يتخذُ من فِراستِهِ اللغويةِ وإبداعهِ الشِّعْرِيِّ مؤهلاً يثبتُ صحةَ نسبتهِ إلى أَهْلِهِ العربِ الأوائل، وَيُبَرْهِنُ- أيضاً- أَنهُ يَمْتَلِكُ أَزِمَّةَ فَصاحةِ الكلمةِ وتراكيبِها التي ورِثَها عن أجدادهِ السابقينَ الذين اعتزَّ بنسَبِهِ إليهم وفاخَرَ، وأنه ما كان له أَنْ يَنْسُبَ العربيةَ إليهمِ في زمانِهِ لولا أَنَّهُ خبيرٌ بها خبرةَ أسلافِهِ الذين مَلَكوا أَزِمَّةَ فصاحتِها وفنونَ بيانِها، ونشروا علومَ الشعوبِ الأخرى من رومٍ وفُرْسٍ وهنودٍ بها. يقولُ الجارمُ مفاخِراً ومعتزّاً بأصولِهِ العربيةِ([7])🙁 البحر الخفيف)

هُمْ جُدوديْ، وَأَيْنَ مِثْلُ جُدودي
فَسَحوا صَدْرَهُم لحِكْمِة يُونَا
وأصاروا بالتَّرجَماتِ علومَ الرّو
حَذَقوا الطِّبَّ والزمانُ غُلامٌ
(م)

 

إِنْ تَصَدّىْ مُفاخِرٌ بِالجُدودِ؟!
نَ شَبَاباً غَضّاً وَمَجْداً أَثِيلا
مِ وِرْداً للنّاهلِ المستفيدِ
والثقافاتُ رُضَّعٌ في المُهُودِ

ولعلَّ ما يَدْعمُ هذا التَّحليلَ الذي نقولُ بهِ أَنكَ ترى الجارمَ- كما سيأتي- يَنْظُرُ إلى العربيةِ على أنها أصلُ اللغات، وَيُلقِّبُها في شِعْرهِ بألقابٍ عِدَّةٍ يربطُ فيها العربيةَ بِأُصولِها وبيئتِها العربيةِ القديمةِ، وكأَنّيْ به يريدُ أَنْ يُعَبِّرَ عنْ أصالةِ شَرَفِ أصلِها، وَعَراقَةِ تاريخِها، وَقِدَامةِ أهلِهاِ؛ الأمرُ الذي تُعنى سُطورُ هذهِ الدراسةِ بتفصيله.

ورغم دراسته في الغرب، وثقافته الإنجليزية والتفاته بالترجمة ففد تمترست القيم العروبية والإسلامية في عقله ووجدانه، وتجذّر شغفُهُ بلغتهِ العربيةِ، وَبَقِي جذيلُها المُحَكِّكَ المخلصَ لها، والملتزمَ بخصائِصها، وخصائِصِ أدبِها؛ فقد رأيناهُ الملتزمَ في إبداعهِ الشِّعْرِيِّ بفصاحةِ الكلمةِ وجزالَةِ سَبْكِها صياغةً، والمُستمسكَ بقالَبِ شعرِها العموديِّ وزناً وقافيةً؛ رغمَ ما كان يَصْدُرُ من دعاوى من هنا وهناك في أقطارِ العروبةِ ينادي أصحابُها بالتحررِ من قيودِ الوزنِ والقافيةِ، وظهورِ ما يُسمّى بالشعرِ المُرسَلِ، ومجمّع البحور، والشعرِ الحرِّ، أو الشعر المطلق، أو شعر التفعيلة، أو الشعر المنثور.

ولم يكتف الجارم بشعره مثلاً محافظاً على التقاليد الفنية المرعيّة في الشعر العربي العمودي؛ فقد وجدناه يتخذ من شعره وسيلة إعلامية يدعو من خلاله إلى المحافظة على الموروث، وعدم الثورة عليه، وذلك على النحو الذي جاء في قصيدته” خُلود”، وسنشير إليهِ عند الحديث عن” لغة الشعر” من” ألقاب العربية”.

وليس غريباً أنْ يقفَ شاعرنا الجارمُ مُحِبّاً للعربيةِ، ومعتزّاً بل مقدِّساً لها، وأنْ يُنْتِجَ فيها الدُّررَ تِلْوَ الدُّرَرِ شعراً ونثراً فنيّاً وخطابةً ودراسات لغوية دقيقة، وأنْ يترنّمَ لسانهُ فصاحةً بمخارجها وصفاتها وَيَفْتَنَّ بهندسةِ تراكيبِها؛ فهو سليلُ عائلةٍ أزهريةٍ، فوالِدُهُ محمد صالح الجارم أزهريٌّ، وقاضٍ في المحاكمِ الشرعية؛ الأمرُ الذي مَكَّنَهُ من التَّثَقُّفِ بثقافةٍ عربيةٍ إسلاميةٍ متينةٍ عمادُها القرآنُ الكريمُ الذي كان له من حِفظِهِ نصيب، الحديث النبويُّ الشريف، وكتُبُ الدينِ والأدب، وكان لتلمذته على الشيخ محمد عبده أثرُ الإنارةِ فكراً.

 ****    *****     ****

خصائص العربية وألقابها

( 2)

سنقفُ في هذا السياقِ عند أشعارِ الجارمِ التي تَغَنّى فيها بِمزايا هذهِ اللغة، أو إنْ شئتَ فقل: بخصائصِها وصفاتها وألقابِها التي وردت في أبياتِ ديوانهِ الذي قرأناهُ واستقيناها منه، وسيتضحُ للقارئِ أنَّ شاعرَنا الجارمَ قد أطلقَ على اللغةِ العربيةِ مجموعةً من الأسماءِ بل الألقاب نظمَها في تراكيبَ عربيةٍ ترتبطُ بأصلِ العربِ الأولِ ونسبِهم وبيئتِهم وتاريخِهم؛ الأمر الذي تجلّى- كما سيأتي- في وَسْمِها بلقب” أمِّ اللغات” وغيره، وألقابٍ أخرى تكشف عن بعض خصائصها المميزةِ لها.

هذا وقد زخرت قصيدته” اللغة العربية” التي ألقاها في عام 1934م في افتتاح الدورة الثالثة لمجمع اللغة العربية في مصر بعشرةِ ألقابٍ، أولها مصطلح” ابنة العرب” الذي تصدّر به مطلعُها، و” ابنةُ الأعراب“، و” اليَعْرُبِيَّة“، و” بنت عدنان” و” سليلة عدنان“، و” بنت قريش“، و” ابنة البيد“، و” اللغة الفصحى“، و” الفصحى“، و” الضاد“. وشاركتها قصيدتُهُ” اللغة العربية ودار العلوم([8]) احتفاءَها بالعربية لقبا، فجاء فيها ستة ألقاب، هي:” ابنة السابقين” و” الضاد“، و” ابنة الضاد“، و” بنت الفدافد والبيد“، و” الفصحى“، و” لغة الفن“. وشاركتهما قصيدةُ” المجمع اللغوي” الاحتفاء ببعض ألقاب العربية في” بنت عدنان“، و” الفصحى” و” الضاد“، وأضافت إليهما لقب” بنت قريش“.

 وستعرض سطورُ البحثِ الآتيةُ ألقاب العربية التي نعت بها شاعرنا” لغتنا الجميلة”؛ الأمر الذي يتبين منه بعض صفاتها وخصائصها:

***

العربيةُ أمُّ اللغات:

أشار الجارمُ إلى هذهِ القضيةِ اللغويةِ التي شُغل بها الفكرُ اللغويُّ في العالمِ كلِّهِ: قديمهِ وحديثِه، وتباينت آراءُ اللغويينَ والمفكِّرينَ فيها؛ حيث وجدنا منهم من يرفضُ رَدَّ اللغاتِ جميعِها إلى لغةٍ واحدةٍ تكونُ أُمّاً أو أصلاً لها، ووجدنا منهم من اقتنع بِرَدِّها جميعِها إلى أصلٍ واحدٍ، وكان الخلافُ بين أصحابِ هذا الرأي المتَّفِقِ في عُمومهِ متمثِّلاً في تحديدِ ماهيةِ اللغةِ الأم حيثُ نَسَبَت كلُّ أُمَّةٍ الأوَّلِيَّةَ إلى لُغتها؛ فالعرب قالت: إنَّ العربيةَ أولُ اللغات، وقالتِ اليهودُ بأوَّلِيَّةِ لغتهم، وقالتِ الفرسُ بأوَّلِيَّةِ لغتهم الفارسية، وَهَلُمَّ جَرّاً([9]).

وفي هذا المقامِ نرى الجارمَ ينظرُ إلى معشوقتِهِ العربيةِ على أنها أَوَّلُ اللغاتِ التي نَطَقَ بها البَشَرُ، وَأَنَّها الأصلُ الذي انبثقت منه هذهِ اللغاتُ، فهي- على حَدِّ رأيِهِ-” أُمُّ اللغات([10])، وإنَّ قدرتَها على أنْ تَكونَ مصدراً لِلُّغاتِ من حولها يجعلُ الإيمانَ بقدرتِها على تنميةِ نَفْسِها وإغناءِ متنِها أمراً ما أَيْسَرَ تصديقَه!؛ فهي بما تمتلكُ من امتدادِ الوجودِ عَبْرَ التاريخِ ستكونُ- بِلا شَكٍّ- قادرةً على الحياةِ والاستمرارِ في تلبيةِ احتياجاتِ أهلِها منها، والتعبيرِ الفَنّيِّ الأخّاذ.

يقولُ في قصيدته” أعلام المجْمع([11]) مادحاً في العربيةِ قدرتَها على التعبيرِ الأدبيِّ البليغ واجتيازِ المِحَن:( البحر الكامل)

وَما عَقِمَتْ أُمُّ اللغاتِ ولا خَلَتْ خَمائِلُها مِنْ سَجْعِ كلِّ مُطَوَّقِ

وتجده يكررُ هذا اللقبَ في رثائِهِ للقائد” سعد زغلول”، وذلك في قصيدته:” رثاءِ سعد([12])، حيث قال🙁 البحر الكامل)

ما عَفَّهُ حُرُّ البيانِ، ولا جَزَتْ
وَالسّامِعونَ كأنَّما لَعِبَتْ بِهِمْ
أُمُّ اللغاتِ وَفاءَهُ بِمِطالِ
صَهْباءُ قَدْ نُفِحَتْ بِرِيحِ شَمال

وقال في قصيدته( العيد المئويِّ لوزارةِ المعارف) ([13])🙁 بحر الخفيف)

بَعَثَتْ دارِسَ الفُنونِ وأحْيَتْ بعد يأسِ الزَّمان أُمَّ اللُّغاتِ

وهكذا غدتِ اللغةُ العربيةُ في فكرِ الجارمِ ووجدانِهِ لسانَ العربِ الأولَ بل أصلَ لغاتِ البشر.

*** ابْنَةُ العَرَبِ:

أطلق الجارمُ عليها هذا اللقبَ في صدرِ قصيدتِهِ” اللغة العربية([14])، قال🙁 البحر البسيط)

ماذا طَحا بكَ يا صَنّاجَةَ الأَدَبِ هَلّا شَدَوْتَ بِأَمْداحِ([15]) ابْنَةِ الْعَرَبِ؟

وقد ورد هذا اللقب في ديوان علي الجارم مرةً واحدة، ولم أقرأه عند غيرِهِ من شعراء العرب([16]).

ويبدو أن الجارمَ قد رأى في هذهِ القصيدةِ مجالاً يعرضُ فيه ما يُعزِّزُ نَسَبَ اللغةِ العربيةِ بأهلها الأوائل، فقد رأيناهُ يعرضُ فيها وفي غيرِها من قصائدِ ديوانهِ العُروبيِّ ألقاباً أخرى تصبُّ في خانات أصالتها العربية، وتعكسُ بيئةَ أهلِها العرب.

ومع هذا فقد يبدو غريباَ أنّا وجدنا أديبنا الجارمَ- وهو الذي تكررت في شعرهِ قِيَمُ العُروبةِ ومعانيها، وتكررَ في ديوانه مصطلُحها الذي غدا لقباً له اقترنَ بهِ اسمُه ستَّ عشرة مرةً – يَغفُلُ عن جعلِ مصطلحِ” العُروبة” جزءاً للقبٍ من ألقاب العربيةِ التي تَغَنّى بها في شعره؛ كأنْ يقول:” لغة العروبة”([17]).

***

ابْنةُ الأعرابِ:

وقد ورد في ديوانه مرةً واحدةً، ولم أقرأْ غيرَهُ من شعراءِ العربيةِ يلقبها بهذا اللقب، قال:

لَوْلا فؤادُ أبو الفاروقِ ما وَجَدَتْ
أعَزَّ مِنْها حِمىً رِيعَتْ كَرَائِمُهُ
وَرَدَّ بِالمَجْمَعِ المَعْمورِ غُرْيَتَها
إِلى الْحَياةِ ابنةُ الأعرابِ مِنْ سببِ
وَكَانَ مَمْنوعُهُ نَهْباً لمُنْتهِبِ
وَحاطَها بِكَرِيمِ العَطْفِ والْحَدَبِ

*** اليَعْرُبِيَّة:

وهذا اللقبُ منسوبٌ إلى” يَعْرُبِ بن قَحْطان” أصل العرب العاربة، ولم أقرأ غير الجارم يلقب العربية بهذا اللقب، قال:

وَالْيَعْرُبِيَّةُ أَنْدىْ ما بَعَثَتْ بِهِ شَجْواً مِنَ الحُزْنِ، أَوْ شَدْواً مِنَ الطَّرَبِ

***

بنتُ عدنان:

وعدنانُ- كما هو معروفٌ- أحدُ جدودِ العَرب، وقد تكرر هذا اللقب عند الجارم ثلاث مرات في ثلاث قصائد له، ولعله أول من أطلق هذا اللقب على اللغة العربية، فلم أقرأهُ بهذا المعنى عند غيره من شعراء العربية، يقولُ الجارمُ:

وَأَصْبَحَتْ بنتُ عدنانٍ بِنَفْحَتِهِ([18]) تيْهاً تُجَرِّرُ مِنْ أَذيالِها القُشُبِ

وجاء تكراره لهذه التسمية في قصيدته” المجمع اللغوي([19])، حيث يقول في وصف العربية بعد انهيار الدولة العباسيةِ، وتدهور حال المسلمين:

لَهْفَ نفسيْ بنْتُ عَدْنانَ هَوَتْ وَأُسودُ الغيلِ قدْ ديْسَ شَراها

وفي قصيدته” دار العلوم“:( البحر الخفيف)

تَخِذَتْ فيكِ بِنْتُ عَدْنانَ داراً ذَكَّرَتْها بَدَاوَةَ الأَعْرَاب

***

سليلة عدنان:

      تفرّد الجارم في تركيب هذا اللقب الذي فَرَّعَهُ من سابقه دالاً على اللغة العربية، وذلك في قصيدته” رثاء إسماعيل صبري باشا”([20])، قال🙁 البحر الخفيف)

إِنَّ مِصْراً أَحْيَتْ مَوَاتَ الْقَوَافِيْ
وَأَعَادَتْ إِلَى سَلِيلَةِ عَدْنا
قُلْ لَهُ غَيْرَ فاخِرٍ إنَّ صَبْرِي
 

(م)

وَأَقَامَتْ عَمُودَهَا أَنْ يَميلا
نَ شَبَاباً غَضّاً وَمَجْداً أَثِيلا
بَعْدَ سامِي هَدَى إِلَيْها السَبِيلا

*** بنتُ قريش:

تكرر هذا اللقب في ديوان الجارم ثلاث مرات في قصيدتين، وهو متفرّدٌ في تركيبه بهذا المعنى الدال على اللغة العربية. وقد أتى به في قصيدتهِ” اللغة العربية“؛ لِيبينَ أنَّ هناك هجوماً يشنّه أعداءُ العربيةِ عليها، ويقصدون منه إهانةَ العربيةِ وتحقيرها، قال:

أَزْرى بِبِنْتِ قُرَيْشٍ ثمَّ حارَبَها مَنْ لا يُفرِّقُ بَيْنَ النَّبْعِ وَالغَرَبِ

ويكرر الجارمُ هذا اللقبَ في قصيدتهِ” المجمع اللغوي”؛ ليبرز كيف أن هذه اللغةَ الأصيلةَ تستمدّ قوتها من أصولها القوية، وذلك بإشارته إلى تلبيتها لمتطلباتِ العباسيين منها في مجالات الترجمة المتنوعة، ويناء صروح دولتهم وحضارتها، يقول🙁 البحر الرمل)

بَلَغَتْ بنتُ قريشٍ ذِرْوَةً
بَيْنَ شِعْرٍ كأزاهيرِ الرُّبا
…وَجَدَتْ بنتُ قريشٍ مَوْئِلاً
بِبَنيْ العَبّاسِ صَعْباً مُرْتَقاها
عَكَفَ الغَيْثُ عليها فَسَقاها
فيْ ذَرا المُلْكِ وَحِصْناً مِنْ عِداها

*** ابنةُ السابقين:

ويأتي هذا اللقب وحيداً ليصب أيضاً مع أمثاله من الألقاب الدالة غلى قدامةِ العربية وعراقتها، يقول الجارم في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم” ( الخفيف):

يا ابنةَ السّابقينَ، منْ قَحْطانٍ!
أنتِ علّمْتنِي البيان فما لي
رُبَّ حُسْنٍ يَعوقُ عن وَصْفِ حُسْنٍ
وَتُراْثَ الأَمْجادِ مِنْ عَدْنانِ
كلّما لُحْتِ حارَ فيكِ بَيانيْ
وَجَمالٍ يُنْسي جَمالَ المَعانيْ

***

بنتُ الصَّحاري:

وهي” بنتُ الصَّحاري” يحميها حُرّاسٌ شِدادٌ أَكْفِياء، يقول في مدحِ الشيخ أحمد الإسكندري- أحد فقهاءِ اللغةِ المُحْدَثين، وأحدِ أعلام أعضاءِ مجمع اللغةِ العربيةِ الأوائل في مصر- في قصيدته” أعلام المَجْمع“:

أَأَحمدُ، أين الأمْسُ والأمسُ لم يَعُدْ
كَأَنّي أراكَ اليومَ تخطُبُ صَائِلاً
تُنافِحُ عن بنتِ الصّحاريْ مُشَمِّراً
مَضَى حَارِسُ الفُصْحى فَخَلَّده اسْمُهُ
سِوى ذِكرياتٍ للخيالِ المُؤَرِّقِ
وتَهْدِرُ تَهْدَارَ الْفَنيقِ المُشَقْشِقِ
وَتَفْتَحُ منْ أَسْرارِها كُلَّ مُغْلَقِ
كما خلَّد الأَعْشى حَديثَ الْمُحَلَّقِ

 


***

ابنةُ البيدِ:

وهي” ابنةُ البيدِ”، و” البيدُ” مفردٌ جمعه” بيداء”، وهي الفَلاةُ أو الصحراء أو المفازة التي لا شيء فيها، وهي من باد يَبيد؛ لذا وجدنا ابن جني- كما جاء في لسان العرب- يقول:” سميت بذلك لأنها تُبيدُ من يَحُلُّها”([21]). يقول في قصيدته” اللغة العربية”:( البحر البسيط)

وَعاثَتِ العُجْمَةُ الحَمقاءُ ثائِرةً على ابنةِ البيدِ في جَيْشٍ منَ الرَّهَبِ

ووجدنا شاعرنا الجارم يجمع بين” الفَدافِدِ والبيد” في تركيبٍ واحدٍ متصل فيقول في بيان دور” دار العلوم” في إحياء اللغة العربية:

وَأَطَلَّتْ” بِنْتُ الفَدافِدِ والْبيْـ

دَرَجَتْ بَيْنَ فِتْيَةٍ وشُيوخٍ

(م) ـدِ” بِأَفْياءِ دَوْحِها الْفَيْنانِ
كلُّهُمْ يَنْتَمِي إلَى سَحْبانِ

و” الفدافِدُ” جمعُ” الفَدْفَد”، وكما جاء في” لسان العرب” فإن” الفَدْفَد: الفَلاةُ التي لا شيءَ بها، وقيل: هي الأَرض الغليظة ذاتُ الحصى، وقيل: المكان الصُّلب؛ قال: تَرى الحَرّةَ السَّوداءَ يَحْمَرُّ لَوْنُها، ويَغْبَرُّ منها كلُّ رِيعٍ وفَدْفَد، والفدفد: المكان المرتفع فيه صلابة، وقيل: الفدفد الأَرض المستوية؛ وفي الحديث: فَلَجؤَوا إِلى فدفد فأَحاطوا بهم؛ الفَدْفَدُ: الموضع الذي فيه غِلظٌ وارتفاع”. وكما هو واضحٌ فإن هناك تقارباً في المعنى بين البيداء والفَدْفَد، وإنْ كانت الفدفد- كما يبدو من تعريفها- أقسى طبيعة.

