العامية المصرية المكتوبة في العصر العثماني من كتاب (هز القحوف في شرح قصيدة أبي شادوف للشيخ يوسف الشربيني) – أ.د. محمد حسن عبد العزيز

تنزيل(هز القحوف) ربما كان الكتاب الوحيد في الثقافة المصرية والأدب العربي الذي يصور حياة الفلاح المصري بيئة ولغته.

          يقول همفري دافيز: إن اختيار الشربيني الحياة الريفية موضوعًا لكتابه لا نجد له نظيرًا في الأدب العربي قبل القرن العشرين، الكتاب يعد نصًّا فريدًا له أهمية لغوية لدارسي العامية المصرية في العصر العثماني، وبخاصة أنه لم يكن لدينا إلا فهم محدود وواضح لتاريخ وتطور اللهجات العربية، وما لدينا من كتب (لحن العامة) كان فحسب – مع أهميته – يوفر لنا رؤية محددة وانتقائية للغاية للمراحل المبكرة للهجات العامية، ولم يكن هدف كُتاب هذه الدواوين موجهًا غالبًا إلى طبيعة اللهجات وعصرها ومكانها الذي نشأت فيه، بل كان الهدف منه هو القضاء على أي لحن أو خطأ أو تغيير يخالف ما عليه العربية الفحصى”[1].

          وفي أهمية الكتاب في تصوير حياة المصريين في العصر العثماني يقول البقلي محققة: الكتاب إلى جانب أنه يأخذ بطرافته الألباب سِجِل تاريخي يصور الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويبرز كذلك الحياة الثقافية للعصر العثماني بوضوح وجلاء.

 ولننظر في علاقة أهل الريف بالكشاف والملتزم والأستاذ الذين كانوا أسياطًا على أعناقهم يبتزون أقواتهم كالبقرة الحلوب التي تدر عليهم لبنها، وتحرم الفلاح الفقير من قوت أهله.  وكانت العونة أو السخرة من أشق الأعمال التي يدفعون إليها بكل قسوة، ويعملون فيها دون أجر، وغير ذلك من أنواع المكوس والجوابي والوجبة والضمان، وكل وسائل ما جاء بها إلا الظلم والطمع[2].

          ويقول عالم الاجتماع محمد طلعت: أهمية هذا الكتاب أنه يكشف لنا النقاب عن التخلف وسيطرة المعتقدات الخاطئة والأساطير والخرافات التي تغرس عن عمد لإشاعة الخنوع والرضا بما هو قائم بالفعل[3].

          ويقول: “إن الفلاح (أبو شادوف) ما هو إلا رمز للفلاح المتخلف الذي يأبى إلا أن يعيش كما عاش أجدادُه، يستعمل ما استعملوه في فلح الأرض وحرثها وحصاد الزرع”[4].

          إن ما انتقده الشربيني وما أفاض في وصفه ليس راجعًا إلى طبيعة خاصة للمصريين – كما أوهمنا – وإنما يرجع إلى لون التنشئة الاجتماعية التي جمدت الرغبة في الحراك الاجتماعي، وأشاعت الانطواء والالتفات حول الذات بين قرانا المصرية.

          إن خبرات الأجيال التي توارثوها جيلاً بعد جيل – قد علمتهم غدر الحاكم وظلمه وقسوته من جهة، وغدر الطبيعة وعدم استقرارها من جهة أخرى.

          وعندما افتقد أهل الريف ثقتهم في الزمن، وثقتهم بحكامهم انطووا على أنفسهم راضين بما منحته لهم الطبيعة، غير راغبين في التجديد حتى لا يواجهوا بالمصائب والكوارث[5].

          ويعتذر عالم الاجتماع عن روح الخنوع والرضا بما هو قائم ولا ينحي باللائمة على الفلاحين: تناول الشربيني بوجه خاص أثر التعاليم الدينية الخاطئة في نفوس الجهلاء، ولكنه لم يستطع أن يوجه النقد صراحة . “ولم يكن من المتصور أن توصف هذه العبودية بقلم صريح واقعي لأن قطع الرقاب وقصف الأقلام كان نتيجة حتمية لكل من تداعبه نفسه إلى هز أنماط الحياة القائمة[6].”

