الرسالة الحماسية الثانية (شباب و مشيب) – بقلم: د. أحمد كمال

 

كتب حماسة طيب الله ثراه على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي (face book) يذكر فيها عهد الشباب وبعض أحوال القلب فيه ، وذلك في اليوم الثامن من شهر ديسمبر من العام الرابع عشر بعد الألفين للميلاد قال فيها :

إذا نظرت إلى المرآة آلمني ما قد أراه ، تجاعيد وتغيير
كأننى واحد قد حل سابقه أين الذي شاغلته اﻷعين الحور

قد كان شرخ الشباب العذب يمنحنى

نورا بوجهى، وولى ذلك النور
ولي حميدا وأبقى كل مبكية والنفس يهتاجها للذكر مأثور
قلبي هو القلب ﻻ تغيير يطرقه

 

يهوى الحسان وتأباه اﻷسارير
فمن لقلبي إذا ما هام يعذره   تأبى السنون ويأبي منه توقير

وقد اهتزت نفسي لمعاني لهذه الأبيات، وكيف لا وهذا رجل من أحب الناس إلى قلبي يبكي شبابه، وما يبكيه إلا لخطب أهمه أو أمر حز به، فكتبت إليه هذا الرسالة وأرسلتها على (الخاص) وذلك في اليوم العاشر من شهر ديسمبر من العام الرابع عشر بعد الألفين للميلاد:

بسم الله الرحمن الرحيم

«سلام عليك أما بعد فإن بكاءَك الشبابَ لعجيبةٌ من العجائبِ وغريبةٌ من الغرائبِ ، وأنت الذي كلما طالعتُ صفحته ومنشوراته وقرأتُ كلماتِه قوِيتْ نفسي واشتدَّ بأسي ، وقلتُ: قد سقاني ذاتَ يوم فضلَ كأسه، وقال: ( اشرب لتكون مثلي )، وتلك لعمري أمنيةٌ عظيمةٌ وحلمٌ إن لم ندركه كفانا منه العيشُ الرغيدُ ، وهو كما قيل:

مُنَىً إِنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أَعْذَبَ المُنَى  وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَـــــا زَمَنــــــًا رَغْدا

ولو أني رأيت تلك المرآةَ التي آذتك بالكاذبِ من الخبرِ لكنتُ من أمرها بين خيارين ، أما أولهما فجعْلُها جُذاذا لما أحدثه خبرُها في نفس الأستاذ ، وأما الثاني فشكرها على إلهامها إياه الدررَ الفرائدَ الرائيةَ :

لَيتَ المِرَايةَ إِذْ آذَتْكَ قَدْ كُسِرَتْ  قَوَّالَــــــــةَ الزُّورِ أَو بَـــــاتَتْ بِتَنُّورِ

ولو أنها صدقت الأستاذَ الخبرَ لقال :

لَمَّا نَظَرتُ إلى المِرآةِ أسْعَدَني   وَجهٌ تَهَللَ فيه البِشرُ والنـــُّــورُ

فكلُّ فاتنة غيداءَ يَأْسرُها هذا   الحَدِيثُ ويَأبى الفُحشَ تَوقيرُ

وأما الهوى فإذا صادفَ محله فلا تأباه الأساريرُ ولا يناقضه التوقيرُ ، وما الحياة بلا حِبٍّ يركن إليه الإنسانُ فيطمئنُ جنانُه وينطلقُ لسانُه ، وهو أمرٌ لا يخلو منه الرجلُ إلا أن تخلو منه الدنيا ، ولذا (لم تأمن امرأةٌ أحدًا من الرجالِ إلا أنْ تأمنَ الماءَ أن يتسربَ من الغربالَ) .

دامت صفحةُ الإمامِ عامرةً بمنشوراته مبهجةً مريديه بالمعجبِ الرائقِ من كلماتِه»

وكان أنْ قرأ ـ بلغه الله الدرجات العلى ـ رسالتي فأجابني مرتجلا فور مطالعته الرسالة بأبيات هي الغاية والأرب، ويقصر دونها كل طلب ، قال فيها :

حياك ربِّي أخِى مِن قَائِلٍ  ذربٍ لسَانُه ، قَولُه بالرَّقِ مَنْشُورُ
بَيَانُه رائقٌ عذبٌ له عبقٌ وشعره منه منظومٌ ومنثورُ
جُزِيتَ خَيرًا أَخِى عَنْ كُلِّ مَكْرُمَةٍ تَهْدِي بها النَّاسَ، والأَقْوَالُ تَنْويرُ
وَ ﻻَ تَكفَّ عَنِ الحُسْنَى تُردِّدُها ﻻَ تُسْتَثَارُ، وَ ﻻ يُثْنِيكَ مَحْذُورُ
يَخْشَي اﻹِلَهَ ويَهْدِيهِ تَطَلُّعُه للبِّر ِ   والبرُّ  مِنْهُ  كُلُّهُ  نُورُ
أمَّا الذِي قُلْتَه مما اهْتَمَمْتُ لَهُ فإنه   الحَقُّ مَا فِى الحَقِّ تَغْرِيرُ
قد جاوزت سِنِّي السَّبْعِينَ فِي نَصَبٍ ولَيْسَ بَعْدَ اطِّعَانِ السِّنِّ تَزْويرُ
قَدْ عِشْتُهَا طَالِبًا للعِلْمِ مُجْتَهِدًا عَلِّى بِهِ أَهْتَدِى والعِلْمُ تَحْرِيرُ
وشَاغَلَتنى به بَعْضُ الحِسَانُ فَمَا جَاوَزْتُ حَدِّى  وَحَفَّتْنى الَمَحَاذِيرُ
وَخفت ربي خَوفا قَد عصمتُ به وكنتُ أَعلَمُ أَن الحب مَقدورُ
وزايلتني أيامُ الشبَاب فَمَا أَبْكِى عَلَيْهَا  ﻷَنِّى اﻵنَ مَسْرُورُ
بِمَا أَفَاضَ إلَهى اليَومَ مِنْ نِعَمٍ مِنْ بَينهَا أَن غَوَتني الأَعْيُنُ الحُورُ
فَلْتَطْمَئِن أَخِى إِنِّى   بِمَا حَفَلَتْ   شَيْخُوخَتِى مِنْ نَعِيمِ اللهِ مَغْمُورُ

 

التعليقات مغلقة.