 ونحن في هذا السياق نودُّ أنْ ننبه إلى أنه ليس صحيحاً ما يمكنُ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ نسبَةَ الجارمِ للعربيةِ الفصحى إلى” الصحاري” أو” الفدافد” أو” البيد”، أو غير ذلك من صفاتِ البداوةِ يشكِّلُ اتِّهاماً لها بالقُصورِ، وعدمِ القدرةِ على تجاوزِ مهمةِ التَّعبيرِ عن معانيْ بيئتِها القديمةِ إلى المعاني الحديثة.

إنّ ما يفهمه البحث من هذه النسبةِ هو أنَّ الجارمَ كان دقيقاً في اختياره للفظي” البيد” و” الفدافد”؛ وأنه لمّا جاء بهما لينسب اللغة العربية الفصحى إليهما كأنّي به يريدُ أنْ يرمزَ بتركيبي” ابنة البيد” و” بنت البيد والفداد” إلى نقاءِ هذه اللغة، وقدرتِها الفائقةِ في التغلب على الدخيل، ودَحره بإيجادِ البديلِ النابعِ من ذاتِها؛ فقد ورثَ أهلُها المُحْدثونَ أصالتها من أسلافِهم العربِ البُداةِ المُغْرِقين في بداوتهم، المتمسكين بعقيدتهم في المحافظةِ على نقاءِ لغتهم وأصولها؛ لذا فإنه من الصعبِ هزيمة هذه اللغة، ومن المستحيلِ إفناؤها أو إذابتها في غيرِها من اللغات؛ لأنَّ أهلها ورثوا فطرةَ الحفاظِ عليها فصيحةً نقية، وتمرّسوا عَبْرَ تاريخهم الطويل في تعريبِ الدخيل وتطويعِهِ إلى أنظمتها في الصياغة والتركيب أيّاً كانت كثرته أو قوة أهله، يقول:( البحر البسيط)

وَعاثَتِ العُجْمَةُ الحَمقاءُ ثائِرةً
…أنْتْرُكُ العَرَبيَّ السَّمْحَ مَنْطِقُهُ

وَفِي المَعَاجِمِ كَنْزٌ لاَ نَفَادَ لَهُ على ابنةِ البيدِ في جَيْشٍ منَ الرَّهَبِ
إلَى دَخِيلٍ مِنَ الألْفَاظِ مُغْتَرِبِ؟!
لِمَنْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الدُّرِّ وَالسُّخُبِ([22])

إنَّ الجارمَ- وهو الأديبُ الألمعيُّ واللغويُّ المَجْمعيُّ الفقيهُ في لغةِ العربِ، والدارسُ المتعمقُ في الفكرِ اللغويِّ العربيّ الذي يُؤْمنُ جمهورُ علمائهِ بالاحتجاجِ بلغةِ القدماءِ حتى تاريخٍ مُعَينٍ وقفوا عنده لأراهُ يَعي خبرَ هذه النسبةِ ومغزاها، وأنهُ حين ينسبُ العربيةَ هذهِ النسبةَ -يريدُ– كما أَبانَ في غيرِ مَقامٍ من شِعرِه- أَنْ يُعبِّرَ عن فصاحةِ لغةِ العربِ القدماءِ، وأصالتِها وَقوتِها المُتَجَذِّرةِ فيها منذ القدم؛ الأمر الذي أَهَّلَها للعيشِ حتى اليوم، ومواجهةِ ما حيكَ ضِدَّها وضِدَّ أهلِها من مؤامراتٍ لإضعافِها وإفنائِها، ولعلَّ ما يَدْعَمُ هذا الرَّأيَ أيضاً أنكَ تجدُ الجارمَ- كما لَحَظْنا- يعتزُّ بِقِدَمِ لغتهِ العربيةِ؛ الأمر الذي يَكشفُ عن قدرتِها على الاستمرارِ في الحياةِ في مختلِفِ الأزمنةِ والأماكن.

 لغةُ العَرَبِ الفِصاح:

يَنْسبُ الشاعرُ أصلَ اللغةِ العربيةِ إلى العربِ الأقحاحِ الذين تَسَنَّموا ناصيةَ بيانِ الكلمة؛ لذا فإنَّ أصالةَ هذهِ اللغةِ منْ أصالةِ نَسَبِها، وأنَّ التَّخلّيَ عنها هو تَخَلٍّ عنِ العروبةِ الأصيلة، وأنَّ تقريبها إلى عقولِ ناشئةِ العرب يُشَكِّلُ واجباً ينبغي تحقيقه.

يقول في قصيدته” العُروبة“([23]):( البحر البسيط):

وَحَبِّبوا لُغَةَ الْعُرْبِ الْفِصاحِ لَهُمْ فَإِنَّ خِذْلانَها لِلشَّرْقِ خِذْلانُ

وإذا كان شاعرنا ينسب العربية إلى فِصاحِ العربِ فإنه في مقامٍ آخرَ ينسبهم إليها؛ الأمرُ الذي قد يُفْهَمُ منه أنهُ يُوحِّدُ بينها وبينهم، وأَنَّ العربيةَ الفصحى والعروبةَ سِيّان بل وجهانِ لِعُمْلَةٍ واحدة.

يقول في قصيدته” إلى روح داود بركات” رئيس تحرير جريدة الأهرام: ( البحر الوافر)

وَفِي الْفُصْحى لنا نَسَبٌ كَريمٌ كَقُرْصِ الشمْسِ شَمّاخُ السَّناءِ

ويقول:

إني كتابٌ إلى الأجيال تقرؤهُ

مَجْدٌ عَلىْ الدَّهْرِ مُذْ كاْنَتْ أَواْئِلُهُ

له التغنِّي بمجدِ العُرْبِ عُنوانُ

وَدَوْلَةٌ لِبَنيْ الفُصحىْ وَسُلْطاْنُ

وعنواناً لهذا الربطِ بين الفصحى وأهلها وجدنا شاعرَنا العُروبيَّ يرى في فلسطينَ عنواناً” لمجدِ بَني الفصحى”، وذلك في قصيدته” فلسطين” التي نظمها في سنة 1948م إبّان مشاركة الجيش المصري في الدفاع عن فلسطين التي وصفَها شاعرنا العروبيُّ بصفاتها العروبية والإسلامية؛ الأمر الذي يُفسّر لنا هذا الفرحَ والبشاشةَ والاستبشارَ بالنصر الذي أوصلنا إياهُ شاعرنا حين صاغه بألفاظٍ وتراكيبَ سَلِسَةٍ لَفَّها بأنغام” البحر البسيط” العذبة، قال([24]):

تألَّقَ النصْرُ فاهتزّتْ عَوَالينا
…نفسي فِدَاءُ فلسطينٍ وما لَقِيتْ
نَفْسيْ فِدَاءٌ لأُولَى القِبلتينِ غَدَتْ
قلبُ العروبَةِ إن تَطعنْهُ زِعنِفَةٌ
وقلعَةُ الشرقِ إن مُسَّتْ جوانِبُها
وأسْطُرٌ من تَواريخٍ مُخَلَّدةٍ
واستَقْبَلتْ مَوْكِبَ البُشْرَى قَوافِينا
وهل يناجي الهوى إلاّ فِلسْطينا
نَهْباً يُزاحِمُ فيه الذئبُ تِنِّينا
كُنَّا لها ولأشقاها طَواعينا
خُضْنا لها جُثثَ القتْلى مَجانينا
كانَتْ لِمَجْدِ بَني الفُصْحى عَناوينا

*** الفُصحى:

وإذا كان شاعرنا قد ربط بين العروبة ولغتها الموحدةِ لأبنائها فلا يَفوتُنا في هذا المقامِ الذي نستعرضُ ألقابه التي لقّب بها لغةَ العرب أن ننبهَ إلى أن وصفَهُ للغةِ العربيةِ بمصطلَح” الفصحى”- الذي ورد في شعره سبعاً وعشرين مرة- هو وَصْفٌ أو لقبٌ مشتقٌّ من وصفِ أهلِها العَرَبِ بالفصاحة، وذلك على النحو الذي لَحَظْناهُ في الأبياتِ السابقةِ وأبياتٍ غيرِها جاءت في مواضعَ أُخرى من ديوانه، كما في قصيدته” اللغة العربية” التي قال فيها:

يا عُصْبَةَ الخَيْرِ لِلْفُصْحىْ وَشيْعَتِها حَيّاكِ صَوْبُ الحَيا يا خيْرَةَ العُصَبِ

وفي قصيدته” مصرُ تُعَزّي العراق”([25]) قال:( البحر الطويل)

وَإنْ طُرِفَتْ عَيْنٌ ببغدادَ من قَذىً
إخاءٌ على الفصحى تَوَثَّقَ عَقْدُهُ
رأيتَ بمصرٍ أعيناً مُلِئتْ سُهْدا
وَشُدَّتْ على الإيمانِ أطرافُهُ شَدّا

وفي قصيدته” مِصْرُ([26]) التي نبّه فيها إلى أن الفصحى تُشكّلُ عنصراً سهلاً يجتمع فيه العرب بدون أي عقباتٍ أو تعقيد، وذلك حين قال فيها:( البحر الخفيف)

جَمَعتْنَا الفُصْحى فما مِنْ وِهادٍ فَرَّقَتْ بَيْنَنَا ولا من نُجودِ

*** لغة الشعر:

يتغنى الشاعر باللغةِ العربيةِ من خلالِ تَغَنّيْهِ بإنشادِ شِعرِها، وطربهِ لسماعهِ من ألسنةِ أبنائها، وذلك في إشارةٍ ناقدةٍ منْهُ إلى مَنْ يتنكبونَ عن نظامِ القصيدةِ العربيةِ ولغتِها- بحجةِ التجديد- إلى ما هو غريبٌ عن مألوفِ العربِ وبيئتهم، فيقول في قصيدته” خلود”([27]) ( البحر الخفيف):

ماْ لِساْنُ القَريْضِ مِنْ عَرَبِيٍّ
إنما الشِّعرُ قِطْعةٌ منْكَ ليستْ
كلُّ فَنٍّ لهُ مكانٌ وَأَهْلُ
كَلِساْنِ القَريْضِ مِنْ طُمْطُماْنيّْ([28])
مِنْ دماءِ اللاتينِ واليونانِ
إِنْ غدا العِلْمُ ما لهُ منْ مكانِ

وكما هو واضحٌ فإنَّ الجارمَ يُفْصِحُ لِهؤلاءِ المُتَمَرِّدينَ أنَّ ما يُناسِبُ الشَّرقَ لا يناسبُ الغرب، يقولُ في هذا المعنى أيضاً:

وِجْهةُ الشرقِ غيرُها وِجْهةُ الغرْ (م) بِ، فَأَنّىْ وكيفَ يَلْتَقِيانِ!

وتراه بسخريةٍ لاذعةٍ يَصِمُ المجددينَ بأنهم ألبسوا الشعر العربيَّ جِلداً غير جِلده، وكأنهم بهذا العملِ قد أفقدوا الشعر روحه، فقال:

جَلَبوا للقريضِ ثوباً من الغرْ
ثمَّ قالوا: مُجددونَ، فأهلاً
(م)

 

بِ، ولمْ يَجْلِبوا سوى الأكفانِ!

بصناديدِ أُخْرياتِ الزَّمانِ!

وإذا كانَ الأمرُ كذلك فإنَّ شاعرَنا العروبيَّ يستحثُّ أُمَّتَهُ على الابتعادِ عن كلِّ ما يُسيءُ إلى أصالتها اللغوية([29])، ويوجهها بعينِ المُجَرِّبِ الخبيرِ إلى ما يُعينها على الحفاظِ على هُويتِها العُروبية، ويُمَكِّنُ لها فيهم: وهو التمسك بتراثها العربيِّ الأصيل لفظاً وأسلوباً وذوقاً، ونبذ كلِّ دعوةٍ مغاليةٍ إلى هجرانه، أو الجَرْيِ وراء كلِّ غريبٍ، والترويجِ له مناسباً كان لنا أم لا. يقول:

لا تَثوروا عَلىْ تُراثِ امْرِئِ الْقَيْـِ
واتركوا هذه المَعاوِلَ بِاللـ
واحْفظواْ اللفْظَ والأساليبَ والذَّوْ
… إنّما الشعرُ قطعةٌ منكَ ليست
كلُّ فنٍّ له مكانٌ وأهلٌ
(م)

(م)

(م)

 

ـسِ، وصونوا ديْباجَةَ الذُّبْيانيْ
ـهِ، فإنيْ أخشىْ علىْ البُنْياْنِ
قَ، وَهاتواْ ما شِئْتُمُ مِنْ مَعاْنيْ
من دماءِ اللاتين واليونانِ
إنْ غَدا العلمُ ما له من مَكانِ

وكَأَنّيْ بشاعرنا الجارم- وهو يستحثُّ على المحافظةِ على الصياغةِ العربيةِ لفظاً وأسلوباً- يثيرُ قضيتين مهمتينِ شُغِلَ بهما نقادُ العربيةِ وعلماؤُها:

الأولى- قضية” اللفظ والمعنى” أو” الدال والمدلول” أو إن شئت فقل: قضيةَ” الشكلِ والمضمون”، وكما هو واضحٌ فإنه ينتصرُ لِلَّفْظِ أو الشكلِ على المعنى، وهو هنا يُذكِّرُنا برأيِ  أديبِ العربيةِ الأكبرِ الجاحظِ الذي كانَ يرى في الشِّعْرِ أنَّ” المعانيَ مطروحةٌ في الطَّريق، يَعْرِفُها الأَعْجَمِيُّ والعربيُّ والقَرَوِيُّ والبدوِيُّ، وإنما الشَّأْنُ في إقامةِ الوزنِ وتَخَيُّرِ اللفظِ وسهولةِ المخرجِ، وفي صحَّةِ الطَّبعِ، وجَودَةِ السَّبْكِ، فَإِنَّما الشِّعْرُ صناعةٌ وضَرْبٌ منَ النَّسْج، وجِنْسٌ من التَّصوير”([30]).

وهذا يَعني أنَّ المعنى قد يكونُ مشتَرَكاً، ولكنَّ التَّمايُزَ والتَّفَوُّقَ يكونُ مجالُهُ في جودةِ الصِّياغة، وفي ضَوْءِ هذا الرَّأْيَ يمكنُ أن نفهمَ قولَهُ I حين طلبَ من الكفارِ أنْ يأتوا بصياغةٍ تُشْبِهُ صياغةَ القرآنِ في أيِّ معنىً، ولو كانَ مَعْنىً مُفْتَرى، وذلك تَحَدِّياً لهم، وبغيةَ إثباتِ عجْزِهمْ عن محاكاةِ الإتيانِ بمثلِ ما آتى نَبِيَّهُ منَ القرآنِ الحكيمِ، يقولُ عَزَّ من قائل:”  أَمْ يَقوْلوْنَ افْتَراْهُ، قُلْ: فَأْتوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيات([31])، صدق الله العظيم.

أما القضيةُ الأخرى فتَكْمُنُ في أنَّ التعبيرَ عن المعاني الجديدةِ يتطلَّبُ ألفاظاً وأَساليبَ تَستمدُّ سلامتها البِنْيَوِيَّةَ والتركيبيةَ من نظامِ العربيةِ الموروث، وكأني به وهو يدعو هذه الدعوةَ يُفْصِحُ عن إيمانِهِ بقدرةِ العربيةِ الفصحى على تجديدِ نفسِها، والوَفاءِ باحتياجاتِ العصرِ الحديثِ من ألفاظٍ ومصطلحاتٍ علميةٍ وحضاريةٍ وفكريةٍ جديدة.