          وقد صبغ الشربيني وصفه لأحوال المصريين في الكتاب بصبغة وصفية، كتابه مليءٌ بالعبارات الماجنة التي تمثل شخصيته ساخرة لا تملك إلا العبث بالألفاظ واستخدام الغريب منها والخارج على المألوف كأداة تنفيس عن كبت عميق لا يقدر صاحبه أن يواجه الواقع الاجتماعي بأساليب إصلاحية بناءة، ولهذا جاء هذا المؤلف متسمًا بصبغة وصفية تقريرية مصوغة في قالب هزلي ماجن”[7].

الكاتب والكتاب

الكاتب:

          يوسف بن محمد بن عبد الجواد بن خضر الشربيني، ولا نعرف شيئًا عن مولده أو نشأته، ولم نجد له ترجمة من علماء عصره ونعتمد في ترجمته على ما صرح به في كتابه الشهير، فهو من مدينة شربين بمحافظة الدقهلية، ومما استخرجناه من ذلك أنه كان عالمًا أزهريا ضليعًا في علوم اللغة والشريعة مستغلاً بالوعظ، وله في الوعظ والشعر الأخلاقي بعض كتب ما تزال مخطوطة.

الكتاب:

          ألف الشربيني كتابه استجابة لرغبة صديقه الإمام أحمد السندوبي المتوفي 1097ه، أتم الشربيني كتابه 1098ه.

          والكتاب من جزأين كبيرين، الأول: خصه بتصوير حياة أهل الريف وبيان ما هم فيه من جهل وفقر وسوء خلق، والثاني خصه بالقصيدة التي ألفها وشرحها، ولا يتسع المقام للحديث عما أورده من صفات أهل الريف ونكتفي بتعريف موجز عنها.

 عن القصيدة. بدأ هذا الجزء بمقدمة مطولة ترجم فيها لمؤلفها المزعوم أبي شادوف، وبعد أن أتم هذا الجزء انتقل إلى القصيدة نفسها يقف عند كل بيت من أبياتها فيشرحه شرحها مفصلا ويستشهد على ما يقول بشعر قديم أو حكايات قد يكون لها علاقة بالموضوع، وقد لا يكون مستعينًا في تفسير لغة القصيدة بمعجم لغوي هزلي أسماه (القاموس الأزرق والناموس الأبلق) الذي يحاكي في لغته قاموس الفيروزآبادي، والقصيدة من واحد وأربعين بيتًا.

          اعتمدنا في البحث على النشرة الأولى للكتاب التي صدرت عام  1247ه وعلى النشرة التي ظهرت عام 1308، وعلى نشرةٍ حققها وحذف منهما كثيرًا مما رآه من فاحش القول محمد البقلي 1963، وهي المشار إليها غالبًا في صفحات البحث، وعند رجوعنا إلى النشرة الأولى أو الثانية كنا نشير إلى صفحاتها.

          وتجنبا في تمثلينا لمفردات الكتاب وموضوعاته وما رأيناه من أحاديث مستهجنة مثل: اللواط، إتيان البهائم، أسماه أعضاء التذكير والتأنيب، الإزراء بالأقباط واليهود. وهو يحكي في هذه المواضع حكايات مزرية وأشعارًا مقذعة وعبارات مقززة.

من دفتر أحوال أهل الريف:

          تحت هذا العنوان الجامع وقفت طويلاً لأستخرج من الكتاب صورة قريبة من واقع المصريين من أهل الريف مما سجله الشربيني في كتابه.

 الفلاح المظلوم.

