الأظافر المتكسرة – بقلم: هبة راشد

حصلت على كتاب جديد لأحد الكتاب المشهورين الذين تربطني بهم علاقة صداقة، وعاهدت نفسي أن أقرأه سريعا وأبلغ الصديق، لا لرغبتي بالعودة للكتب ولكن تحت وطأة جلد الذات الذي يعتصر روحي … يجب أن أشتري الكتاب وأن أقرأه وأن أثني عليه … هكذا هم الأصدقاء المخلصون.
مع طيات الصفحات الأولى شعرت بالامتعاض الشديد لركاكة اللغة وتفكك الأسلوب، بل وقبح إقحام العامية في وسط الفصحى، لا لشيء إلا أن الكاتب لم تسعفه لغته …فافتعل حسا فكاهيا عاميا باردا…

ألقيت بالكتاب وعاهدت نفسي أن أعود لاحقا لاستكماله، ثم خشيت ألا أعود، وأنا لدي مهمة إنسانية تجاه الصديق! هيأت الأجواء مرة أخرى وأعددت فنجانا جديدا من القهوة، وأكرهت نفسي على استعادة التركيز …فأنا بمهمة إنسانية نبيلة !
على مدار أسبوع لم أستطع أن أكمل أكثر من أربعين صفحة من هذا الهراء الذي لا يتجاوز فقرات متقطعة لوسائل التواصل الاجتماعي ! كيف ملأ روحه هذا التيه بنفسه حتى وثق بأنه كاتب لا يشق له غبار يستحق مكانة رفيعة بين الكتاب؟! وكيف لدور النشر أن تؤمن بأن هذا ما يستحق الاستثمار؟!

كانت من المرات القليلة التي تغلبت فيها رغبتي على سطوة جلد الذات ورفضت أن أكمل ما بدأت، لكن ماذا سأقول لصديقي؟ لقد خذلته في موضع اختبار ! أو هكذا خيل لي سائر أيامي.
صرت أطالع غلاف الكتاب واسم دار النشر الشهير، وأنا أسترجع عشرات المرات التي سمعت فيها إطراء على لغتي وأسلوبي الأدبي منذ المرحلة الإعدادية، وكيف كنت محط إعجاب وتقدير من مدرسي اللغة، ما زلت أذكر ذلك اليوم الصيفي البعيد ومدرّسة اللغة العربية الأردنية تخبرني بندمها الشديد لتأخيرها قراءة بحثي الأدبي الأول وبأن لي مستقبلا مشرقا في الكتابة الأدبية، فتحولت دفتي من الرغبة في دراسة الطب إلى دراسة الأدب ولمَ لا أكون كاتبة مشهورة؟!

خضت أول معاركي الأسرية. لن ألتحق بالقسم العلمي وسأمارس ما أحب في القسم الأدبي… وانتصرت في المعركة!
في صيف 2000 طلبت منا أستاذة المقال أن نكتب مقالات عن أي موضوع يحلو لنا، فشعرت بأنها قطرات الغيث بعد الاختناق الطويل في محاضرات النحو والصرف وحفظ أبيات الشعر دون فهم أو شعور. أخذت أترقب المحاضرة التالية التي سيعرض فيها كل طالب عنوان المقال الذي أعده ليقرأه بصوت عال أمام الجميع، وعلى الأستاذة أن تختار أحد العناوين ليكون موضوع المحاضرة .. قدماي تتحرك بعنف تحت الأدراج في شغف وترقب وقلق .. حتى أومأت إلي بالحديث: (كتبت مقال “سنة أولى مدينة جامعية” حضرتك) … ستة عشر عاما لم أنس فيهم بريق عينيها والتفاتة وجهها، وكأنها وجدت ضالتها في الدفعة الجديدة، اقرئي مقالك بصوت عال… صرت أقرأه بصوت مهزوز وسعيد تختلط فيه مشاعر الخوف والفخر.

مضت سنواتي الأربع بين معاناة في دراسة ما لا أطيق وبين ارتمائي بين أحضان المواد الأدبية… قلمي لا يهزم بين زميلاتي …أفسحوا لي الطريق في هذه المواد وإذا ما استدعت إحداهن الغيرة هزمت أمام مهارتي في الكتابة.
عام وراء آخر وحياتي العلمية والمهنية تسحقني وتثقل الحاجز بيني وبين نفسي، وبيني وبين ما أحب … وكلما أكرهت نفسي على الإمساك بالقلم خرجت الكلمات قاسية مفككة كروحي تماما.
لم أستعد شيئا جميلا من محاولات الدعم النفسي من الآخرين سوى جلسات الصلح المتتالية بيني وبين قلمي …حتى استعدنا رفقتنا في السنوات الأخيرة ..لكني لم أعد طالبة الجامعة المتوثبة العفوية ..صرت مثقلة بالهموم كثيرا. ربما أصبحت روحي كامرأة أربعينية. وكلما أحسست بالأمان صرت أكتب أكثر وأعرض كتاباتي الصغيرة على من أثق بهم ، ربما لأشعر ببعض الإعجاب القديم بلغتي أو لأخبرهم بأن خلف الأظافر المتكسرة والوجه المنهك روحا رقيقة تخشى الظهور…ويا ليتني لما فعلت…
لا أعرف إن كنت أدين بالفضل لمن دفعني دفعا لإظهارها أم أخاصمه بعد أن سفك دماءها …من يسبر أغوارك يعرف كيف يمزقها!

التعليقات مغلقة.