*** لغة القرآن:

ربطَ شاعرُنا الجارمُ العربيةَ بالقرآن الكريم، فهي عنده لغةٌ دينيةٌ مقدسةٌ سيتولاها اللهُ- بلا ريب- بالرعايةِ والحمايةِ، حيثُ يسخِّرُ لها من عبادهِ من يتولى خدمتها، يقول في قصيدته” المجمع اللغوي“( البحر الرمل):

لغةُ القرآنِ تُزْهىْ شَرَفاً
حِكْمَةُ المَأْمُونِ عَادَتْ دارُها
مَجْمَعُ الفُصْحَى تَجَلَّى مُشْرِقاً
هُو في مِصْرَ مَنارٌ كُلَّما
أَنَّ حاْميْ الدّيْنِ والْمُلْكِ حَماْها
بِابْنِ إِسْماعيلَ مِنْ بَعْدِ بِلاَها
في سَماءِ الْمَجْدِ مُجْتَازاً سُهاها
أَرْسَلَ الأضواءَ في مِصْرَ هَداها

 *** لغةُ الخُلْد:

ليس غريباً أَنْ نرى الجارمَ يُلقِّبُ هذهِ اللغةَ التي ربطها بالقرآن الكريم بأَنها” لغةُ الخُلْد”، يقول في قصيدة” الزفاف الملكي([32]): ( البحر الخفيف):

آنَ يا شِعْرُ أَنْ تُغَنّيْ فَأَرْسِلْ
أَسْكِتِ الصّادِحاتِ يَهتفْنَ في الدَّو
…واصْعَدِ الجَوَّ للسَّمواتِ وَانْقُلْ
حَفِظَتْ رنَّةً وَقَدْ رَدَّدَتْها
 

(م)

مِنْ قَوافيكَ ما يَهُزُّ الوُجودا
حِ وَكُنْ في عِشاشِها تَغْريدا
لُغَةَ الخُلْدِ إِنْ مَلَكْتَ صُعودا
فَابْعَثِ اللَّحْنَ جارِمِيّاً جَدِيدا

*** لغة الضاد:

التفت الشاعرُ إلى تسميةِ جمهرةِ علماءِ العربيةِ وأدبائها اللغةَ العربيةَ باسم” لغة الضاد”، وكرر الإشارةَ إلى هذه التسميةِ أو هذا اللقبِ في ديوانهِ غير مرة([33])، كما في قصيدته” المجمع اللغوي“، حيث يربط فيها فصاحةَ العربيةِ وارتقاءَها باتخاذِ القرآنِ لها لساناً يُعَبِّرُ عن مضامينِ الدينِ الإسلامي الذي جاء كتاباً له، ويشيرُ إلى أثرِ الإسلامِ في نشرها فصيحةً بين الأمم ولاسيما في العهدين الأموي والعباسي، قال🙁 البحر الرَّمَل)

نَزَل القُرْآنُ بالضَّادِ فَلَوْ
حَسْبُها أَنْ صَوَّرَتْ من آيِهِ

وَبنُو مَرْوَانَ للّهِ هُمُ
…بَلَغَتْ بنتُ قُرَيْشٍ ذِرْوَةً لَمْ يَكُنْ فِيهَا سِواهُ لكَفَاها
مُعْجزاتٍ عَظُمَتْ أنْ تَتَنَاهى
عُدَّةُ الفُصْحَى وحُرَّاسُ حِماها
بِبَني العَبَّاسِ صَعْباً مُرْتقَاها([34])

وجاء هذا اللقب في قصيدته” من شاعرٍ إلى شاعر” التي مدح فيها ممدوحه أحمد شوقي في حفلِ تكريمهِ وتتويجهِ إِمارةَ الشعر، حيثُ يصفه بأنه” بطلُ الضّادِ“، فيقول🙁 البحر المتقارب)

فَغَرِّدْ كَما شِئْتَ لاْ فُضَّ فوْكَ وَعِشْ بَطَلَ الضّاْدِ مِغْوارَها

ونراه في خطابه لـ” مجمع اللغةِ العربيةِ” يُلَقِّبُهُ بِـ” مَجْمَعِ الضّادِ“، فيقول في قصيدته” تكريم([35])🙁 البحر الخفيف)

مَجْمَعُ الضّاْدِ يَرْفَعُ الرَّأْسَ فيْ زَهْوٍ بِآراْئِهِ وَصِدْقِ أَناْتِهْ

وفي قصيدةٍ أخرى له بعنوان:” رثاء أنطون الجميّل باشا“، يقول🙁 البحر الخفيف)

مجْمعَ الضّادِ كُنْتَ للضّادِ فيهِ عَلَماً يُحْسِرُ الْعُيوْنَ وَرُكْناْ

ولقبها أيضاً بلقب” شيخة الضاد” في قصيدته” اللغة العربية“، وذلك حين قال: ( البحر البسيط)

يا شِيخَةَ الضّادِ وَالذِّكْرى مُخَلِّدَةٌ
هُنا تَخُطّونَ مَجْداً ما جَرى قَلَمٌ
هُنا يُؤَسَّسُ مَا تَبْنونَ لِلْعَقِبِ
بِمِثْلِهِ في مَدى الأَدْهارِ([36]) وَالْحِقَبِ

وسيتكررُ قَرْنُ العربيةِ بالضاد في ديوانِ الجارمِ في مواضعَ أخرى من ديوانهِ على النحوِ الذي ورد إحصاؤه أو سَيَرِدُ ذِكْرُهُ في هذهِ الدراسة.

*** لغة الفن:

تشكلُ اللغةُ العربيةُ- عند شاعرنا- وِعاءً صالحاً لمضامين الجمالِ؛ فهي لغةُ الفنِّ والسِّحْرِ والإلهام التي تشرحُ الصُّدور، وتنيرُ للعقولِ مسالكَها، يقول في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم“:( البحر الخفيف)

يا ابْنةَ الضّادِ أَنْتِ سِرٌّ منَ الْحُسْنِ تَجَلّىْ عَلىْ بَنيْ الإنْسانِ
كُنِتِ فيْ الْقَفْرِ جَنَّةً ظَلَّلَتْها
لُغَةُ الْفَنِّ أَنْتِ وَالسِّحْرِ والشِّعْرِ
حاْلِياْتٌ مِنَ الغُصوْنِ دَواْنيْ
وَنوْرُ الحِجا، وَوَحْيُ الْجِنانِ([37])

*** لغة الغرام:

وإذا كانت العربيةُ” لغةَ الفن” والجمالِ فهي لغة الغرامِ التي تَتَّسِعُ مفرداتُها لمعاني الغزلِ التي تَفيضُ بها أفئدةُ العُشّاق، وكانَ مِنْها ما دَفَقَ بهِ فؤادُ الجارمِ، وترنَّمَ بهِ لِسانُهُ الذَّرِبُ نحوَ حسناواتِ لبنان، يقول في قصيدته” لبنان([38]): ( البحر الكامل):

ماْ الْفِتْنةُ الشَّعْواْءُ إِلا أَعْيُنٌ
داْفَعْتُ بِالْغَزَلِ الْحَنوْنِ لِحاْظَهاْ
وَبَعَثْتُ أَنّاْتيْ وَقُلْتُ لَعَلَّهاْ
فَتَجاْهَلَتْ لُغَةَ الْغَرامِ وَتاْبَعَتْ
عاْدَتْ إِلَيَّ حَبائِليْ فَلَمَمْتُهاْ
سوْدٌ تَلأْلأَ في ْوُجوهِ مِلاحِ
شَتّانَ بَيْنَ سِلاحِهاْ وَسِلاْحيْ
تُغْنيْ إِشاْرَتُهاْ عَنِ الإِفْصاْحِ
خُطُواْتُهاْ فيْ عِزَّةٍ وَشِياْحِ
وَرَضيْتُ مِنْ ضَحِكِ الْهَوى ْبِنُواْحيْ

*** لغة القوة والمجد:

وتعبيراً عن مقدرةِ العربيةِ على التعبيرِ عن مضامينِ الحياةِ المختلفةِ- إِنْ سلْماً وإِنْ حَرْباً- يلتفتُ شاعرُنا في بيانِهِ إلى تأثيرِ الكلمةِ العربيةِ في سامعيها، فهي مستمدةٌ من براثن القوةِ التي تُلْقي الرعب في قلوب الأعداء، وتدفع بأهلِها إلى دُروبِ المَجْدِ والخلود، يقول في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم“:

رُبَّ جَيْشٍ منَ الحَديْدِ تَوَلّىْ
وَبَياْنٍ بَنىْ لِصاْحِبِهِ الْخُلْـ
وَقَصيْدٍ قَدْ خَفَّ حَتّىْ عَجِبْتُ
بَلَغَ الْعُرْبُ بِالْبَلاْغَةِ وَالإِسْلامِ
 

(م)

واْجِفَ القلْبِ مِنْ حَديْدِ اللسانِ
ـدَ مُطِلاً مِنْ قِمَّةِ الأَزْمانِ
كَيْفَ ناْلَتْهُ كِفَّةُ الأَوْزانِ
أَوْجاً أَعْياْ عَلىْ كيْوانِ

****     ****    ****

اللغـة والوَحْدَة

(3)

تُشَكِّلُ اللغةُ- أَيَّةُ لُغةٍ- رابِطاً مَتيناً يَجْمَعُ بينَ المُتَّحَدِّثينَ بها، وَيُرَسِّخُ جذورَ الوَحْدةِ، وَيُقَوّي أَواصِرَها بَيْنَهُمْ، وقد وعى الجارمُ أثرَ اللغةِ في تَوحيدِ المُتكَلِّمينَ بها، أو التَّقريبِ بينهم بصفةٍ عامَّة، وفي هذا السِّياقِ وجدناهُ يَتحدَّثُ عن أثرها في أبناءِ العروبةِ والإسلام، وذلك على النحو الآتي:

**** اللغةُ والوطن:

ونراه في قصيدته” إبراهيم بطل الشرق”([39]) لا يفرقُ بين الوطن واللغة، فحدود أرض العرب- كما يرى- هي حدود لغتهم، فيقول( البحر الطويل):

يقولون: قِفْ بالجيشِ ماذا تُريدُهُ؟ وماذا تُرَجّيْ مِنْ وراْ السَّباسِبِ؟
فقال: إلى أَنْ تَنْتَهيْ الضّادُ أَنْتَهيْ وحيثُ تسيرُ العُرْبُ تَسْريْ نَجائِبيْ

 

 

 

**** اللغةُ والعروبة:

تُشَكِّلُ اللغةُ عند شاعرِنا الجارمِ أُسّاً نَسَبِيّاً أصيلاً في الربطِ بين أهلها، وقد رأيناهُ- في غيرِ موضعٍ من ديوانه- يتغنى بهذا المعنى في الربطِ بين أبناءِ اللغةِ العربية، ففي قصيدته” إلى روح داود بركات([40]) وجدناه يقول: ( البحر الوافر)

وفي الفصحى لَنا نَسَبٌ كريمٌ كَقُرْصِ الشَّمسِ شَمّاخُ السَّناءِ

ويقول في قصيدته” تحية إلى دار الإذاعة: ( البحر الكامل)

جَعَلوْا مِنَ الفُصْحىْ وَمِنْ آياْتِها نَسَباً مُضيئاً كالنَّهارِ الضّاحيْ

ويؤكد الجارمُ هذا الدور البليغ الذي تؤديه الفصيحةُ في تجذير أواصر القرابةِ بين المتحدثين بالعربيةِ فيشير إلى مبلغِ تأثيرها في تقريبهمْ من بعضِهِمْ بعضاً دون أيِّ معوِّقاتٍ يمْكنُ لها أنْ تُعَكِّرَ حبائلَ التواصلِ بينهم؛ لذا فإننا نراه يخاطبُ القادمين إلى بلده” مصر” مُعْلِناً لهم حُبَّ أَهلِ مصرَ لهم، وأنَّهم فيها بين أهلهم الذين تربطهم بهم رابطةُ اللغةِ التي تَجْمَعُهُمْ على المَحَبَّةِ، وتُؤلِّفُ قلوبَهُمْ، وتُذيبُ حدودَ أمكِنَتِهِم، يقول في قصيدته” مصر([41])🙁 البحر الخفيف)

أَيُّها الوافِدونَ مِنْ أُمَمِ الشَّرْ
اِهْبِطوا مِصْرَ، كمْ بِها مِنْ قُلوبٍ
قد رَأينا فيْ قُرْبِكُمْ يَومَ عيدٍ
إِنَّ مِصْراً لَكُمْ بِلادٌ وَأَهْلٌ
جَمَعَتْناْ الفصحىْ فما مِنْ وِهاْدٍ
يَصِلُ الحُبُّ حَيْثُ لاتَصِلُ الشَّمْـ
(م)

 

 

 

 

(م)

قِ وَأَشْبالِهِ الأُباةِ الصّيْدِ
شَفَّها حُبُّكُمْ، وَكَمْ مِنْ كُبودِ
قَرَنَتْهُ المُنىْ إلى يَوْمِ عيدِ
ليس في الحُبِّ بيننا من حُدودِ
فَرَّقَتْ بيننا وَلا مِنْ نُجوْدِ
ــسُ، وَيَجْتازُ شامِخاتِ السُّدوْدِ

وإذا كان للفصيحةِ هذا الدورُ السَّلِسُ بل الأثرُ الطَّيِّبُ في توحيدِ أهلِها فلا غرابةَ مِنْ أنْ تكونَ هادِيَتَهُمْ إلى صوابِ التَّصالحِ والتّآلفِ إذا ما بَدا بينهمْ أيُّ خُلْفٍ أوْ سوء تفاهُم؛ فهي منهم وإليهم، ولغةُ حياتِهِمْ وهمزةُ وَصْلِهِمْ التي يتناغمون بِها فيْ سَرّائِهِمْ وَضَرّائِهِمْ، يقول في” تحية دار الإذاعة“:( البحر الكامل)

الضّادُ تَجْمَعُهُمْ وَتَرْأبُ صَدْعَهُمْ سِيّانِ في الأفْراحِ والأتْراحِ

وقد كرر الجارم إيمانه بدور اللغة في توحيد الأمة العربية والافتخار بمحاسنها وضرورةِ صيانتها في غير مقامٍ شعري([42]).

**** اللغةُ والإسلام:

وإذا كنا قد عشنا مع شاعرنا رأيَهُ في أثر الفصحى في توثيق عُرى الروابطِ بين أبناء العروبةِ فإننا نراه يتقدمُ خُطْوَةً أخرى أوسع مدىً يَعْضُدُ بها سابقتَها، وهي التنبيهُ إلى وَصْلِ لغةَ الضّادِ بالدّينِ الإسلاميّ، وأنها تُشكِّلُ رابطةً عَقَدِيّةً لأبناءِ الديانةِ الإسلامية، يقول الجارمُ في قصيدته” مصرُ تُعَزّيْ العراق“:( البحر الطويل)

إخاءٌ على الفصحىْ تَوَثَّقَ عِقْدَهُ وَشُدَّتْ على الإيْماْنِ أَطْراْفُهُ شَدّاْ

ووجدناهُ يعززُ هذه الصلةَ بمخاطبته أهلَ الحَرَمِ فيذكّرهم بأواصر النسب التي تربطه بل تربط أهلَ العربيةِ جميعَهم بهم على امتداد التاريخ، وأنَّ القرآنَ الكريمَ الذي نزل على نبي الإسلام في بلدهم موطِنِ الحرم جاء وَعَزَّزَ هذه الرابطةَ عقيدةً دينيةً، قال في قصيدته” اللغة العربية:( البحر البسيط)

يَا جِيرَةَ الْحَرَمِ المَزْهُوِّ ساكِنُهُ
لِي بيْنَكُمْ صِلَةٌ عَزَّتْ أواصِرُها
أرى بعَيْنِ خَيالي جاهِليَّتكُمْ
سقى العُهودَ الْخَوالي كُلُّ مُنْسَكِبِ
لأَنَّها صِلَةُ القُرآنِ وَالنَّسَبِ
ولِلتَّخيُّلِ عَيْنُ القَائِفِ الدَّربِ

 و في قصيدته” المَجْمَع اللغوي” قرأناه يشيرُ أيضاً إلى صلةِ اللغةِ العربيةِ بالقرآنِ الكريمِ حين قال🙁 البحر الرمل)

نَزَلَ القُرْآنُ بِالضّادِ فَلَوْ
حَسْبُها أنْ صَوَّرَتْ مِنْ آيِهِ
لَمْ يَكُنْ فيها سِواهُ لَكَفاها
مُعْجِزاتٍ عَظُمَتْ أَنْ تَتَناهىْ

كما يمتدُّ تدَبُّرُهُ في معاني القرآنِ الكريمِ إلى ربْطِهِ العروبةَ والقرآنَ بجوهرِ الحياة: وهو الماءُ أساسُ كلِّ شيءٍ حَيّ، يقولُ في قصيدته” السودان([43]) ( البحر البسيط):

ظِلُّ العروبةِ والقرآنِ يَجْمَعُنا وَسَلْسَلُ النّيلِ يُرْويهِمْ ويُرْوينا

وإذا كانت العربيةُ لغةَ العروبةِ والإسلامِ فإنَّ شاعِرَنا- في رأينا- يربطُ بينَها وبينَ الحياة برباطٍ وثيق، ويرى ضرورَتَها لأيّةِ حياةٍ عربيةٍ وإسلامية، واستحالةَ فنائها؛ لأنها خالدةٌ باقيةٌ مادامَ القرآنُ موجودا، وقد سبق له- كما رأينا- أنْ سمّاها” لغة الخلد”، وكما نرى نحن اللغويين فإنَّ حياةَ أيِّ مجتمعٍ لا يُمْكِنُ أنْ تنهضَ بل تقومَ دونَ اتِّصالٍ لُغويٍّ يعبِّرُ عن أفكار أهْلهِ وأحوالِهِمْ.

وفي مقام بيانِ أثرِ الدّينِ الإسلاميِّ في اللغةِ العربيةِ وإكسابِها طابَعاً روحيّاً نراه يلفت إلى أثرِ الرسولِ محمدٍ r، فيقول:

وجَرى في الأرْض يَنْبُوعُ هُدىً
قَلَّدَ الفصحى حُلىً قُدْسِيَّةً
وَبياناً هاشِمِيّاً لَوْ رَمىْ
أَسْهُمٌ مِنْ كَلِمٍ مَسْنوْنَةٌ
بعد أَنْ حَرَّقَها حَرُّ صَدَاها

فَزَهاها مِنْ حُلاها ماْ زَهاها
قُلَلَ الأَجْيالِ لانْهَدَّتْ قُواها
جاهَدَتْ فيْ اللهِ واللهُ بَراها

كما يتابعُ في عَرْضٍ تاريخيٍّ مُبْدِعٍ الحديثَ عن دَورِ العربِ المسلمينَ في الارتقاءِ باللغةِ العربية، ونراه يشيرُ- في هذا المقام- إِلى دور الأُمويينَ ولاسيما بني مروان، والعباسيين من بعدهم، فيقول:

وَبنوْ مروانَ للهِ هُمُ
رُبَّ مَأْثورٍ لَهُمْ وَدَّ لَهُ
… بَلَغَتْ “بِنْتُ قُرَيْشٍ” ذِرْوَةً
عُدَّةُ الفصحى وَحُرّاسُ حِماها
صَدَفُ اللؤلُؤِ لَوْ كانَ شِفاْها
بِبَنيْ العَبّاْسِ صَعْباً مُرْتَقاْها

وكما سنرى في هذه الدراسةِ فإنَّ شاعرَنا يتابع التأريخَ لمسيرةِ اللغةِ العربيةِ في ظِلِّ تَوالي المؤامرات والنكباتِ التي حَطَّتْ بالمسلمينَ بعد سقوطِ الخلافة العباسيةِ في بغدادِ، وتَرَكَّزَ كثيرٌ منها على إضعافِ لغتهم العربية، حيث وصل الأمرُ في العصرِ الحديثِ إلى بذلِ المحاولاتِ لإرغامِ أهلِها على التخلي عنها.

على أنَّ الأمرَ لم يَسِرْ على نحوِ ما خَطَّطَ الأعداء، وفي هذا المقامِ نرى الجارمَ يُشيدُ بدورِ أبناءِ العروبةِ ومؤسساتِهمْ في السَّعيِ إلى بَعْثِ القوةِ في لغتِهِمْ، والعودةِ بها إلى سيرتِها القوية، وذلك على النحو الذي تتحدثُ عنه سطور هذه الدراسة.