  • مضى العثمانيون على طريقة المماليك في تحصيل الخراج والمكوس والضمان، وفي القسوة على الفلاحين (المعذبين في الأرض) وازدرائهم، وتفننهم في انتزاع هذه الضرائب منهم.
  • ومما أبدع فيه العثمانيون (الوجبة) وهي في حكم الواجب على الفلاحين حيث يلتزمون بكلفة المشد والصراف وجميع من يكون من طوائفهم بأكلهم وشربهم وجميع ما يحتاجون إليه … ولو كان الفلاح فقيرًا ألزموه بذلك قهرًا وإلا حبسه المشد وضربه ضربًا موجعًا، وربما هرب من قلة ما معه (ص187).
  • وأسوأ من (الوجبة) العونة أو (غرامة البطالين) والعونة: أعمال متصلة بالفلاحة من حفر السواقي، وضم الزرع، وحفر القني، وكل ما يحتاج إليه الزرع، يقوم به الفلاح دون أجر، وكل ما تكاسل عن السروح أخذه المشد وعاقبه وغرمه دراهم معدودة، وبعض البلاد تكون العونة فيها على رجال معروفين في البيوت، ولا تنفك عنهم العونة، وإن مات جعلوها على ولده.
  • وأما المال الذي يقرره الديون من (الجوالي) و (القوانين) التي جرت بها العادة فهو الأسوأ، إذ ينتزعه زبانية السلطة بكل أساليب العسف والحبس والضرب لمن لم يقدر على علاقة فيضطر إلى بيع بهيمته التي تحلب على عياله … وإن لم يستطع أخذ ولده رهينة حتى يغلق ما عليه …(ص 200، 201).
  • وهكذا عاش الفلاح المظلوم في خوف دائم، وهم مقيم من مجئ الوجبة والعونة ونزول الكشاف والديوان، وهكذا قضي عليه أن يعيش في فقر مدجع لا يلتذ بطعام أو شراب، ولا يشعر براحة إلا إذا غلق مال السلطان، ومن أمثالهم (مال السلطان يخرج من بين الظفر واللحم، ص 201).

أطعمة أهل الريف:

  • أفاض الشربيني في الحديث عن أطعمة أهل الريف، وكأن القصيد وضع لهذا الغرض ولما يقاسيه الفلاحون من ضعف وهزال من مطعمهم الردئ القليل الفائدة. وفي أُثناء الحديث عن الطعام يستطرد في حكايات وموضوعات وأشعار وأمثال وأحاديث قليل منها له علاقة بالموضوع وأغلبها ليس له علاقة.
  • تحدث الشربيني: عن الكشك، والبيسار، والفول المدمس… حديثًا مفصلا في وصفه وكيفية صناعته، ولم يبخل علينا الشربيني بتعليقاته وأحكامه على بعض هذه الأطعمة التي تأباها الطبائع السليمة، وتعافه النفس (ص 252).

جهل الفلاحين بأمور دينهم:

          يتحدث الشربيني عن غفلة الفلاحين في أداء شعائر الدين وجهلهم بأركان الصلاة وعبثهم في أدائها، ويحكي في ذلك قصصًا طريفة من قبيل التفكه والسخرية، ومن ذلك أن فلاحا نوي للصلاة، وبعد أن قرأ الفاتحة حط يده على رأسه وقال: آه يا راسي: فقال له آخر متفقه: بطلت صلاتك، فقال له : أنا ما بشكي لك! أنا بشكي لربي وجع راسي، ثم أنه ركع وصلى وأتم صلاته (ص60).

فقهاء الريف:

          شن الشربيني حملة عنيفة على فقهاء الريف أو ما يسميهم علماء العوام، وحكي عنهم أحوال بعضهم حكايات مخزية، وما يقع منهم من الجهل المركب وقلة العقل والخبط في الدين” انظر (ص 35بولاق، ص 61 بولاق ص 67 بولاق).

          ويذكر الشربيني أنه منع من يتكلم في العلم أو يفتى أن يتكلم إلا عن خبر واطلاع وشدة احتياط بأًول المسائل وفروعها، ومراجعة النقول، ولا يلتفت لما يقع من جهلة علماء العوام. ص 37 بولاق.

