الأُرجوحة – بقلم: نهى الطرانيسي

جلست أتأمل السماء، لا يطرف لي جفن، أزيد التركيز؛ لعله هروب من أخبار سوداء وحمراء ملأت الشاشات وضاقت بها روحي، شعرت بأنني أو بالأحرى كلنا مثل (عبيد الكورو) لنا ميراث تلك الأخبار لجيل بعد جيل، فمتى يحين إذن من يخالفنا ولو جيلاً واحدًا فقط ليتلقى الأخبار البيضاء.

أنقذتني نغمات همست إلى نفسي، فأجابت شفتي بابتسامة مقتضبة، وأصابعي تداعب خيوط الشمس، كما كنا نفعل ونحن صغار لنشعر بالقوة والثقة بداخلنا تجاه الحياة، وكانت الحياة بالمقابل لا تعيرنا أي اهتمام وكأنها تخبرنا: لا تقلقوا…ليس الآن.

ما زال ذاك الوخز في قلبي كنبوءة العراف، حاولت الهروب منه لكنه ما زال مستمرًا وبقوة، حتى هاتفني أحد الأصدقاء ليخبرني أن زوجة أستاذي المقرب قد رحلت إلى دار الخلود.

تلعثمت كلماتي، وهربت الحروف، وظهر الارتباك واضحًا في صوتي، فكنت الشخص الوحيد المقرب له حتى بتنا كالأصدقاء من أحاديث النهار إلى سمر الليل وفضفضة مكنونات النفس بدون خجل، في أحدها باح لي أن حبيبته – كما كان يحب نعتها على الملأ- كانت بمثابة الزوجة والحبيبة والأم التي لم يرها فاختتم قائلا: أتراني محظوظا؟! فابتسم كلانا. لم أتمهل فأسرعت إلى منزله لأبصره جالسا على كرسي متواضع شبه مغمض العينين يعيش في غيبوبته يمضي إلى دنيا الأرواح، وموسيقى تحفه حفيفا يؤلم النفس، جلست بجواره بصمت إلى أن يأذن بالكلام.

تمنيت لو أن إحدى الغمامات هبطت لتمتص الحزن الجلي الذي لم يقدر أن يدفنه ويواريه كما دفن زوجته العزيزة، كلانا التزم الصمت القدسي الذي إن قطعه الكلام جرحه، وأمسى عرَضِيًّا هزليا مستخفا به.

ودعته بخجل، لم أستطع المواساة فالحدث أعظم، فمنزلتها في قلبه لن يشفيها بضع كلمات، وأنفاسها التي مازالت حية رطبة في الأركان لن تأبى المغادرة بكلماتي التافهة، وملابسها المشبعة بعطرها الذاتي الشذى لن ينسى بوهن كلماتي وذكريات الحياة والضحكات المخبأة بين الجدران ستظل ناقوسا يدق فوق أوتار الألم، فالعين تدرك والقلب يدرك ألا أحد يقدر على شفاء الجرح بدونهما، فليأخذا الوقت كما يريدان لتهدأ النفس المضطربة الشقية وليس لنا إلا أن ندعو له.

ظللت طول الطريق منكس الرأس، شارد الذهن وكأن المصاب بي، بل خوفا على أستاذي لتلفظه بكلمات تفضح ما بداخله بتمنيه موافاة الأجل قريبا. ألقى أحدهم بورقة في يدي تخبرني (أستطيع المساعدة لأكبر الأمور وأصغرها فلا تتردد). تعجبت لصراحة القول، فأقبلت على المكان المراد إذ بشخص ينتصف الغرفة جالسا بين أضواء لا قاتمة أو صافية، ونظرته ثابته واثقة مع ابتسامة ليست كاملة، أسرعت بسؤالي:

  • كيف تساعد؟

فضح سؤالي لهفتي فأجاب: (اختبرني يا سيدي، حدثني بمشكلتك وسترى…)

حدثته ولم أُخفِ قلقي من هواجسي:

(فهمت…أنت تخشى على سيدك من إنهاء حياته بيده أو حتى المحاولة، ولا تسكن معه! إذن كيف تمنعه؟ أليس كذلك؟!)

  • بلى !!
  • إذن ستكون أنت الشيء المتغير المتقلب في بيته.
  • كيف أكون هناك سيرفض ذلك؟
  • أنت عجول! إن تحدثت ثانية سيلتزم لساني الصمت.
  • تفضل.
  • قل لي: ما أقوى خصائص الحياة وتميزها؟
  • ماذا تقصد؟
  • إنه الإنسان، فهو المفضل فوق خصائص النبات والحيوان والحياة مسخرة له.
  • إذن ؟
  • سأعطيك إحدى وصفاتي لتردد الجمل الخاصة لتنقلب خصائصك الإنسانية إلى شيء تستطيع به مساعدة سيدك.
  • ما هي الجمل؟
  • (أنا الإنسان سيد خصائص الحياة) .. رددها إلى أن تشعر بذوبانك كشيء ليس بإنساني.
  • ترى أيفلح هذا أم أنك تخدعني؟!
  • لن نخسر من التجربة، ولكن كن بالقرب من منزله.

فما كاد الصبح يظهر حتى ذهبت لمنزل أستاذي، فأبصرته من النافذة يبكي ممسكا بصورتها الملائكية، وعيناه تجمدان لتهم باتخاذ القرار.

(أنا الإنسان سيد خصائص الحياة) .. ملأتني شحنات الإيجاب والسلب بدون أذى، ولم أخشَها في تلك اللحظة، فأحدثت شرارة وصوتًا شديدًا، بعد أن أيقنت بهَمّه بشرب أحد السوائل المميتة، فسقط الكوب وأجفله الحدث ولم يهمه العُطل، بل جلس يلتقط أنفاسه ويراقب شتات الزجاج.

التقط إحداها بنظرة القاتل والمقتول؛ فتشنجت حركته بعد أن وقع على سمعه موسيقاها المفضلة، هرول لوسط المنزل مناديا باسمها، محدّقًا في جهاز تنبعث منه الأنغام بأعلى صوت، وأخذ ينظر إليه متأهبًا كأنما خُيل إليه أنها ستخرج منه مرددة للأغنيات من ثغرها الوردي، هَوَى جسده هونًا وضعفًا لم يقدر على الاستمرار فأتاه النوم رحبا مستأنسا بعد طول جفاء.

واسترحت أنا قليلا… أفقت معه وقت السحر، وقت سرد الأحداث والآلام ونشوء الذكريات، ليبدأ بسرد مذكراته الخاصة معها، وأنا أراقب من فوهة القلم أحرفه الملتهبة الباكية التي إن نطقت لصرخت وتمنت لو محاها ليريحها من وصمة الألم التي التصقتْ بها، حتى وصل برثائه إلى تفكيره الميت، فأفضت بنفسي خارج القلم ملطخًا الأوراق بالحبر الداكن، وتقلبت خصائصي كثيرا بين قطع الكهرباء وفتح النوافذ بمهل ليتجلى صوت الأذان نقيا هادئا…

أفقت من نومي بعد رحلة حلم طويل عسِر، أرهقني كثيرا وتنفست الصعداء لانتهائه وقبل أن أبدأ التفكير به، سبقني صوت الهاتف، فترددت في إجابته… 

التعليقات مغلقة.