**** ضياعُ اللغةِ ضياعٌ للأُمَّةِ:

تشكِّلُ اللغةُ- عند الجارم- معادلاً موضوعيّاً لأهلها؛ فإهمالُهُمْ لها يعني- في وجهةِ نظرهِ التي نراها صائبةً جدّاً- تَنَكُّبَهُمْ سُبُلَ النَّجاح؛ لأنَّهُ يبتعدُ بِهِمْ عن جذورِهمْ التي ينبغي عليهم الحفاظُ عليها ، يقول في قصيدتهِ” لبنان([44]):

ماْ أَنْكَرَتْ أُمَمٌ لِساْنَ جُدودِهاْ يَوْماً وَساْرَتْ فيْ طَريْقِ فَلاْحِ

****    ****    ****

مِنْ مُقَوِّماتِ الحِفاظِ على الفصيحةِ

(4)

وقف الجارمُ عند بعض العناصر أو المقومات التي يُمْكِنُ من خلالِها حِمايةِ اللغةِ منَ الضَّعفِ أو الانحلال، وبَثِّ روحِ الحياةِ فيها، وتقويتِها، وجعلِها قادرةً على الاستمرارِ في الاستجابةِ لاحتياجاتِ أهِلها منها، ومن أَهمها:                                         

***** بعث الفصيحةِ على ألسنةِ الشَّباب:

يَتَّجِهُ شاعِرُنا بِحِسِّهِ العُروبِيِّ إلى ضرورةِ إحياءِ الفصيحةِ على ألسنةِ الشبابِ: هذه الشريحةُ المجتمعيةُ المهمةُ التي تُشَكِّلُ الأملَ في مستقبلٍ نامٍ لِعربيةٍ سليمةٍ تتناقلها الأجيالُ جيلاً جيلا، فهو يرى أنَّ عقدَ مؤتمرٍ يجتمع فيه الشبابُ يجيءُ مجالاً لفخارِ الفصيحةِ وبشاشتِها بمآثرها، يقول في قصيدته” العروبة“( البحر البسيط):

بني العروبة مدّوا للعلوم يداً

جَمَّعْتُمُ لِشبابِ الشَّرْقِ مؤتَمراً

فلن تُقامَ بغيرِ العلمِ أركانُ
بِمِثْلِهِ تَزْدَهيْ الفُصْحىْ وَتَزْداْنُ

وينبه إلى أنَّ اجتماع الشبابِ([45]) يشكل فرصةً طيبةً لتوحيدِ نهجهم، وحثهم على التنافسِ والتعاونِ فيما بينهم، ويراهُ تربةً صالحةً لغرسِ الفصيحةِ فيهم، يقول:

فَقَرِّبوا نَهْجَهُمْ فَالرّوْحُ واْحِدَةٌ
لاْ تَبْتَغوا غَيْرَ إِتْقانٍ وَتَجْرِبَةٍ
وَحَبِّبوا لُغَةَ الْعُرْبِ الْفِصاحِ لَهُمْ
قوْلوا لَهُمْ: إِنَّهاْ عُنْوانُ وَحْدَتِهِمْ
وكمِّلوهم بأخلاقٍ ومَرْحَمةٍ
وَكُلُّهُمْ فيْ مَجاْلِ السَّبْقِ أَقْرانُ
فَقيْمَةُ النّاْسِ تَجْريبٌ وَإِتْقانُ
فَإِنَّ خِذْلانَها للشَّرْقِ خِذلانُ
وَإْنَّهُمْ حَوْلَها جُنْدٌ وَأَعْوانُ
فإنّما المرءُ أخلاقٌ ووِجْدانُ

على أنه- وهو يتلَّمَّسُ تنميةَ اللغةِ الفصيحةِ فيهم- يدركُ بحسِّهِ العروبيِّ المُرْهَفِ أنَّ هناكَ مُعِّوقاتٍ قد تُعرقِلُ طريقَ الفَلاحِ في هذه المهمَّةِ العُروبيةِ تَتَوَجَّبُ إِزاحَتُها حتى تتمكنَ ألسنةُ الشبابِ من الاجتماعِ على لسانٍ واحدٍ يتمكنون به من التعبيرِ عن حيواتهم الحاضرة، ويجتمعون به على موائدِهِمْ الفكريةِ التي تجمع شملهم، يقول في قصيدتهِ” اللغة العربية ودار العلوم“( البحر الخفيف):

ذَلِّلوا للشَّبابِ مُسْتَعْصِيَ الفُصْـ
وانثُرُوها قلائداً وعُقُوداً

(م)ـحىْ فَإِنَّ الرَّجاْءَ فيْ الشُّبّاْنِ
تتَحدى قَلائدَ العِقْيانِ

وتراه في مقامٍ شعريٍّ آخرَ يلفتُ إلى ضرورةِ تهذيبِ العربيةِ الفصيحةِ ولَمْلَمَةِ شَمْلِها، واختيارِ مفرداتِ كنوزِها الصافية، وكأنّيْ بهِ وهو الشاعرُ المرهفُ الحسِّ، واللغويُّ المَجْمَعِيُّ الضَّليعُ الذي جال نظرُهُ وتَقَلَّبَ فكْرُهُ في بُطونِ مُتونِ معجماتها المتضخمةِ قد أحسَّ بما قد ينوءُ أكثرُ مجتمعِ الشبابِ اليافعِ باستيعابه، وَتَضيقُ صُدوْرُهُمْ بحاجاتهِ الزَّمنيةِ- في زمن المادَّةِ والاقتصادِ-؛ لذا فإننا نراه يمتدحُ جهودَ لغويّي لبنان في تيسيرِ الفصيحةِ وتهذيبِ معجماتها، فيقول في قصيدته التي جاءت بعنوان” لبنان الثائر“:( البحر الرَّمل):

 ليس للسيفِ على حدَّته
هَذَّبواْ
الْفُصْحىْ وَلَمّواْ شَمْلَها
جَمّعوْهاْ حُلْوَةَ الْجَرْسِ كَما
أنتَ يا لُبْنانُ عَزْمٌ ونُهىً
صَوْلةُ الشعْر ووَخْزُ الخُطَبِ
بَعْدَ أَنْ كاْنَتْ صَدىً فيْ سَبْسَبِ
تَجْمعُ النَّحْلَةُ حُلْوَ الضَّرَبِ
ج
لستَ من صخرٍ ولا من حَصَب

***** نبذ الدخيل:

يقف شاعرُنا العُروبِيُّ عندَ قضيةٍ لُغويةٍ مُهِمَّة، وهي قضيةُ دخولِ الألفاظِ الأجنبيةِ في لغتنا العربية، وقد شَغلتْ فِكْرَنا اللغويَّ قديمَهُ وحديثَهُ، وازدادَ الانشغالُ بها في عصرِنا الحديث، وخاصَّةً عندما ارتبطتْ بدعواتِ المستعمرينَ وَمَنْ لَفَّ لِفَّهُمْ إلى فتحِ الأبوابِ على مصاريعِها لِدخولِ الألفاظِ الدخيلةِ بسلامٍ في الحياةِ العربية، واتّهامِ اللغةِ العربيةِ بالضعفِ، وعدمِ القدرةِ على الاستجابةِ لمتطلباتِ العصرِ الحديثِ العِلْميةِ والحضاريَّة.

ومن الطَّبَعِيِّ ألا تروقَهُ هذهِ الافتراءاتُ، وهو الرجلُ المعتزُّ بعروبتهِ ولغتِها التي بَهَرَهُ نِظامُها وَجَمالُها، وآمن بصفاءِ نَسَبِها العربي، فَشَغَلَ نَفْسَهُ بدراستِها؛ لِتِبيانِ أسرارِها، والكشفِ عَمّا يقرِّبُها منْ مُتَحَدِّثيها.

أقول:

وقف الرجل غيوراً على شَرَفِ لغته، وسخَّرَ- في غيرِ مقامٍ- لسانَهُ الذَّرِبَ وقلمَهُ المِطْواعَ للذَّبِّ عنها، والرَّدِّ على أعدائها، وكان مِنْ ذا ما قالهُ في قصيدته” اللغة العربية“:

أَ نَتْرُكُ الْعربِيَّ السَّمْحَ مَنْطِقُهُ إلى دَخيْلٍ منَ الألفاظِ مُغْتَرِبِ؟
وَفيْ المَعاجِمِ كَنْزٌ لا نَفادَ لَهُ لِمَنْ يُمَيِّزُ بينَ الدُّرِّ والسُّخُبِ

وكما هو واضحٌ فإنَّ شاعرنا يستهجنُ على العَرَبِيِّ التَّخَلِّيَ عنْ ميراثِ لسانِهِ العَرَبِيِّ إلى لسانٍ آخرَ غريبٍ عنهُ، وهو حين يقفُ هذا المَوْقِفَ داعياً أبناءَ العروبةِ إلى نبذِ الدَّخيلِ لا يَصْدُرُ عَنْ عاطفةٍ لا تَسْنُدُها حُجَّةٌ مُقْنِعَة؛ فهو الرجلُ العُروبيُّ الذي عايشناهُ- في هذه الدراسة- يؤمنُ بِنسَبِ لغتهِ العربي، ومنَ الطَّبَعِيِّ أَنْ يَسعى إلى تجذيرِ هذهِ الرابطةِ النَّسَبِيَّةِ في مختلِفِ العصور، ولا يَتِمُّ ذلكَ إلا في إطارِ المحافظةِ على نظامِ اللغةِ الموروث، وتنقيتِها منْ أيِّ عناصرَ غريبةٍ عنها، والاعتمادِ على قدراتِها الذّاتيَّةِ في الإضافةِ إلى متنها.

وإذا كان شاعرنا الجارمُ- كما لَحَظْنا في هذهِ الدراسة- قد ربطَ اللغةَ بالعِرْقِ والعقيدةِ الإسلاميةِ والإيمانِ بها فإنَّهُ- بلا رَيْب- يَرىْ أَنَّ الذَّوْدَ عن اللغةِ العربيةِ يُشكِّلُ ذَوْداً عنْ كلِّ هذهِ المعاني بل القيمِ النبيلةِ التي لا يُمْكِنُ للعربيِّ الأصيلِ أنْ يقبلَ وَسْوَسةَ التَّخَلّي عنها أو القولِ بِضَعْفِها.

على أنَّ شاعرنا- في هذا المقامِ الشِّعْرِيِّ- نراهُ يستندُ في تمسُّكِهِ بلغتهِ على:

سهولةِ اللغةِ العربيةِ، وانْقيادِها لِمُتَحَدِّثيها؛ فَهي لغةٌ” سَمْحَةُ المَنْطِق”: أصواتُها مُبينةٌ، وأبنيتُها مِطْواعَةٌ، وَتراكيبُها سَلِسَةٌ، ومعانيها واضحة؛ الأمرُ الذي يُحَبِّبُها للناس، ويزيدُ من تمسُّكِهمْ بها، وإيلافِهِمْ لها.

وإذا جازَ لنا أنْ نَسْتَشِفَّ من لفظِ” السَّمْح” الواردِ في صَدْرِ البيتينِ السّابِقَيْنِ دلالاتِ الرَّبْطِ بينَ العربيةِ والإسلامِ فإنَّهُ يُمْكِنُ القولُ بأنَّ شاعرَنا يريدُ أَنْ يلْفِتَ إلى ثلاثةِ أمورٍ:

    الأول- يتمثَّلُ في أنَّ سماحةَ الإسلامِ تَطَلَّبَتْ لغةً تَتَّسِمُ بهذهِ السِّمَةِ المُتَمَيِّزَةِ.

    الثاني- يتضحُ في قدرةِ العربيةِ على التَّعبيرِ عن دلالاتِ تعاليمِهِ السَّمْحَةِ، وإتقان غيرِ أهلِها منَ المسلمينَ لها، وبلوغِ كثيرٍ منهم فيها من التَّضَلُّعِ مبلغاً كبيراً مَكَّنَهُمْ من التأليفِ فيها في مختلِفِ المجالات، وإنَّ نجاحها في هذا المجالِ لَيُعَزِّزُ الإيمانَ بهذهِ الخاصَّةِ فيها.

    الثَّالث- يتَّضِحُ في أثرِ الإسلامِ في خصائصِ اللغةِ العربيةِ، وذلك بإكسابِها قدراً زائداً من السَّلاسةِ وتوحيدِ لهْجاتِ أهلِها في لغةٍ فصيحةٍ واضحةِ الألفاظِ والتراكيب، وتمكينها من التعاملِ مع مجالاتٍ جديدةٍ ومُتَنَوِّعَةٍ لمْ يكنْ لِيُقَدَّرَ لها التَّعَرُّفُ عليها لو لمْ يأمرهم اللهُ بنشرِ دينِهِ بينَ الناسِ أجمعين.

غُرْبَة الألفاظِ الأجنبيةِ عن الطَّبعِ العربيِّ الذي ألِفَ لغةً ورثها عن أجداده، اتخذت بِنُزولِ القرآنِ بها طابعاً قدسيّاً جعلها ترتبط بعقيدته، وجعل التَّنازلَ عنها حَراماً؛ لأنه تفريطٌ بلغةِ دينهِ، وتنازلٌ عنها إلى لغةٍ غريبةٍ لا يَدينُ أهلُها بدينهم الذي يتمسكون به.

– غِنى مَتْنِ العربية، فهي اللغةُ الغَنِيَّةُ بمفرداتها، ومعجماتها التي تشكِّلُ كنوزاً حَوَتْ منَ الدُّرَرِ التي يُغْني استخراجُها واستعمالُها عن الاستعانةِ بمفرداتِ لغاتٍ غريبة([46]).

       وقد عبَّرَ الرجلُ عن إيمانهِ بحيويةِ العربيةِ” أمّ اللغات” وقدرتِها على الوفاءِ بمتطلباتِ أهلِها منها، فقال في خِتامِ قصيدتهِ” أعلام المجمع“:

وما عَقِمَتْ أُمُّ اللغاتِ ولا خَلَتْ خَمائِلُهاْ مِنْ سَجْعِ كلِّ مُطَوَّقِ

وإذا كان هذا هو أمرُ العربيةِ عنده فإنك تراه لا يَمَلُّ منَ الافتخارِ بلغتهِ العربيةِ التي تزخر بالمفرداتِ والأساليبِ المُبينةِ البليغة، والدِّفاعِ عنها، وشَحْذِ هِمَمِ أبنائها في المناسباتِ المختلفةِ لِبعثها في لغةِ الطب والعلومِ؛ إحياءً لإنجازِ أسلافهمْ في هذا المجال.

وفي سياقِ إيمانِ الجارم بقدرة العربيةِ وأبنائها على الارتقاء بها لساناً علمياً رأيناه يحتفي بالمؤتمراتِ الطبية التي عُقدت في البلدان العربية؛ لأنه رأى فيها سوقاً رائجاً يُذيعُ فيها أفكارَهُ الوحدويةَ ولاسيَّما التَّمَسُّكَ بالمصطلحِ العربيِّ، وخَلْقَ اللغةِ العربيةِ العِلْمِيَّةِ، وإعمامَ جَعْلِها لغةَ علومِ الطِّبِّ وغيرها منَ العلومِ المتجددةِ، يقول– في حفلِ افتتاحِ المؤتمر الطبيِّ الذي عُقِدَ في بيروت في صيف سنة 1944م- مخاطباً علماءَ العربيةِ في قصيدته” لبنان“:( البحر الكامل):

وَانْفواْ عنِ الطِّبِّ الرَّطانةَ إِنَّهاْ
كمْ في حِمى الفصحى وَبينَ كُنوزِها
ما أَنْكَرَتْ أُممٌ لسانَ جُدودِها
نَمَشٌ يَعيْثُ بوجهها الوَضّاحِ
مِنْ مُشْرِقاتٍ بالبَيانِ فِصاْحِ
يوماً وسارتْ فيْ طريقِ فَلاحِ

****    ****    ****

 

دَوْرُ الأَفْراْدِ والمُؤَسَّساتِ فيْ خِدْمَةِ العَرَبِيَّةِ

(5)

التفتَ الجارمُ إلى دَوْرِ الفردِ أو المؤسسةِ في مجالِ خدمةِ اللغة، ونرى أنَّ صنيعَهُ في هذا المجالِ يَصُبُّ في دَعمِ اللغةِ العربية؛ لأنهُ يُشكِّلُ حَثّاً لأنصارٍ آخَرينَ يَتنبهونَ لضرورةِ اقتفاءِ أثرِ سابِقـيهِمْ في دَعْـمِ العربيةِ والنهوضِ بها، هذا ويمكنُ عَرْضُ أهمِّ ما جاء عنه في هذا المقام على هذا النحو:

التَّنْويْهُ بِدَوْرِ الأَفْرادِ:                        

لم يفتِ الجارمَ في إبداعهِ الاعترافُ بأثرِ الحُكّامِ في النهوضِ باللغةِ العربيةِ، ومدِّها بمقوِّماتِ العَيْشِ والنّماء، سواءٌ بدعمِ علمائِها أمْ بإنشاءِ المؤسساتِ التي تُعْنى بها، وقد وجدناه في السطورِ السابقةِ يُنَوِّهُ- بصفةٍ عامَّةٍ- بدورِ حكامِ الأُمَوِيينَ والعَبّاسِيين ودولةِ محمدِ عليٍّ في مصر في خدمةِ العربية.