من حكايات الفقراء ومدعي الولاية والكرامات.

          ويحكى الشربيني عن الفقراء (صوفية أهل الريف) ومدعي الولاية والكرامات حكايات عن سوء معتقدهم وما يقع منهم من مخاز.     ويذكر بعض من سلوكهم المخزي … ومزاعهم من الكرامات من أنهم يصاحبون الأولياء الراكبين النجائب الخضر، ومشاهدة الملكوت الأعلى والسفلى، وما يدعيه مريدوهم حين يموتون من طيرانهم بنعوشهم … الخ ومن الطريف أن العامة تصدقهم ويقولن : طار الشيخ بتحقيق) وتستقبل النسوة أفعالهم بالزغاريت. ويذكر للشربيني تنفيره من هذه الضلالات، ودعوته إلى الارتكان في معاملتهم إلى الشرع الحنيف.

غفلة مؤدب الأطفال: 

          أقول حقًا إنني قد آلمني حديث الشربيني عن مؤدب الأطفال الذي ينهض بتعليمهم القراءة وحفظ القرآن الكريم، ووصف هذا المعلم بقلة العقل، لأنه طول النهار رفيق الأطفال، وطول ليلة مع النساء. ويحكي عن معلم من هؤلاء قصة طريفة أعف عن ذكرها ولينظرها القارئ في (ص 43).

حكايات وخرافات وطرائف ونكات

          على الرغم من ثقافة الشربيني الأزهرية في علوم الشريعة ، فإنه يعكس في اختياراته وحكاياته روح التخلف، ويصور ما شاع في عصره من الجهل والخنوع واللغة وسوء الفهم.

          ومن تلك الحكايات التي يرويها عن كرامات الأولياء ما رواه عن عبد الوهاب الشعراني من أن زوجته أصابها مرض شديد أشرفت به على الهلاك ، وفي يوم جلس بجوار حائط تهدم فسمع هاتفًا يقول له خلص الذبابة من ضبع الذباب، ونحن نخلص زوجتك من مرضها، فالتفت الشيخ إلى الحائط فسمع حس الذبابة، فتحايل وخلصها فخلصت الزوجة في الحال وشفاها الله .ص 313، 314.

          وما أكثر التخاريف التي حكاها عن عجائب الطير والأسماك، وعن تلاوتهم للقرآن ومخاطباتهم للناس. بل ذكر أنه وهو متوجه إلى البحر إلى بندر القصير سنة 1075ه سمع طائرًا في غيط قمح يقول: طاب دقيق البر، سبحان القديم الأزلي، وسمعه كل من في السفينة. ص 244.

          ومن أسخف ما ذكره عن الأدوية أن أكل العدس يرقق القلب وأن الله أوحى إلى بعض الأنبياء أن مر قومك القساة بأكل العدس فإنه يرقق القلب ويكثر الدمعة. (ص 262).

          ومن ذلك ما ذكره من أن للذباب خواص ومنافع مذكورة في بعض الكتب، منها أنه إذا أخذت ذباب، وربطت وهي حية في خرقة بحيث تكون واسعة عليها حتى لا تموت، وعلقت على من يشتكي الرمد خففت عنه”. ص 313.

          ومن الخرافات التي ذكرها عن طبائع الأشياء أن فرعون استنبت الموز من القلقاس، وكان يشق القلقاسة ويملؤها سكرًأ، ويعيدها في الطين بحكمة يعرفها فتصير موزًا حلوًا (ص 245، 246) وغير ذلك مما يجافي العلم قوله: إن الندى النازل وقت السحر على الزرع هو نفس دابة في البحر (ص 72).

          وينقل بعض من بعض كتاب التاريخ حكايات عجيبة عن مقتل الحسين وشبية سيدنا إبراهيم، وشره سليمان بن عبد الملك وهي حكايات طريفة حقًّا ولكنها- بكل تأكيد – خرافات.