       وكذلك وجدناهُ يقفُ عندَ كثيرٍ من أعلامِ اللغةِ والأدبِ والفكرِ والصحافة- سواءٌ من أبناءِ العروبةِ أم غيرِهِمْ- وينوهُ بدورِهِمْ في مجالِ خدمةِ اللغةِ العربية، ووجد في مجالِ رِثاءِ هؤلاءِ الأعلامِ مجالاً خصباً يبينُ فيهِ ما امتازَ بهِ كلٌّ منهم من عطاء، ومنْ أهمِّ المُحْدَثينَ الذين نوَّهَ بدورهم في هذا المجال:

الإمام محمد عبده( 1849- 1905م):

تَلْمذ شاعرنا للإمام محمد عبده في الأزهر الشريف، وأدرك التلميذ في أستاذهِ تمايزاً متميزا، والتفت بِحِسِّهِ اللغويِّ كيف تَمَكَّنَ الإمامُ من تطويع العربيةِ للتعبيرِ عن فكرهِ الإصلاحي، يقول في قصيدته” إلى الأستاذ الإمام([47]) لافتاً إلى أثرِ الإمامِ فيه:( البحر البسيط):

مَوْلايَ عَلَّمْتَنيْ كَيْفَ الثَّباتُ إذا
عَلَوْتَ فازْدَدْتَ بينَ الناسِ مَعْرِفةً
وَأَصبحَ الدّيْنُ تَيّاهاً بِناصرِهِ
لَمْ يتْرُكِ الرُّعْبُ قلْباً غيرَ مَزْءودِ
والنَّجْمُ يَعلوْ فَيبدوْ شِبْهَ مَفقودِ!
والضادُ تُزْهىْ بِتَجْميلٍ وَتجديدِ

إسماعيل صبري( 1854- 1923م):

وهو من رجالات السلك القضائي في مصر، وفي مجال الشعر من شعراء البعث والإحياء، وكتب شعر الأغاني، وقد جُمع شعره في ديوان بعد وفاته، وكان شاعرا مُقِلّاً. وبهذا المعنى صدّر الجارم قصيدته التي جاءت في ديوانه بعنوان:” رثاء إسماعيل صبري باشا([48])، كما أشار إلى ذيوع شعره، وخصائصه الإيقاعية، وعمقِ تأثيره، قال🙁 البحر الخفيف)

صادِحَ الشَّرْقِ قَدْ سَكَتَّ طَويلا
أَيْنَ ذَاكَ الشعْرُ الذي كُنْتَ تزْجِيهِ
قَدْ سَمِعْنَاهُ في الْمَزاهِرِ لَحناً
وَشَمَمْنَاهُ فِي الْكَمائمِ زَهْراً
تَنْهَبُ الدُرَّ مِنْ عُقودِ الغَوَانِي
خَطَرَاتٌ تَسِيرُ سَيْرَ الدَرَارِي
وَعَزِيزٌ عَلَيْهِ أَلا تَقُولا
فَيَسْرِي في الأرضِ عَرْضاً وطُولا
وَسَمِعْنَاهُ في الْحَمامِ هَديلا
وَشَرِبْنَاهُ فِي الكُؤُوسِ شَمُولا
ثُمَّ تَدْعُوهُ فاعِلاتُنْ فَعُولا
آبِياتٍ عَلى الزمانِ أُفُولا

وكما هو واضحٌ فإن الجارم ينعته بلقب” صادح الشرق”، وهو لقبٌ لم أطَّلع عليه فيم قرأتُ من الشعر، وهو حين ينعته بهذا اللقب البهيِّ لم يأتِ بهِ مجاملةً من فراغ، فهذا الشاعر- كما يقول– ملأ شعرُهُ وَطَرَبُهً- وإنْ كانَ قليلاً- الآفاق؛ لأنه يتمتّعُ بمعانٍ وخصائصَ إيقاعيةٍ تُعَمّقُ تأثيره في قلوب سامعيه:

وَحَديِثٌ حُلْوُ الْفُكَاهَةِ عَذبٌ
يُذْهِلُ الصَبَّ عَنْ أَحادِيثِ لَيْلاَ
يقصُرُ اللَّيْلُ حِينَ يَسْمُرُ صَبْرِي
 

(م)

 

لَمْ يَكُنْ آسِناً ولاَ مَمْلُولاَ
هُ وَيُنْسِيهِ حَوْمَلاً وَالدخُولاَ
بَعْدَ أَنْ كَانَ نَابِغيّاً طَوِيلاَ

وكذلك ينعته في القصيدةِ ذاتِها بلقبٍ آخَرَ لم أقرأْهُ في غيرِ شعره، إنه لقبُ” يا مَلِيكَ الْبَيانِ([49])، قال:

يا مَلِيكَ الْبَيَانِ دَعْوَةَ خِلٍّ
أَنا أَرْثِيكَ شاعِراً وأَديباً
قلْ لِحَسَّانَ إِنْ مَرَرْتَ عَلَيْهِ
إِنَّ مِصْراً أَحْيَتْ مَوَاتَ الْقَوَافِي
وَأَعَادَتْ إِلَى سَلِيلَةِ عَدْنَا

قُلْ لَهُ غَيْرَ فاخِرٍ إنَّ صَبْرِي

 

 

 

 

(م)

 

وَجَد الصَبْرَ بَعْدَكُمْ مُسْتَحِيلا
ثُمَّ أَبْكِيكَ صَاحِباً وخَلِيلا
فِي ظِلالِ الْفِرْدَوْسِ يُطْري الرَّسُولا
وَأَقَامَتْ عَمُودَهَا أَنْ يَميلا
نَ شَبَاباً غَضّاً وَمَجْداً أَثِيلا
بَعْدَ سَامِي هَدَى إِلَيْها السَبِيلا

 

إنَّ تفحصنا للأبيات السابقة سيُعرّفنا لماذا تفرّد” إسماعيل صبري” بهذين اللقبين عند شاعرنا الوفِيّ لأصدقائه وأساتذته؛ فهو فيها يحدد أن منهجَ الجارمِ الشعريَّ المحافِظَ على النمط العربي الموروث في القصيدة قد مثّلهُ إسماعيلُ صبري بعدَ محمود سامي البارودي( 1839- 1904م) رائد مدرسة البعث والإحياء في الشعر العصر الحديث. وَكأنّي بالجارم يريد أنْ يقول إنه بعد هذين الشاعرين هو مَنْ يُمَثلُ هذا المنهجَ المحافظَ في مصرَ العروبةِ والإسلامِ.

أحمد شوقي( 1868- 1932م):

      نَوَّهَ شاعرنا بـأمير الشعراء أحمد شوقي في غيرِ موضعٍ من شعره، كما في قصيدته” السودان”([50]) التي ألقاها في الخرطوم في سنة 1947م، وجاء مطلعها:( البحر البسيط)

يا نَسْمَةً رَنَّحَتْ أَعْطافَ وادينا قِفيْ نُحَيِّيكِ أو عوجيْ فَحَيِّينا

وفي آخرها وجدناه ينوّه بنونيةِ شوقي التي عارضَ فيها نونية ابن زيدون([51])، فقال مطالباً مِمَّن لقبه بـ” ساقيَ الحّي” بالتغني بهاتين النّونيتين:

يا ساقيَ الحيِّ جدّدْ نَشْوَةً سلفتْ
واصدَحْ بنونيةٍ لما هَتَفْتُ بها
وأنتَ بالجَنَباتِ الحُمْرِ تَسْقينا
تَشَرَّقَ السَّمْعَ شَوقيْ وابنُ زَيْدونا

وقصيدته:” خلود” التي نظمها في ذكرى حافظ وشوقي في عام 1947م، وابتدأها بقوله: ( البحر الخفيف)

ضَلَّ شِعْريْ، وَنَدَّ عَنّيْ بَيانيْ ما علَى الشّاعِرَيْنِ لَوْ أَرْشَدانيْ

وفي قصيدته( رثاء شوقي)([52]) أشاد شاعرُنا بدورِ( أميرِ الشعراء) في نهضةِ الشعر العربي في العصرِ الحديث، وتحدّثَ عن دورهِ في التعبيرِ باللغةِ العربيةِ الفصيحةِ عن مضامينَ تراجَعَ الشِّعرُ العربيُّ عن الإبداعِ فيها؛ لذا فهو ينعته بنعتِ” مُجيرَ الفصحى“، يقول🙁 البحر الخفيف):

يا مُجيرَ الفصحى، وقدْ عَقَّها
نَزَلَتْ فيْ ذَراكَ رَوْضاً مَريعاً
وَاسْتَعادَتْ حُسْنَ الشَّبابِ وكانتْ
وَحَمَتْهاْ يَداكَ منْ شَرِّ باغٍ
ذَكَّرَتْهاْ رَنّاتُ قَوْمِكَ صَوْتاً
الدَّهْرُ، وَأَغْرىْ بِقَوْمِهاْ حِدْثانُهْ
هَدَلَ النّورُ والْجَنىْ أَغْصانَهْ
رَمَقاً بَيْنَ كَبْرَةٍ وَزَمانَهْ
في زمانٍ طَغِتْ عليهِ الرَّطانهْ
سَلَفواْ مْنْ هَواْزِنٍ وَكِناْنَهْ

 

 

الملك فؤاد( 1868- 1936م):

رأى علي الجارمُ- وهو يتحدَّثُ مَزْهُوّاً بافتتاحِ دارِ الإذاعةِ المصريةِ- أَنْ يُنوِّهَ بفضلِ الملكِ فؤادٍ ملكِ مصر على اللغةِ العربية، وذلك من خلالِ الإشارةِ إلى إنشائهِ لهذه الإذاعةِ و” مجْمَعِ اللغةِ العربية”، وهما المؤسستانِ اللتانِ لا يُمكنُ إنكارُ أثرِهِما في خدمةِ اللغةِ العربيةِ الفصيحةِ، وإذاعتِها حَيَّةً سليمةً سائغةً على ألسنةِ أبنائها، يقول:( البحر البسيط)

رَدَدْتَ لِلُّغةِ الفصحىْ بَشاْشَتَها
قَدْ ذَكَّرَتْهاْ أياديْكَ التيْ عَظُمَتْ
أَوْلَيْتَهاْ مَجْمَعاً طابَتْ مَشارِعُهُ
أعادَ فيْ مِصْرَ عَهْداً للرَّشيدِ مَضىْ
مِنْ بَعدِ أَنْ هَجَرَتْهاْ مُنْذُ أَزْمانِ
مَنازِلَ العِزِّ فيْ داْراْتِ قَحْطاْنِ
وَبَلَّ مِنْهُ صَداْهُ كُلُّ صَدْياْنِ
أَيّامَ أَشْرَقَتِ الدُّنْياْ بِبَغْداْنِ
ج

وتراه يكرر دور الملك فؤاد في تفعيلِ إحياءِ اللغةِ العربية، وَتَجنيبِها غزوَ الدخيلِ الذي- على حدّ تعبيره:-” أَزْرى ببنتِ قريشٍ”، وذلك من خلالِ إنشائهِ لـ” مجمع اللغة العربية”، يقول في قصيدته” اللغة العربية“:( البحر البسيط)

لولا فؤادُ أبو الفاروقِ ما وَجَدَتْ
أَعَزَّ منها حِمىً ريْعَتْ كَرائِمُهُ
وَرَدَّ بالمَجْمَعِ المَعْمورِ عُرْبَتَهُ
-مَنْ مُبْلِغُ العُرْبِ أَنَّ الضّادَ قد بَلَغتْ
أَعادَ مَجْداً لَها مالَتْ دَعائِمُهُ
وَحَفَّها بِسياجٍ مِنْ عِنايتِهِ
إلى الحياةِ ابنةُ الأعرابِ مِنْ سَبَبِ
وكانَ ممنوعُهُ نَهْباً لِمُنْتَهِبِ
وَحاطَها بِكَريمِ العَطْفِ وَالْحَدَبِ
بِقُرْبِ صاحِبِ مِصْرٍ أَرْفعَ الرُّتَبِ
فَيا لَها قُرْبَةً منْ أَعظمِ القُرَبِ
كما تُحَفُّ جُفونُ العَيْنِ بِالْهُدَبِ

بعض أعضاء المجمع:

رَثى الجارمُ بعضَ أقرانهِ المَجْمَعِيّينَ، وأَبرزَ دورَهمْ في إعلاءِ كلمةِ العربيةِ الفصيحة، وتراه في قصيدته” أعلام المجمع([53]) يرثي ثلاثةً من أقرانهِ بل أحبائهِ المجمعيين، هم: الشيخ أحمد علي الإسكندري والشيخ حسين والي والمستشرق الإيطالي نلّينو، يقول( البحر الطويل):

ذَكَرْتُ أَحِبّائيْ، وقد سارَ رَكْبُهُمْ إلى غيرِ آفاقٍ، على غيرِ أَيْنُقِ

وفيها يتحدثُ عن مدى تَعَمُّق الإسكندريِّ( 1875- 1938م) في اللغةِ الفصيحةِ، ومدافعتهِ عنْ سلامتها بِخِطابٍ بليغ، ومقدرتهِ الفائقةِ في الكشفِ عن خصائِصِها، ويصفه بـ” حارس الفصحى“، يقول🙁 البحر الطويل)

أَ أَحمدُ أَينَ الأمسُ، والأمسُ لم يَعدْ
كَأَنّيْ أَراكَ اليومَ تَخطبُ صائلاً
تُنافِحُ عنْ بنتِ الصَّحاريْ مُشَمِّراً
مضى حارسُ الفصحى فَخَلَّدَهُ اسْمُهُ
سِوىْ ذِكرياتٍ لِلْخيالِ الْمُؤَرِّقِ
وَتَهْدِرُ تَهْدارَ الْفَنيْقِ الْمُشَقْشِقِ
وَتفْتحُ منْ أّسرارِها كلَّ مُغْلَقِ
كما خَلَّدَ الأعشىْ حديثَ المُحَلَّقِ

ثم ينتقل إلى حسين والي بعد أن يطلبَ منَ الإسكندري أنْ يبلغَهُ تحيتَهُ وأشواقَ قلبه، ثمّ يأخذُ بالتنويهِ بغزارةِ علْمِ الشيخ والي في العربية، وإحاطته بعلومها، وتَميُّزِهِ بمعرفةِ غريب اللغة، وعمق وعيهِ الفطري بأسرارها ومجالات الجذب فيها، يقول:

أَأَحْمَدُ إِنْ تَمْرُرْ بِوالي فَحَيِّه
طَوَيْناهُ صيّادَ الأوابدِ لمْ يَدَعْ
لهُ نظْرَةٌ لم يحتملْ وَقْعَ سِحْرِهاْ
أحاطَ بآثارِ الخليلِ بْنِ أحمدِ
إذا مَسَّ بِالكفِّ الجبينَ تَدافَعَتْ
وَبَلِّغْه أَشْواقَ الفُؤادِ المُحَرَّقِ
عَزيزاً على الأفهامِ غَيْرَ مُوَثَّقِ
غَريْبُ ابْنِ حُجْرٍ أوْ عَويْصُ الفَرَزْدَقِ
إِحاطَةَ فَيّاضِ الْبَيانِ مُدَقِّقِ
جُيوشُ المعانيْ فَيْلَقاً إثْرَ فَيْلَقِ

وتراهُ قبلَ أنْ ينتقلَ إلى المستشرق كارلو نَلّينو( 1872- 1938م) يُعرِّجُ على ما كان يدورُ بين الإسكندري ووالي منْ حِوارٍ ونِقاشٍ وجدلٍ في أسرارِ الفصيحةِ ومسائلِها، فيصفهُ لقارئهِ وصفَ الحكمِ العدل، المقرِّ بتميز هذين العَلَمين في دقائق متن اللغة العربية، وأنَّ كُلّاً منهما لا يبغي من مناقشته لأخيه ومجادلته سوى صالح اللغة العربية، وكان مثالاً للعالِمِ الموضوعيِّ لا يحنق على أخيه؛ فالجدلُ أو الخلافُ العلميّ بينهما لم يفسِد ما بينهما من علاقةٍ ومودة، قال:

ويوماً مع الإِسكندريّ رأيته
فَهَذا يَرَى فِي لَفْظَةٍ غَيرَ مَا يَرى
يُنَسِّقُ علم الأوّلين مُجاهِداً
فقلت: أرى ليثاً وليثاً تَجَمَّعا
… ولم أَرَ في لفْظَيْهِما نَبْرَ عَائِبٍ

فقلتُ: هِيَ الفُصْحى بِخَيرٍ وَإِنَّها يُجاذِبهُ فَضْلَ الْحَديثِ المشَقَّقِ
أَخوه ويختارُ الدليلَ وَيَنْتَقي
ولا خَيْرَ في عِلْمٍ إذَا لَمْ يُنَسَّقِ
وأَشْدَقَ مِلءَ العَيْنِ يَمْشِي لأَشْدَقِ
ولم أَرَ في عَيْنَيْهِما لَمْحَ مُحْنَقِ
بأَمثالِ هَذَيْن الْحَفيَّيْنِ تَرْتَقي

أما نلينو– بعد ما سبق- فنراه ينتقل إليه مباشرةً ليُنوِّهُ بملكته البحثيةِ وآرائهِ المُحَقِّقَةِ، ومزجه بين فِكْرَي الغربِ والشرق في آرائهِ وَعِلْمِه، يقول:

وَلَمْ أَنْسَ نَلّينو وقدْ جاءَ فَيْصَلاً
وَفِكْرٍ لَهُ منْ فِطرةِ الرّومِ دِقَّةٌ
بِحُجَّةِ بَحّاثٍ وَرَأْيِ مُحَقِّقِ
وَمِنْ نَفَحاتِ الْعُرْبِ حُسْنُ تَأَلُّقِ

الدكتور علي توفيق شوشة:

أَنشدَ الجارمُ قصيدةً بعنوانِ” تكريم“)([54]) حَيّا فيها الدكتور شوشة( 1891- 1964م)، وتحدَّثَ فيها عن مناقبه وتفوقهِ في مجالِ الطِّبِّ وإِتقانِ اللغاتِ الأجنبية، كما نَوَّهَ بمكانته العالية في مجال فقه النحو، وتعمقهِ في متن اللغة العربية الفصيحةِ وحِفْظِ غريبِ مفرداتها، يقول🙁 البحر الخفيف)

جَمَعَ الفضلَ حينَ فَرَّقَهُ النّا
دائِراتُ المَعارِفِ اجتَمَعَتْ فيْـ
كمْ لُغاتٍ جَرى بهِ لَفْظُهُ العَذْ
هُوَ في الطِّبِّ منْ كِبارِ نُحاتهْ
وَهْوَ فيْ حَلْبَةِ البيانِ أَديبٌ
وَهْوَ إِنْ شِئْتَ حافِظٌ لُغَوِيّْ
نُسْخَةٌ “لِلِّسانِ” فيْ صدْرِهِ الوا
يَعرِفُ الأَيْهُقانَ والثَّوْلَ والذُّعْـ
أنا أَخْشىْ جِدالهُ كُلَّما صا
مَجْمَعُ الضادِ يَرْفَعُ الرَّأْسَ فيْ
 

 

 

 

 

سُ، وَآواهُ بعدَ طوْلِ شَتاتِهْ
ـهِ، فَفَتِّشْ عنهُنَّ فيْ صَفَحاتِهْ
بُ سَليماً كَأَنَّهاْ منْ لُغاتِهْ
وَهْوَ فيْ النَّحْوِ منْ كِبارِ أُساتِهْ
تَسمعُ السَّحْرَ فيْ رُقىْ نَفَثاتِهْ
يٌ، كَلِماتُ القاموسِ منْ كَلِماتِهْ
عيْ، سَماْ طَبْعُهاْ على طَبَعاتِهْ
ـلوْقَ والسَّيْسَبىْ وَنَوْعَ نَباتِهْ
لَ عَنيفَ الجِدالِ فيْ صَوْلاتِهْ
زَهْوٍ بآرائِهِ وَصِدْقِ أَناْتِهْ

جميل صدقي الزهاوي:

      شارك شاعرنا الجارمُ في الحفلِ الجامع الذي أقامته الحكومة العراقيةُ لشاعر العراق الكبير جميل صدقي الزهاوي( 1863- 1936م) في بغداد في سنة 1937م، وأنشد قصيدته” رثاء الزهاوي([55]) التي عرَّجَ فيها على أمجاد بغداد في تاريخِ العروبةِ والإسلام، وعبَّرَ فيها عن حبهِ للعراقِ وأهله، وتحدَّثَ فيها عن مكانةِ الشاعرِ الشعريةِ، وما يجمع بينهما منْ عنايةٍ بفن القول، يقول🙁 الطَّويل)

جَفا الرَّوْضَ مُغْبَرَّ الأَسارِيرِ مَاطِرُهْ

ذَوَى نَبْتُهُ بَعْد البَشَاشةِ وارْتَمَتْ
…عَرَفْتُ “جميلاً” في جَميلِ بيانِهِ
تُجاورني في دَوْحَةِ النيلِ روحهُ
إذا اجتمع القلبانِ فالكونُ كُلُّهُ
لنا نسبٌ في المجدِ يجمع بيننا
أَ لَسْنا حُماةَ القولِ في كلِّ مَحْفَلٍ

 

 

 

 

 

 

 

وغَادَرَه قَفْرَ الخَمائِلِ طَائِرُهْ
مُصَوِّحةً أَثْمارُهُ وأزَاهِرُهْ
يُشاطرني وجدانُهُ وأُشاطرُهْ
وروحي بدوحِ الرافدين تُجاورُهْ
مكانٌ، وإن شقت وطالت معابرُهْ
تعالت أَوَاسيه، وشُدَّت أواصرُهْ
تَتِيهُ بِنَا في كُلِّ أَرْضٍ مَنابِرُه؟

علماء لبنان:

      اعترف الجارم بفضل علماء لبنانَ على اللغة العربية، وأشاد بدورهم الفعّالِ في تنمية العربية ومدها بما تحتاجه من الألفاظ الجديدة، وإسهامَهم المحمودَ في حفظِ متنِ العربية مشيراً إلى أثرهم في صناعة المعجماتِ الحديثة، يقول🙁 البحر الكامل):

لبنانُ، صُنْتَ الضّادَ فيْ لأواْئِها
في البدْوِ لَوَّحَها الهجيرُ فَلَمْ تَجِدْ
جَمَعَتْ رِجالُكَ زَهْرَهاْ فيْ طاقةٍ
نَظَموا لها عِقْداً يَرِفُّ شُعاعَهُ
وَحَمَوْا كِتابَ اللهِ جَلَّ جَلالُهُ
فانظُرْ إلى” البُستانِ” هلْ تَلْقى بِهِ
ج مِنْ شَرِّ ماحٍ أَوْ هَوىْ مُحتاجِ
إلا ظِلالَكَ نُجْعَةَ الْمُلْتاْحِ
عَبِقَ الوُجودُ بِنَشْرِها الفَوّاحِ
بِلآلئٍ مِلْءِ العيونِ صِحاحِ
منْ لَغْوِ فَدْمٍ أَوْ هُراءِ إباحيْ
إلا وُروْداً أَوْ ثُغوْرَ أَقاْحيْ

ومن رجال لبنان الذين كان لهم إسهامٌ مشكورٌ في العربيةِ في العصرِ الحديثِ، واختصهم الجارمُ بقصائدَ مستقلةٍ في شعرهِ أيضاً:

جُرجي زيدان:

وهو الكاتبُ الروائي، والصحفيُّ الرائدُ صاحبُ مجلة” الهلال”، والمؤثر في الفكر العربي الحديث، والباحثُ في آدابِ اللغةِ العربيةِ وتاريخِها وفلسفتِها ومقارنتِها بغيرِها من اللغات.