          أما النكات والطرائف فقد أبدع في روايتها وأغرقنا في ضحك هادئ لطيف على النحاة والفقهاء والأدباء والزوجات والأزواج.

          وتزوج رجل بامرأة مات عنها خمسة أزواج، فلما مرض هذا السادس صارت تبكي وتقول: إلى من تكلني بعدك؟ فقال لها: إلى السابع الشقي. ص 344.

*******

الظواهر اللغوية في الكتاب

الظواهر الصوتية:

          لعل هذا الكتاب من أوسع ما قرأناه في التعرف على الخصائص العامية المصرية المكتوبة الصوتية والنحوية، وأغلب هذه الخصائص يرجع إلى العصر المملوكي الذي تحدثنا عن خصائص لغته عند أبي سودون وابن إياس.

  • التخلص من الأصوات الأسنانية: الثاء والذال والظاء واستعمال نظائرها الأسنانية اللثورية التاء والدال والضاد في أغلب المواقع، وثمة ظواهر صوتية أخرى وإن كانت غير مطردة، مثل قلب اللام راء في ريري… الخ
  • شيوع تسهيل الهمزة في الأسماء والأفعال وحذفها في كثير من المواقع، وإشباعها وتقصيرها في الشعر والنثر.
  • والكتاب حافل بكلمات مشتركة بين الفصحى والعامية، تؤثر الفصحى حركة أو سكونًا وتؤثر العامية حركة أخرى أو سكونًا فِجل بَهلول، صَندوق غُربال،..الخ.
  • وقد تضمن الكتاب- وكان صاحبه الشربيني عالمًا لغويًا أزهريًاوواعظًا وأديبًا بارعًا في الزحل وغيره من فنون الشعر العامية- عددًا كبيرًا مما سجله من العامي المكتوب أو الذي كتبه بنفسه، وقد علق كثيرًا على ما ورد في كتابه من اللغة الريفية، فوصف كثيرًا من ظواهرها، وحدد كيف كانت تنطق في عصره بطريقة دقيقة مثل الثاء المثلثة والتاء المثناة، والضاد المعجمة،،، بل حدد معاني كثير من الألفاظ الريفية كما كانت تستعمل في عصره.

من الظواهر النحوية: 

  • التخلص من الإعراب والركون إلى السكون في مواقعه، وما انبنى على ذلك من ظواهر تركيبية مثل اختفاء بعض الأدوات التي لها علاقة بالإعراب مثل: ليس، وإن النافية، واختفاء: لم ولن وكي ولام الأمر، ولكن …إلخ.
  • اختفاء نون النسوة وما انبى على ذلك من إسناد الفعل إلى جمع المذكر
  • اختفاء نون التوكيد خفيفة أو ثقيلة.
  • ندرة استعمال المثنى من الضمائر والأسماء الظاهرة.
  • إلزام جمع المذكر السالم الياء.
  • استخدام الفعل المضارع مسبوقًا بالباء للدلالة على الاستمرار.
  • كسر حرف المضارعة.
  • شيوع حذف النون الرفع من الأفعال الخمسة دون جازم أو ناصب.
  • استخدام (اللي) بديلا عن الأسماء الموصول في الفصحى الذي والتي واللذان ..إلخ.
  • وربما كان الشربيني أول من وجدت عنده استعمالات متعددة للنفي المركب من: ما + الفعل + الشين: ماكلتش، ومو + الاسم + الشين: موش رايح، وثمة تركيب وأدوات الاستفهام لم أجدها عن غيره، وانظر ذلك الظواهر اللغوية في الكتاب.

أساليب وأدوات:

وبعد أن استوفينا الحديث عما أحصيناه وحللناه من الظواهر اللغوية عنينا عناية خاصة بما شاع في الكتاب من أساليب وأدوات مثل: إكمني وكمان، وأهه، وبس ونتّه، وراخر، وعشان، وكاني وماني، وكنوا، ويا دوب، ويارتيني ،وغير ذلك.  مع دراسة تأصيلية لهذه الأساليب والأدوات.

معجم أهل الريافة:

جمعنا مادة غزيرة من الألفاظ الشائعة بين أهل الريف من الأسماء والأفعال، ورتبناها في معجمين أحدهما: عن الأسماء والثاني عن الأفعال.

          معجم الأسماء يضم ألفاظًا وضعناها في مجالات دلالية: أسماء الملابس والنبات والفاكهة، والطعام والشراب، والأواني والأوعية والأدوات، وألفاظ عامة في غير المجالات السابقة، كل هذا من خلال أمثلة في سياقها مما يعين في معرفتها.

معجم الأفعال: يضم أفعالاً مشتركة تستعمل كما هي في الفصحى، وأفعالاً من أصول فصيحة حدث لها تغيير في بناها أو معناها أو فيهما معًا.

          وفي المعجمين عشرات من الأمثلة تضم مفردات عامية خالصة ليس لها أصول في المعاجم العربية القديمة أو الحديثة.

          ولمزيد من الفائدة أشرنا إلى المصدر الذي رجعنا إليه في تأصيل مفردات المعجمين.

          ومن فضول القول أن نقول بذلنا جهدًا كبيرًا في إحصاء مفردات المعجمين من خلال نصوص الكتاب، وفي تحليل بنية هذه المفردات ومعانيها وبيان أصولها وما حدث لها من تغيير إذا كان قد حدث إيمانًا بما نعتقده من العلاقة الوثيقة بين اللغة والمجتمع، ولغة الكتاب حقًّا تعكس حياة أهل الريف في كل ما يتصل بها، ويبين – بدقة – عن أساليبهم في الحياة، وتعاملهم مع العناصر الطبيعية …إلخ. وانظر (أساليب وأدوات في الكتاب).

مستويات الخطاب في الكتاب:

          يعد كتاب الشربيني – بمعنى من المعاني – كتابًا في الأدب أدب النوادر والطرائف، ومن ثم فهو حافل بنصوص من الشعر والنثر تنتمي إلى التراث العربي الفصيح كما هو حاف بنصوص من العامية المكتوبة في عصره، وقد أغراني ذلك بالبحث في مستويات هذه النصوص وبيان خصائصها اللغوية، ودلالتها الثقافية والاجتماعية، وقد تبين لي أنها ثلاثة مستويات أساسية، وقد تتفرغ إلى مستويات أخرى بحسب خصائصها الدقيقة.

المستوى الأول:

          فصيح يراعي القواعد، ومعجمه تراثي لشعراء فصحاء من عصور الأدب العربي المتعددة كابن دريد وابن هانئ والمتنبي وأبي نواس… إلخ ، وقد أضاف إلى هذه نصوصًا فصيحة لشعراء وكتاب عصره بل ونصوصًا ألفها هو شعرًا أو نثرًا.

المستوى الثاني:

          عامي – وهي عامية سجلها الأدب الشعبي الشفاهي – بعبارة أخرى كانت محاولة لتمثيل المنطوق بحروف الفصحى وقواعد إملائها، ومن هذه النصوص

  • أبو حفرة شيخ البلد يحكي ذكرياته في عيد الأضحى
  • فلاح لا يميز بن البسارية (سمك صغير) والكنافة.

المستوى الثالث:

          فصيح عامي، وهو شكل لغوي وسيط، مزيد من خصائص الفصحى والعامية، ونصوصه تتفاوت قربًا أو بعدًا من المستويين السابقين، ومن نصوص هذا المستوى.

  • فلاح مصري من كفر أبو زعبل في إيوان الخليفة هارون الرشيد
  • ثلاث نسوة من أهل المدينة يتبارين في السخرية من فلاح مصري مسكين، ذهب إلى المدينة ليبيع بضاعته الريفية، ولهذا المستوى شكلان:

أحدهما؛ يغلب فيه الفصيح ومن أمثلته:

  • فلاح يشكو مرض معدته.
  • خطبة للشربيني في أطعمة أهل الريف.