وفي بيان أثر زيدان في هذه المجالات ودوره الرِّياديِّ في الصحافةِ العربية، والكتابة عن تاريخ الإسلامِ- وهو النُّصْرانيُّ الديانة- نرى شاعرنا الجارم ينظم فيه قصيدة جعل عنوانها اسم” جُرجي زيدان([56]) تحدّثَ فيها عن مآثره في هذه المجالات، قال🙁 البحر البسيط)

رُدّا شَبَابِي وَرُدّا عهدَ زيدانِ
قَرَأْتُهُ وَرياضُ العُمْرِ وارِفةٌ
… مِنْ كُلِّ ماْ شادَ للإسلامِ مملَكَةً
لِلْعُرْبِ بالضادِ إيمانٌ يُوَحِّدُهُمْ
ما خَطَّ “زيدانُ” أَسْطاْرٌ على صُحُفٍ
قد كانَ أَوَّلَ مُرْتادٍ لأُمَّتِهِ
ومِنْ روَائعِ ما أَمْلاَهُ زيداني
فَكانَ منهُ وَمنْ سِنّيْ شَبابانِ!
أَبْقى على الدَّهْرِ منْ رَضْوىْ وَثَهْلانِ
كانوا لِعدنانِ أوْ كانوا لِغسّانِ
لكِنْ جَلاْ صُوَراً مِنْ صُنْعِ فَنّانِ
وَالْخُلْدُ فيْ هذهِ الدُّنيا لهُ ثاْنيْ

داود بركات:

وهو رئيس تحرير جريدة الأهرام، وكان صديقاً للشاعر الذي رأى في فقدانِهِ مُصاباً مشترَكاً لمصرَ ولبنان، يقول في قصيدته” إلى روح داود بركات([57])🙁 البحر الوافر)

بَنيْ لُبنانَ خَطْبُكُمُ جَليلٌ
مَضىْ شَيْخُ الصَّحافةِ أَرْيَحِيّاً
دَعوْناْ نَقْتَسِمْهُ علىْ السَّواءِ
مُبيدَ الوَفْرِ جَمّاعَ الثَّناءِ

وكَأَنّيْ بالجارمِ حين يتألَّمُ لفقدانِ هذا الرجلِ يتألَّمُ لِما سيتركهُ ذهابُهُ منْ أثرٍ لصالحِ العربيةِ الفصيحةِ التي أسهمَ بكتاباتِهِ في مضامينِ الحياةِ الجديدةِ في تقريبها إلى الناسِ وتحبيبها إليهم، وتنميتها وإثباتِ صلاحيتِها للتعبير عن متطلبات العصر، يقول:

أَعَدْناها نِزاْرِيَةً عَروْباً
إذا خَطَرَتْ بِناديْ القوْمِ حَلّواْ
تَجاوَزْناْ بِهاْ أَطلالَ سُعْدىْ
وَجِئناْ بِالْعُجاْبِ يُخاْلُ سِحْراٌ
وكانتْ قبرَ نهضتناْ نُحاساً
لها حُسْنُ اِلْتِفاتٍ وَانْثناءِ
منَ الإكْبارِ مَعْقودَ الحُباءِ
وَبَدَّلْناْ المَقاصِرَ بِالْخُباءِ
وَكُلُّ السِّحْرِ مِنْ أَلِفٍ وَباءِ
وَكُنّاْ سادَةً فيْ الكيْمِياْءِ

أنطون الجميل:

كان أنطون باشا الجميّل عضواً ممثلاً للبنانَ في” مجمع اللغة العربية” بالقاهرة، ورثاه الجارم في قصيدةٍ نونيَّةٍ بعنوان:” رثاء أنطون الجميّل باشا([58])، وقد ألقاها في حفل تأبينه الذي أقامه المجمعُ في سنة 1948م أثنى فيها على الفقيد، وأدبه الجمّ، وأشاد بإسهامهِ الفعّالِ في المجمع، فقال🙁 البحر الخفيف)

مَجمعُ الضّادِ كنتَ للضادِ فيهِ
كنتَ مِصباحَنا المنيرَ إذا غَمّْـ
كنت يومَ الجِدالِ بالحُجَّةِ البيضا
عِفَّةٌ في اللسانِ صَيَّرَتِ الأيّْـ
عَلَماً يَحْسِرُ العُيونَ وركْناْ
ـمَتْ سبيلٌ، وَطالَ لَيْلٌ وَجَنّاْ
ءِ تَمحو سَحائِبَ الشَّكِّ وَكْناْ
يامَ تَشْدوْ بِمَدْحِكَ الْيَوْمَ لُسْناْ

التنويهُ بدورِ المؤسَّسات:

التفت الجارم في شعرهِ إلى المؤسساتِ التي تُعنى بخدمة العربيةِ الفصيحة، وتسعى إلى تعميق صلةِ المجتمعِ العربيِّ الحديثِ بها، وسنقفُ في هذا السِّياقِ عندَ حديثِ شاعرنا عن أثرِ هذه المؤسساتِ في تفعيلِ دور العربيةِ في الحياةِ الحديثة:

دار العلوم:

تعلم الشاعر- كما سبق القول- في كلية” دار العلوم”، وحاضَر فيها، ثمَّ غدا عميداً لها، ومن الطّبَعيِّ أنْ يُعنى بها، فيتحدَّثَ عن دَوْرِها في البِناءِ الفكري، وأثرها في اللغةِ العربيةِ التي ما انْفَكَّ يُشيرُ إلى مراحلِ قُوَّتِها وَضَعْفِها في تاريخِ العربِ منذُ أنْ كانوا في الجزيرةِ العربيةِ، وجاء الإسلامُ لِتدخلَ معهُ آفاقاً جديدةً، حيث جعلَها لغةَ كتابهِ؛ فأمدَّها بالمعاني الدينيةِ والرّوحِيَّةِ والفكريةِ والاجتماعيةِ الجديدة، وَنَشَرَهاْ في البلادِ التي انتشرَ فيها فَدَخَلَتْ بذلك في بيئاتٍ جديدةٍ يختلفُ أهلُها- في الأغلب الأعمِّ- عن العربِ في ألسنَتِهِمْ  وطباعهم وأنماطِ حياتهم؛ الأمر الذي أسهمَ في خوضِ العربيةِ في مجالاتٍ جديدةٍ، ما كانَ لها أَنْ تضطلعَ بها لولا انتشارُ الإسلامِ في خارج جزيرة العرب، يقول في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم“:( البحر الخفيف)

يا ابنةَ السّابِقينَ منْ قَحْطانِ!
…كُنْتِ فيْ الْقَفْرِ جَنَّةٌ ظَلَّلَتْها
بَلَغَ الْعُرْبُ بِالبلاغةِ والإسْـ
 

(م)

وَتُراثَ الأمجادِ مِنْ عَدْنانِ
خالِياتٌ منَ القصورِ دَوانيْ
ـلامِ أوْجاً، أَعْيا علىْ كَيْوانِ

على أنَّ الدائرةَ تدورُ على أبناءِ الإسلامِ رُجوعَ القهْقَرىْ، وَيَسوءُ حالُهُمْ، وتنزويْ لغتُهُمْ في مجالاتٍ ضيقةٍ، يقول:

فَإِذا أُطْفِئَ السِّراجُ فَمَيْنٌ
أَينَ آلُ العبّاسِ رَيْحانَةُ الدْ
خَفَتَ الصَّوْتُ، لا البلادُ بلادٌ
أَزْهَرَتْ فيْ حِماْهِمُ الضّادُ حيْناً
إِنْ أَصاخَتْ، فَالْقَوْلُ غَيْرُ فَصيْحٍ
 

(م)

وَضَلالٌ ماْ تُبْصِرُ الْعَيْنانِ!
ـدَهْرِ، وأَيْنَ الكِرامُ مِنْ مَرْوانِ؟
جيَوْمَ بانوا، ولا المَغانيْ مَغانيْ
وَذَوَتْ بَعْدَهُمْ لِغَيْرِ أَواْنِ
أَوْزَنَتْ، فَالْوُجوْهُ غَيْرُ حِساْنِ

 وَيَبقى الوَضْعُ على حالهِ حتى تتسلمَ مصرُ رايةَ المسلمينَ لِيتأرجحَ صَوْتُها بينَ الانزواءِ والظّهورِ حتّى يَهِلَّ العصرُ الحديث، ويأخذُ شأنُ مصر في النُّهوضِ، والانفتاحِ على بيئاتٍ جديدةٍ هيّأتْ لها مجالاتٍ حيويةً جديدةً؛ الأمر الذي بعث الحياةَ في لغتها العربية، يقول:

فَمَضَتْ نَحْوَ مِصْرَ مِثْلَ قَطاةٍ
يَكْدُرُ العَيْشُ مَرَّةً ثُمَّ يَصْفوْ
ثُمَّ هَبَّتْ زَعازِعٌ تَرَكَتْهاْ
وإذاْ نَهْضةٌ تَدِبُّ بمِصْرٍ
وإذا اليومُ باسِمٌ، واللياليْ
وإذا الضّادُ تَستعيدُ جَمالاً
فَزَّعَتْهاْ كَواْسِرُ الْعِقْباْنِ
كَمْ لِهذيْ الحَياةِ مِنْ أَلْوانِ
بينَ مُرِّ الأسىْ، وَذُلِّ الْهَوانِ
كَدبيْبِ الحَياةِ فيْ الأبْدانِ
مُشْرِقاتٌ، والدَّهْرُ مُلْقيْ العِنانِ
كادَ يَقضيْ عليهِ رَيْبُ الزَّمانِ

ثمَّ ينتقل إلى أثر” دارِ العلومِ” في إعادةِ أمجادِ العربية، ومدى تدقيقِ أبنائها من شيوخٍ وشباب يسهرون الليالي في التنقل بين مصادرها، ويكتبون البحوث في مجالاتها المتنوعة:

هِيَ في مِصْرَ كَعْبَةٌ بَعَثَ الشْـ
قدْ أَعادَتْ عهدَ الأعاريبِ فيْ مصْـ
وأَظَلَّتْ بِنْتَ الفَدافِدِ وَالْبيْـ
دَرَجَتْ بَيْنَ فِتْيةٍ وَشُيوخٍ
… رُبَّ شَيْخٍ أَفْنىْ سَوادَ اللياليْ
منْ بُحوثٍ، إلى كِتابةِ نقدٍ
يَقْنِصُ الآبِداتِ عَزَّتْ على الصّيْـ
(م)

(م)

(م)

 

 

 

(م)

ـشَرْقُ إِليها طَوائِفَ الرُّكْبانِ
ــرَ إلى ناعِمٍ منَ العَيْشِ هاْنيْ
ـدِ بِأَفْياءِ دَوْحِهاْ الفَيْنانِ
كُلُّهُمْ يَنْتَميْ إلىْ سَحْبانِ
ساهِدَ الْعَيْنِ جاْهِداً غَيْرَ وانيْ
ثُمَّ مِنْ مُعْجَمٍ إلى ديوانِ
ـدِ، فَماسَتْ بينَ الرُّبا والرِّعانِ

ويمضي شاعرُنا بِحِسِّهِ اللغويِّ في وَصْفِ مدى عنايةِ أبناء” دار العلوم” في التعمُّقِ في أصولِ العربيةِ والتَّضَلُّعِ من كنوزِ مَتْنِها، ولاسِيَّما الشّارِداتِ التي” ذَلَّتْ لهُ… بعدَ الْحِرانِ”، و

مَلَّكَتْهُ أعناقَها فيْ خُضوعٍ وَحَبَتْهُ قِيادَها فيْ لَيانِ

ولكنهُ وهو الخبيرُ بِتَمَكُّنِ الدَّرْعَمِيينَ في اللغة وأوابدِها يَلفتُ إلى أنهم- وهم سدنةُ الفصيحةِ- يدركونَ أنَّ للحياةِ الجديدةِ في اللغةِ متطلباتٍ تقتضي تنميتَها بألفاظٍ جديدةٍ، على أنه بحسِّهِ التربويِّ يدركُ أيضاً أنَّ للشبابِ حاجةً إلى لغةٍ تتناسب وحياتهم المعاصرة، وتعبرُ عن واقعهم المعيشِ فيها؛ لذا فإنه يتوجه إلى أقرانه الدرعميينَ حاثّاً إياهُمْ على تذليلِ صِعابِها، وتقديمِها للشَّبابِ رجاءِ المستقبلِ ميسَّرةً حتى يُقبلوا عليها، ويتمكنوا منها التَّمكُّنَ الذي ييسرُ لهم سبلَ امتلاكها في منطوقهم ومكتوبهم:

شيخَةَ الدّارِ، أَنتمُ خَدَمُ الفصْـ
لَبِسَتْ جِدَّةَ الصِّبا في ذُراكُمْ
… ذَلِّلواْ لِلشَّبابِ مُسْتَعْصِيَ الفُصْـ
وَانْثُروهاْ قَلائِداً وَعُقوداً
(م)

 

(م)

ـحىْ وَحُرّاسُ ذلكَ البُنْيانِ
وَغَدَتْ مِنْ حُلاهِ في ْرَيْعانِ
ــحىْ، فَإِنَّ الرَّجاءَ فيْ الشُّبّانِ
تَتَحَدّىْ قَلائِدَ الْعِقْباْنِ

مجمع اللغة العربية:

احتفى الجارمُ في غيرِ موضعٍ من شعرهِ بإنشاْءِ” مجمع اللغة العربية” ودورِهِ في تنميةِ اللغةِ العربيةِ وإغناءِ مَتْنِها، ففي قصيدته” المجمع اللغوي” التي ألقاها في الدورةِ الثانيةِ للمجمعِ يُؤَرِّخُ لمسيرةِ العربيةِ في تاريخِها الطويل.

وفي هذا السياق تراهُ يستذكرُ ما استذكرهُ في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم” من مراحلِ القوةِ والضَّعْفِ التي مَرَّتِ العربيةُ بِها عَبْرَ القُرون، وَكَأَنّيْ بهِ يَرى في دورِ هذا المجمعِ- وقد كان من أعضائهِ المؤسسينَ خيْرَةُ الدرعميّين، والشاعر واحدٌ منهم- معادلاً لدورِ دارِ العلوم.

 وعلى هذا فقد وجدناهُ يبدأُ هذهِ القصيدةَ بالإشارةِ إلى قوةِ العربيةِ في العصرِ الجاهليِّ، فيفتتحها بقوله: ( البحر الرمل)

ذِكرياتٌ رَدَّدَ الدَّهرُ صَداها
وَصَلَ العُرْبُ الغَطاريفُ إلى[59])
وَعُهودٌ يَحْسُدُ المُلْكُ شذاها
غايةٍ، لا تَبْلُغُ الطَّيْرُ ذُراها

ويمضي ليذكر أثر الإسلامِ في الإعْلاءِ من شأنِها، حيثُ

قَلَّدَ الفُصحىْ حُلىً قُدْسِيَّةً
وَبياْناً هاشِمِيّاً لَوْ رَمىْ
فزهاهاْ مِنْ حُلاهاْ ما زَهاها
قُلَلَ الأَجْبالِ لانْهَدَّتْ قُواها

ويستذكر دور الأُمويينَ والعباسيين في ازدهار هذه اللغة المقدسة على النحو الذي سبقت الإشارةُ إليه، كما يستذكر مراحل الضعف التي مرَّت بها بعدَ انهيارِ الدولةِ العباسيةِ وسقوطِ عاصمتها” بغداد” في أيدي التتار، حيثُ

أُطْفِئَ النّورُ وَدالَتْ دَوْلَةٌ
– لَهْفَ نفسيْ، “بنتُ عدنانَ” هَوَتْ
وَطَوى الدَّهرُ المُنىْ حينَ طَواهاْ
وَأُسودُ الغيْلِ قدْ ديْسَ شَراْهاْ

      ويصل إلى انتقالِ الرّايةِ إلى مصر، وانتقالِ الفصيحةِ معها لتعيشَ فيها فترةً بينَ الضعف والقوة حتى العصر الحديث، حيث خطت مصر فيه منذ عصر محمد علي خطواتٍ رائدةٍ نحو العلميةِ والحضارة والترجمةِ من اللغاتِ الأجنبية؛ الأمر الذي بعث في الفصيحةِ النَّماءَ والقوةَ والازدهار، وأعاد لها دورَها- الذي غاب عنها رَدْحاً من الزمن- في الإفصاحِ والبيان، يقول:

طارتِ الفصحى لِمِصرَ تبتغيْ
بَقِيَتْ فيهاْ تُلاقيْ شَظَفاً
… وَإِذا مُنْقِذُ مِصْرٍ ماثِلٌ
وإذا العِلْمُ يُدَوّيْ صَوْتُهُ
– وَجَدَتْ” بنتُ قريشِ” مَوْئِلاً
ناعِمَ العَيْشِ خَصيباً فيْ ذُراهاْ
فيْ أَحايينَ، وفيْ حينٍ رَفاهاْ
وإذاْ مِصْرٌ وَقَدْ شُدَّتْ عُراهاْ
وإْذا الضادُ أَضاءتْ صَفْحَتاْهاْ
فيْ ذُراْ المُلْكِ وَحِصْناً مِنْ عِداْهاْ

ويختم ببيانِ جهود الحكومةِ المصريّةِ في دعْمِ الفصيحةِ؛ وذلك بإنشائها” مجمع اللغة العربية” الذي جمعَ فيهِ ِكفاءاتٍ مصريةً وعربيةً وإسلاميةً وأجنبيةً؛ لِخدمةِ الهدف الأسمى، وهو الارتقاء باللغة العربية، وهو في هذا الجمع لعلماء العربية غدا منارةً يُهتَدى بها في الحفاظِ على خصائصها الفصيحة، وأشْبَهَ علماؤه في سعيهم للحفاظ عليها سابقيهم من علماء العربية وأدبائها في عكاظ والبصرة وبغداد، يقول:

مَجْمَعُ الفصحى تَجَلّى مُشْرِقاً
هُوَ في مصرَ مَناْرٌ كُلَّما
رَأَتِ” البَصْرَةُ” فيهِ حَفْلَها
وَبنى اليومَ” عُكاظاً” ثانياً
فيْ سماءِ المَجْدِ مُجْتاراً سُهاها
أَرسلَ الأَضواءَ فيْ مصرَ هَداها
وَرَأَتْ” بَغْدادُ” فيهِ مُنْتَداها
تاهَ إِعْجاباً بهِ الدَّهرُ وَباْهىْ

دار الإذاعة:

يَهَشُّ الجارمُ ويبَشُّ لإنشاءِ دارِ الإذاعةِ المصريةِ في عام 1934م؛ فهو يرى في سرعةِ وصولِ صوتِها إلى المواطنِ العربيِّ في مختلِفِ أماكنِهِ مجالاً ثَريّاً سَيسهِمُ في تحقيقِ آمالهِ العُروبِيَّةِ، قال في قصيدته” تحية دار الإذاعة”: ( البحر الكامل)

سِرْ يا قَرِيضُ إِلَى الْعُرُوبَةِ مُسْرِعاً
وَامْزُجْ بمِسْكِيِّ الأَثِيرِ تَحيَّةً
شَحُّوا بِأَنْ تَلِدَ الْمَكارِمُ غَيْرَهُمْ
…دارَ الإذاعةِ لا تَمَلّي إنني
حُبُّ العروبةِ قد جَرى بمفاصِليْ
وَانْزِلْ بآفاقٍ بِها ونَواحِي
لِعَشائِرٍ شُمِّ الأُنُوفِ سِماحِ
وَهُمُ عَلَى النَّجَداتِ غَيْرُ شِحاحِ
أَطْلَقْتُ لِلأَمَل الْبَعيدِ سَراحِيْ
بالرَّغْمِ مِنْ هَذِرِ الْحَدِيثِ مُلاَحيْ

وستنشرُ اللُّغةَ العربيةَ الفصيحة، يقول في صدرِ قصيدته” افتتاح الإذاعة”([60]): ( البحر البسيط)

ياْ ساريَ الشِّعْرِ يَطْويْ الجَوَّ فيْ آنِ
يَخْتالُ فيْ بُرْدَةِ الفُصحى وَتُسْعِدُهُ
جج وَيَمْلأُ الأُفْقَ تَغْريداً بِأَلْحانِ
بَدائِعُ الْحُسْنِ منْ آياتِ عَدْنانِ

ولمّا كانت العربيةُ الفصيحةُ سبيلَ العربِ الفعّالَ في تحقيقِ حُلُمِ الوَحْدَةِ رأيناهُ يستحثُّ على استعمالِها بياناً لسانيّاً واحداً ينطلقُ إلى أسماعِهِمْ، يقول في قصيدته” تحية دار الإذاعة”([61]): ( البحر الكامل)

سِرْ يا هَواءُ فَأَنْتَ أَوْطَأُ مَرْكَبٍ
وَاحْرِصْ علىْ سِحْرِ الْبَيانِ وَوَحْيِهِ
 

 

جج

وَاهْتِفْ بِصَوْتِ الطّائِرِ الصَّدّاحِ
وَارْفُقْ بِآيٍ في القَريضِ فِصاحِ

وما كان ذلك كذلك إلا لأنَّ الفصيحةَ تُشَكِّلُ مصدرَ وَحدَةِ نَسَبِهِمِ اللساني، وَسِرَّ تَوَحُّدِهِمْ أيّاً كانت الخلافاتُ التي تقع بينهم:

جعلوا من الفصحى ومن آياتها
الضّادُ تَجْمَعُهُمْ، وَتَرْأَبُ صَدْعَهُمْ
 

 

 

نَسَباً مُضيئاً كَالنَّهارِ الضّاحيْ
سِيّانِ فيْ الأفْراحِ وَالأَتْراحِ

ليس غريباً أن يحتفيَ الجارمُ بالإذاعةِ صوتِ اللغةِ الحيّ؛ فاللغةُ- أَيَّةُ لُغة- بحاجةٍ إلى مَنْ يحملُ رسالتَها فَيُسْمِعُها للناسِ فصيحةَ المَنْطِق، سليمةَ التَّركيب، ومَنْ لهذا الدَّوْرِ الخَلاقِ سِوىْ إعلامِيٍّ ناجِحٍ امتلكَ مَلكَةَ الإفصاحِ وآلِيَّةَ التَّوصيل؛ فالعَلاقةُ بينهما تكامُلِيَّة، وهي علاقةُ حاجةٍ متبادلة؛ فالإعلاميُّ- مذيعاً كان أمْ غيرَه- بِحاجةٍ إلى الكلمةِ زادِ قلمِهِ ولسانه، واللغةُ بحاجةٍ إلى مَنْ يوْصِلُها سليمةً إلى الناس، وليس بإعلاميٍّ- فيما نعتقد- مَنْ لا يَمْلِكُ فصاحةَ زادِ حِرْفَتِه.

إنَّ اللغةَ والإعلامَ قرينان، وهما وجهانِ لِعملةٍ واحدة، وإذا كانت اللغةُ هُوِيَّةَ الأمةِ فإنَّ الإعلاميَّ رسولُها المُعَبِّرُ لسانُهُ عن أحوالِها، والمُدافِعُ عنها، والناشرُ لفضائلِها ومآثرِها بين الأممِ الأخرى.

ولا أراني في هذا المقامِ بحاجةٍ إلى الاستطرادِ في بيانِ أثرِ الكلمةِ وأهميتها في مجالاتِ الحياةِ كافة، ويَكفي- في هذا السياق- أنْ أشيرَ إلى أثرِ كلماتِ آيِ القرآنِ الكريمِ في نفوسِ العربِ والمسلمين: خشع لها قلبُ عمرَ فآمَنَ، وتَذوَّقَ بلاغتَها الوليدُ بنُ المُغيْرَةِ؛ فلم يملك- على الرّغم من كُفرهِ وعنادهِ- إلا أنْ يُقِرَّ بأنهُ سمع قرآناً عَجَبا، ولنتذكَّر كيف أنَّ رسولَ الإسلامِ محمَّدٍ r كان يستحثُّ حسان بن ثابت والخنساء على قرض الشعرِ وهجاءِ الكفار، وكيف أنَّ صلاحَ الدين الأيوبيَّ خاطب جيشه المنتصر بقوله:” لا تَظنّوا أنّيْ مَلَكْتُ البلادَ بِسيوفِكم بل بقلمِ الفاضل”([62])؛ ويقصد الكاتبَ الفلسطينيَّ القاضي الفاضل عبد الرحيم البيسانيّ(529-596هـ).

ولنتأمَّلْ قَولَ أسماء بنت أبي بكر الصِّدّيق التي حثت ابنها على المواجهةِ والثبات في المعركة، وعدم خشية التنكيل بجثته بعد الموت في ساحة المعركة:” وهل يَضيرُ الشاةَ سَلْخُهاْ بعدَ ذَبْحِها؟”، وهذه الخنساءُ تماضرُ بنتُ عمرو( ت. 24هـ) – بعد أنْ خضع قلبها لكلمات الإسلام لا تبك أبناءَها الأربعةَ الذين استشهدوا في معركة القادسية،- وهي الشاعرةُ البكّاءةُ في الجاهليةِ على فقدانِ صخرٍ أخيها من أبيها- وتقول- بعد أن بلغها خبر استشهادهم- قولتَها الشهيرةَ:” الحمد للهِ الذي شَرَّفني بقتلِهم جميعاً، وأدعو اللهَ أن يجمعني بهم في مستقرِّ رحمته”.

وما لنا نبتعد عن واقعنا المعيش، فهاهنَّ خنساواتُ العصرِ في فلسطين، وهنَّ كثْرٌ، يُجَهِّزْنَ أبناءهنَّ، ويدفعْنَ بهم إلى ساحاتِ الجهاد، ويستقبلنَ الشُّهداْءَ منهم بالزغاريدِ.

وما لنا أيضاً نبتعد عن شاعرنا الجارم، وهو الذي نصَّ صراحةً على أثر كلمةِ الإعلام في إلحاقِ الهزيمة بجيش العدو، حين قال في قصيدته” اللغة العربية ودار العلوم”: ( البحر الخفيف)

رُبَّ جَيْشٍ من الْحَديدِ تَوَلَّى
وبيَانٍ بَنَى لِصاحِبهِ الْخُلْـ
 

(م)

واجِفَ القلبِ مِن حَديدِ اللِّسانِ
ـــدَ مُطِلاً مِنْ قِمَّةِ الأزْمانِ([63])

دار المعارف: 

رأينا الجارمَ وهوَ- كما نلحظ من قراءته- رجل المناسباتِ الوطنيةِ والقوميةِ يحتفي مع مؤسسةِ” دار المعارف” بمرور عامين على إصدار سلسلة” إِقرأ”، ورأيناه في قصيدته” ذكرى وتاريخ”([64]) التي نظمها لهذه المناسبة يُشيد فيها بدور هذه المؤسسةِ في تنشيط حركة التأليف في مصر، وإغناء الحركة الفكرية فيها، وذلك من خلالِ عنايتها بتجميع جهابذة التأليف في مصر، يقول🙁 البحر الخفيف)

جَمَعَتْنا” دارُ المعارفِ” أَحْرا
إِنَّ عُنوانَها جَهابِذُ مِصْرٍ
مَصنَعٌ مِنْ ثقافةٍ وَضياءٍ
(م) راً، فَكُنّا لِلْعِلْمِ مِنْ عُبْدانِهْ
وجَلالُ الكِتابِ فيْ عُنْوانِهْ
كُلُّ قُطْرٍ يَعْشوْ إلى نيرانِهْ

وينوه فيها بصاحبها آنذاك الأستاذ شفيق نجيب متري([65]) وقدرته على إنجاح هذه المؤسسة والاستمرار بها حيةً نشِطَةً قادرةً على تحقيق أهدافها في تنشيطِ الفكرِ وإذاعته، فيقول:

قُلْ كما شئتَ في مَدْحِ” شفيقٍ
باعثُ الفِكْرِ مِثْلُهُ ناشِرُ الفِكْـ
– يَنْشَطُ الفِكْرُ بالذُّيوعِ وَيزكوْ
يا ابن متري بلغتَ مدحي وهذا
 

(م)

والكِرامِ الثِّقاتِ منْ أَعوانِهْ
ــرِ، لهُ فَضلُهُ وَرِفْعَةُ شانِهْ
وَزَكاءُ اليَنْبوعِ فيْ جَرَيانِهْ
منزلُ النجمِ أو قريبُ مكانِهْ

ويختمُ بالإشارةِ إلى سلسلةِ( إقرأ) مشيداً بدورِها في نَشْرِ الفِكْرِ الحَيِّ البديع، وانعِكاسِ أثرِهِ على النهوضِ باللغةِ العربية، وكَأَنّي بشاعرنا- وهو اللغويُّ الضليع- حين نوَّهَ بأثر” دار المعارف” في تنشيطِ عمليةِ النشرِ، وَخَتَمَ بِبيانِ ثِمارِها المفيدةِ لِلُّغَةِ  يريدُ أن يدللَ على قدرةِ العربيةِ على التعبيرِ عن بدائعِ الحياةِ الجديدةِ ومنجزاتِ أهلِها فيها، يقول:

قَدْ قَرَأْناْ فيْ” إقْرَأْ” صَحائِفَ أَبْدَتْ
نَهَضَتْ بِالشَّريفِ مِنْ لُغَةِ الضّا
فَهَناءٌ” دارَ المعارفِ” لا زِلْـ
لَقِيَ الشَّرْقُ فيْ ذراكِ مَلاذاً
 

 

 

صَفَحاتِ الرَّبيعِ فيْ إِبّانِهْ
دِ، وَجاءتْ بِالسِّحْرِ منْ تِبْيانِهْ
ــتِ مَنارَ الحِجاْ وَمَجْلىْ افْتِنانِهْ
مُذْ بَعَثْتِ الحَياةَ فيْ أَوْطانِهْ

****    ****    ****

 هوامش البحث:

([1]) أستاذ العلوم اللغوية وموسيقا الشعر/ جامعة الأزهر- غزة / فلسطين، وعضو مجمع اللغة العربية المراسل( القاهرة)، وعضو مجمع اللغة العربية الفلسطيني( بيت المقدس)، وعضو مجمع اللغة العربية على الشبكة العالمية( مكة المكرمة)، وعضو مجلس اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية( سابقاً).

([2]) يُنظر لنا في هذا المضمون بحثاً بعنوان: “العروبة في ديوان الجارم”، وقد ألقي محاضرة عامة في د. 71، لمجمع اللغة العربية في القاهرة، ونشرت في: مجلة المجمع، ق1/ ع.( 107)، 1427هـ = 2006م.

([3]) الجارم في ضمير التاريخ: إعداد ولده الطبيب الأستاذ الدكتور/ أحمد علي الجارم، عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة، آمون للطباعة والتجليد، ط1/1414هـ-1994م، ص 157-160، هذا وقد نَسبت الموسوعة الشعرية( المحوسبة)- الإصدار( 3)، المجمع الثقافي، أبو ظبي- الإمارات العربية المتحدة- هذه القصيدة إلى الشاعر علي الجارم نفسِه، ولكنَّ قراءةً متدبِّرَةً لها تُبينُ أنها ليست له، ثم إن إثباتها للشاعر محمود غنيم- في المصدر الذي رجعنا إليه- لَيؤيد هذا التصويب.

([4]) تُنظر القصيدةُ في: علي الجارم: ديوان الجارم، الدار المصرية اللبنانية- القاهرة، ط3/ 1417ه = 1997م، م1/ ج2/ ص 358- 366.

([5]) أَخْبِيَة: جمع خِباء من بيوت الأعراب، ولعله الخيمة؛ فـ” هو من الوبر أو الصُّوف، ولا يكون من شعرٍ”- كما جاء عن الأصمعي، وعن ابن الأعرابي” الخباء بيتٌ صغيرٌ من صوفٍ، أو من شعر” ينظر، تهذيب اللغة( خ. ب. أ).- تُحْدىْ: تُغَنّىْ بِضَرْبٍ منَ الغناءِ العربيِّ القديمِ  يُسمّى فن الحُداء، وهو غناءٌ شعبيٌّ يُغَنّى للإبِل.- اليَعملات: وهي جمع اليَعْمَلَةُ: الناقة السريعة- الكَوَمُ: العِظَم في كل شيء، وقد غلَب على السَّنام؛ سَنام أَكْوَمُ: عَظيم، وبَعير أَكْوَمُ، والجمع كُوم، وناقةٌ كَوْماءُ: العظيمةَ السَّنام وطويلتُهُ، وإبلٌ كومٌ, وكُومُ جمع كَوْماءِ.- أنضاء: جمع النِّضْوِ: وهو البَعيرُ المهزول، وقيل: هو المهزول من جميع الدواب، وهو أَكثر، وقد يستعمل في الإِنسان.- لَغَبَت: فعل ماضِ بمعنى تعبت أو أَعْيَت، يقال: لَغَبَ يَلْغُبُ، بالضمِّ، وألغبتُهُ: أعْيَيْتَهُ وأنْصَبْتُهُ. أما لغِبَ( بكسر الغين) ويلغَب( بفتح الغين) فلغةٌ ضعيفةٌ فيه، والفعل مشتقٌّ من اللُغوب أو اللغَبِ واللَغْب واللَغِب، بالكسر لغة ضعيفة، وهو التَّعَبُ وشدةُ الإِعْياءُ، أما اللغَبُ فقد جاء تعليلُ فتحِ غينِهِ- في لسان العرب- بوجودِ حرفِ الحلقِ الغين، وهو التشكيلُ الذي عاينّاهُ في النسخةِ التي اعتمدنا عليها، وفي الموسوعة الشعرية.- لآل: بائع اللؤلؤ- النّيب: جمع الناب، والجمع أنياب ونُيوبٌ وأَناييبُ وأَنْيُبٌ أيضاً على غير قياس- في هذا السياق- هي النّوقُ المُسِنَّةُ أو الهَرِمَة- النَّصَب: الإِعْياءُ من العَناءِ، وَنَصِبَ الرجلُ( بالكسر) نَصَباً: أَعْيا وتَعِبَ؛ وأَنْصَبَني هذا الأَمْرُ: أعياني وأتعبني. وهَمٌّ ناصِبٌ مُنْصِبٌ: ذو نَصَبٍ، مثل تامِرٍ ولابِنٍ، وهو فاعلٌ بمعنى مفعول، لأَنه يُنْصَبُ فيه ويُتْعَبُ، قال النابغة: ( البسيط)

كِليني لِهَمٍّ يا أُمَيْمَةَ ناصِبِ

 

وَليلٍ أقاسيهِ بطيءِ الكواكِبِ

 

([6]) أُلقيت هذه القصيدة في حفل تأبين شاعرنا الذي أقامه مجمع اللغة العربية في الجمعية الجغرافية في 20 مارس 1949م. يُنظر كتاب، الجارم في ضمير التاريخ: ص 11+ 119- 120.

([7]) تُنظر قصيدته” مصر” في ديوان الجارم: ج1/ ص 24 -30، وقد ألقاها في المؤتمر الطبي العربي الثاني في قاعة المحاضرات في الجامعة المصرية( يناير 1939م).

([8]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 76 – 82.

([9]) ينظر في عرضِ موقف العلماء من هذه القضيةِ اللغويةِ الفكرية: صادق عبدالله أبوسليمان: اتجاهات الفكر اللغوي في مصر العربية منذ بداية العصر الحديث حتى ثلاثينيات القرن العشرين، دكتوراة بإشراف: أ. د. عبدالمجيد أحمد عابدين- يرحمه الله- كلية الآداب/ جامعة الإسكندرية،1990م، ص 368 – 375.

([10]) وصفها علي الجارم بهذا الوصفِ في ديوانه ثلاث مرات.

([11]) تُنظر القصيدة في ديوانه: ج1/ ص 182 – 186.

([12]) تُنظر هذه القصيدة، ديوان الجارم: ج1/ ص 37 – 45.

([13]) تُنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 104- 112.

([14]) تنظر القصيدة في السابق: ج2/ ص 358 – 366.