والثاني: يغلب فيه العامي، ومن نصوصه:

خطبة لفقيه من أهل الريف وأخرى لفقيه آخر.

وقد علقت على هذه النصوص جميعًأ بتعلقيات لغوية لبيان خصائصها التركيبية والدلالية.

موقف الشربيني من الفلاح المصري ولغته:

          يقول الشربيني في مقدمة كتابه: أسطر في الأوراق من فشار وما يكون من الخرافات والخلاعة والمجون”. فقد يلتذ السامع بكلام فيه الضحك والخلاعة، ولا يميل إلى قول البلاغة والبراعة، لأن النفوس متشوقة إلى شيء يسليها من الهموم ويزيل عنها وارد الغموم (ص 15).

          ويصف عمله بقوله: نذكر ما وقع لعوام بعض أهل الريف، ووصف طبعهم وأخلاقهم وذواتهم وأسمائهم، فأما سوء أخلاقهم وقلة لطافتهم فمن كثرة معاشرتهم للبهائم والأبقار، وعدم اكتراثهم بأهل اللطافة وامتزاجهم بأهل الكثافة، وملازمتهم المحراث والجرافة، وهز قحوفهم حول الأجران، وطرهم في الملق والغيطان، وذلك من قلة عقولهم وكثرة جهلهم، وسوء أخلاقهم، وينهي هذا الوصف بقوله: إنهم همج الهمج (ص 17، 18، 28.

          وقد اختلف الباحثون في موقف الشربيني من الفلاح المصري، بعضهم يرى أنه احتقر الفلاح المصري وصور أحواله أسوء تصوير، بل أزرى بالفلاحة وحمد الله الذي أراحه منها وهمها ولم تكن لآبائنا ولا لأجدادنا، وبعضهم يرى أنه على الرغم  من مبالغته في أوصاف الفلاحين وما فيهم من جهل وسوء خلق فإنه دافع عنهم ضد ما يلقونه من حكامهم من ظلم.

إن الشربيني دافع حقًّا عن فلاحي عصره فيما وقع عليهم من ظلم حكامهم فأنكر العونة والوجبة، ومن مذلة معاملتهم في جمع المال المقرر عليهم؛ لأن هذه الوقائع تخالف فحسب الشريعة الإسلامية، ولم يكن له وهو الفقيه والواعظ إلا أن يحكم بحكمها.

إن الشربيني لا يقنعنا منه دفاعه فحسب عما يقاسيه الفلاح من ظلم فادح، ويرى في الوقت نفسه أنه على حال أدنى معيشة وأخلاقًا من قاطن المدينة، ولم يظهر- بكل أسف – تعاطفًا مع أحد من هذه الفئة المظلومة والمحتقرة عنده.

ولن أغفر له أن يقول عن الفلاحين في مقدمة كتابه

ثيرانهم قد أخبرت عنهم .:. بأنهم من طينة واحدة

وأن يقول عن لغتهم: لغة أهل الأرياف التي هي في معنى ضراط النمل بلا خلاف وأشعارهم هي من بحر التغابيط.

__________________________

الحواشي:

[1]Humphrey.T.Davies, ysuf Al- shirbini’s tlaa33 al Quhuf be – sharhaasidAbishaduf, language, second issue, November 2000, pp.58-61.,

[2]البقلي، محمد قنديل، قريتنا المصرية قبل الثورة، إعداد وتحقيق كتاب (هز القحوف) ص9.

[3]السابق، ص7.

[4]البقلي، محمد قنديل، قريتنا المصرية قبل الثورة، مع تحقيق كتاب (هز القحوف) ص7.

[5]السابق، ص4،

[6]السابق ص6.

[7]السابق، ص7.

التعليقات مغلقة.