([15]) لم أعثر على جمع” أمداح” في معجمات اللغة القديمة كالعين وتهذيب اللغة والصحاح ولسان العرب وتاج العروس…إلخ. وجاء فيها” مدَحَ ومَدَحَه وامتَدَحَه. وفلان ممدوح ومُمْتَدَح وَمُمَدَّح. ومَدْح ومديح ومَدائح ومِدَح، والمِدْحَة اسم المديح، ومِمْدَحَة ومَمادح وأمدوحة، وأماديح على غير قياس. وكذلك لم يذكره” المعجم الوسيط” الذي أعده مجمع اللغة العربية في القاهرة، مطبعة الشروق، ط4/ 1425هـ= 2004م، و” معجم اللغة العربية المعاصرة” الذي أعده الدكتور أحمد مختار عمر بمساعدة فريق عمل، الناشر: دار الكتب- القاهرة، ط1/ 1429هـ= 2008م. وذلك رغم وجوده في بعض الأشعار وبعض كتبٍ قديمةٍ، كما في قول الشاعر ابن الرومي( ت.283هـ):( الرجز)

وهّابُ أمداحٍ لوهَّاب نعمْ

 

يأمُل أن ترعَى له تلك الحُرَمْ

وقال ابن قلاقس( ت. 567هـ):( مجزوء الكامل)

وأعادَ فيها ما كسا

(م)

هُ بُرودَ أمداحٍ وأبدى

وقال لسان الدين بن الخطيب( ت.767هـ):( البحر الطويل)

وَنَخْلَعُ منْ أمْداحِ أحْمَدَ حُلّةً

 

علَيْك ومِنْ منْظومِ آياتِهِ عِقْدا

وورد هذا الجمع في غير موضع من شعر ابن نباتة المصري( ت.786هـ)، ومما قاله:( البحر الطويل)

ألم ترني أني نهضت بمدحه

 

وألقيت أمداحَ البرية عن فكري

وقال:( البحر الطويل)

تُفصّح لفظي مجزلاتُ هباته

 

فتحسن أمداح الجزيلة بالجزل

وقال المجاهد عبدالقادر الجزائري( 1807- 1883م):( البحر البسيط)

لا زال يربو مع الآنات بي أبدا

 

فلي به بين أهل الحبّ أمداح

 

([16]) غير أني قرأتُ في الموسوعة الشعرية بيتين يتيمين للشاعرَ نقولا الترك الإسطمبولّي( 1763- 1828م) ذكر في أحدهما هذا اللقب، قال:( الكامل)

وا حسرتاهُ على ابنة العرب التي
في شؤمِ يومٍ أرّخوه فيه، قُلْ   
ج

 

نقلت إلى دار البقاء الخالدَهْ
كم أحرقت برجوت قلب الوالدَهْ

ولا أدري ما إذا كان يقصد العربية؛ فالشاعرُ من أصلٍ يونانيٍّ، وُلِدَ وتوفّيَ في لبنان، وعملَ كاتباً في حملةِ نابليون، ولعلهُ هاله سيطرة الفرنسيةِ والعجمةِ على العربية فتَحسِّرَ على حالِها، أو قصد فتاةً لاقت حتفها.

([17]) ورد هذا اللقب في قصيدتي” اللغة وطن” التي ألقيتها في افتتاح مؤتمر مجمع اللغة العربية( القاهرة) في دورته( 71)، 1426هـ- 2005م، ونشرت في مجلة المجمع، ع. 106، ص 22- 23. قلت في مطلعها:( البحر الكامل)

لُغَةَ الْعُروبَةِ جاءَكِ الْفُرْسانُ
قَدْ حَفَّها رَبّي بِحُسْنِ رِعايَةٍ   

 

يَحْيَوْنَ مَجْداً عَزَّهُ الْفُرْقانُ
هذي الفَصيحةُ نورُها الْقُرْآنُ

 

([18]) الضمير في” بنفحتِهِ” عائدٌ على الرسول محمدٍ r.

([19]) تنظر القصيدة في” ديوان الجارم”: ج2/ ص 398 – 405.

([20]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 68- 73.

([21]) ينظر، لسان العرب:( ب. ي. د).

([22]) ينظر قصيدة” اللغة العربية” في الديوان: ج2/ ص 363 – 364.

([23]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 87 – 93.

([24]) تُنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 315 – 320.

([25]) تُنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 242 – 246.

([26]) تُنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 24 – 30.

([27]) تُنظر القصيدة في السابق: ج2/ ص 384 – 391.

([28]) الطَّمْطَمةُ بمعناها العام- يقصَد بها العُجْمَة، والطِّمْطِمُ والطِّمْطِميُّ والطُّماطِم والطُّمْطُمانيُّ: هو الأعجَم الذي لا يُفْصِح، ورجلٌ طِمطِمٌ، بالكسر؛ أي في لسانه عُجْمة لا يُفْصِح. وفي لسانه طُمْطُمانِيَّةٌ، والأُنثى طِمْطِمِيَّةٌ وطُمْطُمانِيَّةٌ، وهي الطَّمْطَمةُ أيضاً. وفي صفة قريش: ليس فيهم طُمطُمانِيَّةُ حِمْيرَ؛ شَبَّه كلام حِمْير لما فيه من الألفاظِ المُنْكَرة بكلامِ العُجْم. يقال: أَعْجَم طِمْطِميٌّ، وقد طَمْطَم في كلامه. والطُّمْطَمانية في لغة حِمْيَر أيضا إبدال لام التعريف ميماً، كما في حديث رسول الله r:” ليس منَ امْبرِّ امْصيام في امْسَفَر)؛ أيْ” ليس من البرِّ الصيامُ في السَّفر، ونقول في عاميتنا” امبارح” و” امبارحة”؛ أي البارِحة.

([29]) نَسبت” الموسوعة الشعرية” في سياق هذا المضمون إلى شاعرنا علي الجارم قوله:

وَتَرَكْتُ الْعِناْنَ للشِّعْرِ يَسْموْ

 

عَربِيَّ اللسانِ مِنْ عَدْناْنِ

والصحيح أن هذا البيت من قصيدةٍ نظمها ابنُ الشاعر بدر الدين مترسِّماً فيه خُطا والدِهِ في الاعتزاز بالعربية الفصيحة، وقد نظمها بمناسبة احتفاء مدينة” رشيد” بلد الشاعر بإحياء ذكرى شاعرها المُفَوَّهِ علي الجارم، ومطلعها:( الخفيف)

في ربيعِ الزَّمانِ جادَ زَمانيْ

 

بِلِقاءِ الأَحِبَّةِ الإِخْوانِ

وتتكون هذه القصيدةُ من أربعةٍ وعشرينَ بيتا، نَشَرَتِ الموسوعةُ الشعريةُ منها ثلاثة عشرَ بيتاً، وأهملت الأبيات الباقية التي تلتها، وإن ما يبعث الغرابة في هذا المقام أن الأبيات التي أهملتها” الموسوعة” تشير بوضوح إلى أن القصيدةَ ليست للجارمِ الأب، وتوخِّياً للدقةِ بحثت في ديوان الجارم الأب لَعَلّي أجد فيه الأبيات التي انتحلتها” الموسوعة” له، ولكني لم أجدها فيه، يقول بدر الدين في صدر الأبيات غير المثبتة في” الموسوعة:

يا تلاميذَهُ وَعارِفيْ الْفَضْلِ جِئتُمْ

 

لِتُحَيّوْا” عَلِيَّ” في المَهْرَجانِ

وإن ما يؤكدُ أن هذه القصيدةَ لابن الجارم أن ابنه الدكتور أحمد ذكرها في كتابهِ: الجارم في ضمير التاريخ” كاملةً منسوبةً إلى أخيه” بدر الدين”، ينظر الكتاب: ص 229 – 230.

([30]) الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر: الحيوان، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، 1938م، ج1/ ص 40.

([31]) سورة هود، من الآية 13.

([32]) تنظر القصيدة في ديوان الجارم: ج1/ ص 196 – 203.

([33]) جاء في إحصاء “الموسوعة الشعرية” أن” الضاد” بمعنى” اللغة العربية” وردت في ديوان الجارم” سبع عشرة مرة”، وليس هذا العَدُّ صحيحا؛ لأن الرجوعَ إلى ديوان الشاعر المطبوع يبين ورودها فيه خمس عشرة مرة فقط، وذلك على النحو الآتي:” اللغة العربية ودار العلوم”: ج2/ ص 358 – 366، وقد ورد فيها هذا اللقب أربع مرات، و” اللغة العربية”: ج2/ ص 358 – 366، وجاء وُرودُهُ فيها مَرَّتَين، وجاء استعمالُهُ لمرةٍ واحدةٍ في القصائد الآتية:” إبراهيم بطل الشرق”: ج1/ ص 46 – 49+” تحية دار الإذاعة”: ج1/ ص211 -216+” تكريم”: ج2/ ص510 – 513+” درة التاج: ج2/ ص 567 – 95″+ ” رثاء أنطون الجميل باشا”: ج2/ ص 516 – 521+ ” ذكرى وتاريخ”: ج2/ ص555 – 559+” المجمع اللغوي”: ج2/ ص 398 – 405+” من شاعر إلى شاعر”: ج1/ ص 98 – 100+” لبنان “: ج2/ ص 522 – 529. أما عن تفسير الزيادة في حِسابِ” الموسوعة الشعرية” فمرجعه إلى خطئها في انتحالها قصيدتين له، جاء في كلِّ واحدةٍ منهما ورودُ” الضادِ” مرةً واحدة، الأولى للناقد الشاعر عباس محمود العقاد، ومطلعها( البحر الخفيف):

فُجِعتْ مِصْرُ يومَ نَعْيِ” عَلِيٍّ ”
ج

 

بالأديبِ الْفَهّامةِ الأَلْمَعِيِّ

والأخرى للشاعر محمود غنيم، ومطلعها( البحر الكامل):

عَرْشٌ يَنوْحُ أَسىً على سُلْطانِهِ
ججج

 

قد غابَ كِسْرى الشِّعْرِ عَنْ سُلْطانِهِ
جج

ينظر كتاب، الجارم في ضمير التاريخ: ص 11+ 119 – 120+ 157 – 160.

([34]) ينظر الأبيات في ديوانه: ج2/ ص 398 – 401.

([35]) ينظر القصيدة في السابق: ج2/ ص 510 – 513.

([36]) الدَهْرُ- كما جاء في لسان العرب- بسكون الهاء وفتحها، الزمان، أو الأمد الممدود، وقيل: ألف سنة، ويُجمع على دُهورٍ وأدْهُر. على أننا نرى الجارم قد جمع” الدهر” على” أفعال”، وهذا ما لم يرد في المعجمات القديمة التي اطّلعنا عليها ، ويبدو أنه وردَ على ألسنة بعض المتأخرين مشاكلة لجمع” فعَل” بفتح العين، كما في( زَهَر أزهار- فَلَك أفلاك- قمَر أفمار)؛ الأمر الذي أراه قد سوّغ لابن سيدة القول:” وجمعُ الدَّهْرِ أَدْهُرٌ ودُهُورٌ، وكذلك جمع الدَّهَرِ لأَنا لم نسمع أَدْهاراً، ولا سمعنا فيه جمعاً إِلاَّ ما قدّمنا من جمع دَهْرٍ”. إن قول ابن سيدة” ولا سمعنا فيه…” يمكن حمله على أنه لم يَطّلع عليه في لغة العرب، بل لم يكن مطّرداً بدليل وروده في شعر مسكين الدارمي( ت. 89هـ)، وهو شاعر تميمي، قال:( البحر الخفيف)

ابن عامين وابن خمسين عاماً

 

أَي دَهرٍ أَلا له أَدهارُ
ج

ويبدو أن الجمع على” أدهار” قد ساغ لبعض المحدثين؛ فهذا الشاعر اللبناني حنا الأسعد( 1820- 1897م) قال:( البحر البسيط)

ويحٌ لدهرٍ أَتى ذا الانعكاس بِهِ

 

تباً لهُ ما مَضى بالدهر أدهارُ
ج

وقال ناصيف اليازجي( 1800- 1871م):( البحر البسيط)

أعطاهُ مولاهُ من فضلٍ على صِغَرٍ

 

ما ليسَ تُعطَى شُيوخٌ ذاتُ أدهارِ
ج

وقال إبراهيم اليازجي( 1847- 1906م) يقول في شعره:( البحر البسيط)

وَهمُّهُ كلّ يَومٍ كَسبَ مَأثرةٍ

 

تَخُطُّها في سجِلِّ الفَخرِ أَدهارُ
ج

وقال مطران خليل مطران( 1871- 1949م):( البحر الخفيف)

عَدِّ عَمَّا تُجِدُّ أَدْهَارُ ذُلٍّ

 

فِي نُفُوسٍ مِنْ سُوءِ الاِسّتِعْدَادِ
ج

وقال علي محمود طه( 1903- 1949م):( البحر البسيط)

يا أيها البطلُ الصنديدُ جئتَ بما

 

تحدثتْ عنه أدهارٌ وأقوامُ
ج

 

      ومن اللافت للنظر أن المعجم الوسيط قد فرَقَ في جمعِهِ بين كلمة” الدهْر” بسكون الهاء، وكلمة” الدَّهَر” بفتح الهاء، وذكر للأولى جمع( أدْهُر) و( دُهور)، وللأخرى الجمع( أَدْهار) الذي لم تورده معجمات اللغة القديمة التي اطّلعنا عليها. أما أحمد مختار عمر في” معجم اللغة العربية المعاصرة” فلم يفرق بين كلمة” الدهْر” بسكون الهاء وكلمة” الدَّهَر” بفتحها فذكر لهما جمعاً( أدْهُر) و( دُهور) و( أَدْهار. والصحيح في رأيي صحته، وذلك لأن الهاء صوتٌ حلقي، وأصوات الحلق لعمق مخرجها تحتاج إلى الفتحة لتيسير نطقها، وكأن في اللجوء إلى الفتحة توسعةً لمجرى النطق، وفي هذا السياق أذكّر بالمقامرة أو المبايعة التي جرت مع” رجل من العرب- على- أنْ يشربَ عُلبة من لبن ولا يتنحنح فشرب بعضها فلما جَهِدَهُ الأمرُ قال: كبشُ أملح؛ فقيل له: ما هذا؟ تنحنحت. فقال: من تنحنح فلا أفلح“(أ)؛ لنتدبّر كيف ارتكن هذا البدوي على صوت الحاء في توسعة حلقهِ للتغلب على شرب اللبن المَخيض أو الرائب.

(أ) تُنظر هذه القصة في ترجمة جعفر بن علبة الحارثي في كتاب ابن جني: المبهج في تفسير أسماء شعراء ديوان الحماسة، مطبعة الترقّي- دمشق، الناشر: مكتبة القُدسي والبُدين، 1348هــ، ص 16.

([37]) ديوان الجارم: ج1/ ص 76.

([38]) السابق: ج2/ ص 522 – 529.

([39]) السابق: ج1/ ص 46 – 93.

([40]) السابق: ج1/ ص 227 – 231.

([41]) السابق: ج1/ ص 26 – 30.

([42]) ومن ذلك قصائده:” اللغة العربية ودار العلوم”+” العروبة”+” تحية دار الإذاعة”+” مصر تُعَزّي العراق”+” جرجي زيدان” ج2/ ص 582…إلخ.

([43]) ديوان الجارم: ج1/ ص 151 – 156.

([44]) السابق: ج2/ ص 522 – 529.

([45]) أقامت جامعة الدول العربية مؤتمر الثقافة العربي الأول في لبنان في عام 1947م؛ فرآه شاعرنا مقاماً مناسباً يدعو فيه إلى تحصين عروبة الشبابِ ولمِّ شملها فيهم يكونُ أساسُهُ في اتخاذ العربيةِ الفصحى لساناً موحّداً- بفتح الحاء وكسرها- لهم.

([46]) عبَّرَ” شاعرُ النّيلِ” أو” شاعر الشعب” حافظُ إبراهيمَ( 1872- 1932م) عن هذه المعاني التي جاءت في شعر شاعرنا، وأجاد، وذلك حين قال في قصيدته” اللغة العربية تنعى حظها”:

وَسِعْتُ كتابَ اللهِ لفظاً وغايةً

 

وما ضِقْتُ عن آيٍ بهِ وعظاتِ

فكيفَ أضيقُ اليومَ عنْ وصفِ آلةٍ
أنا الْبَحْرُ في أحشائهِ الدُّرُّ كامن
­­­­­­­­­­­­­­

 

وتنسيقِ أسماءٍ لِمخترعات؟
فَهَلْ سَأَلوا الغَوّاصَ عَنْ صَدَفاتيْ؟‍
­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­­

 ([47]) تنظر القصيدة في ديوان الجارم: ج2/ ص 413 – 415.

([48]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 68 – 73.

([49]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 68 – 73.

([50]) السابق: ج1/ ص 151 – 156.   

([51]) يقصد قصيدته التي مطلعها:

أَضحى التَنائي بَديلاً مِن تَدانينا

 

وَنابَ عَن طيبِ لُقيانا تَجافينا

 

([52]) ديوان الجارم: ج2/ ص 321-328.

([53]) تنظر القصيدة في السابق: ج1 ص 182 – 186.

([54]) تنظر القصيدة في السابق: ج2/ ص 510 – 513.

([55]) السابق: ج2/ ص 416 – 422.

([56]) تُنظر قصيدة” جرجي زيدان” في” ديوان الجارم”: ج2/ ص 582.

([57]) تنظر القصيدة في” ديوان الجارم”: ج1/ ص 227 – 231.

([58]) تنظر القصيدة في” ديوان الجارم”: ج2/ ص 516 – 521.

([59]) الغطاريف جمع غِطْريف بكسر الغين، ويُجمع غطارِف وغطارِفة أيضا. والغِطْريفُ هو السيد الشريف، وقيل: السّخيّ السّري، والفتى الجميل أو الظريف أو الحَسَن، وهو فرخ البازي، وفيه ثلاث لغات: الغِطْرَوف كنطق الفِرْدَوْس، والغُطْروف كَزُنْبور، والغِطْراف، وتَغَطْرَفَ: تَكَبَّرَ؛ والغَطْرَفةُ والتَّغَطْرُف والتَّغَتْرُف التكبر. ينظر،( غ. ط. ر. ف) تهذيب اللغة، لسان العرب، تاج العروس.

([60]) ديوان الجارم: ج2/ ص 424 – 427.

([61]) تنظر القصيدة في السابق: ج1/ ص 211 – 216.

([62]) ابن تَغْري بَردي الأتابكي، أبو المحاسن يوسف: النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة،( تراثنا)، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب مع استدراكات وفهارس جامعة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، 1383هـ = 1963م، ج6/ ص 157.

([63]) ديوان الجارم: ج1/ ص 76.

([64]) السابق: ج2/ ص 555- 559.

([65]) تُوفي شفيق نجيب متريُّ في سنة 1938م، وهو أديبٌ شاعرٌ محبٌّ للأدب، وكان صديقاً للبستاني صاحب ترجمة” الإلياذة”، واحتفاء بهذه الترجمة قام بجمع ما كتب الأدباء والمفكرون عنها وطبعه في كتابٍ مستقلٍّ سماه” هدية الإلياذة” ونشره في عام 1950م بعد عام من نشر الإلياذة. هذا وقد رثا شاعرُنا الوفيٌّ لأصدقائه صديقه نجيب متري بعد وفاته في قصيدة عنوانها:” نجيب متري”، وصدّرها بقوله:( البحر السريع)

قُمْ وَانْثُرِ الزهْرَ عَلَى لَحْدِهِ

وَابْكِ مَضَاءَ الْعَزْمِ مِنْ بَعْدِهِ

ينظر، ديوان الجارم”: ج2/ ص 551 – 552.

التعليقات مغلقة.