القصيدة بين ضيق التقليد وفضاء التجديد – بقلم: د. طارق محمود

مذ زمن بعيد أتابع تلك المعارك الدائرة بين المحافظين على قالب القصيدة ، والثائرين المجددين في بنائها شكلا ومضمونا ،ففريق محافظ لا يرى الشعر إلا وزنا مقيدًا على نغم محدد في قافية واحدة لا يتجاوزها مبدع ،وأن ما يسطره المحدثون ليس شعرا ، ولا ينتمي للشعر يوما . وفريق مجدد يرى الشعر شعورا يعبر عنه المبدع بما يراه موافقا لطبعه ،مناسبا لعاطفته ، ملائما لعصره ،وأن القالب الموروث لم يعد قادرا على متابعة العصر ومعالجة قضاياه ، الرفض إذن أضحى سيدا بين الطرفين ، فلا القديم يرى للجديد حقا في الوجود والتعبير ، ولا الجديد يقر بفضل القديم ، وأنه مازال قادرا على العطاء ، لقد أصبح هذا التناول لكثير من قضايا الفكر والثقافة بهذا التعصب المتطرف جزءا من حياتنا (بل كل حياتنا) فيما يتناوله قلم ، أو يتلوه لسان ، والذي ينبغي أن نعود إليه أن شكل القصيدة ليس حيثية لحكم بتفضيل قديم أو جديد ، فلا شكل القصيدة العربية المتوارثة وحي منزل من خالق الكون، ليس علينا إلا اتباعه ، ولا شكل القصيدة الحديثة سنة ناسخة ينبغي التقيد بها ،والسير عليها، فكم من قصيدة تامة الوزن ، مستقيمة القافية وما هي من الشعر في شيء ، ولعل ثورة العقاد على شعر شوقي خير دليل ، لقد تتبع العقاد أمير الشعراء حتى أخرجه من دائرة الشعراء فضلا عن كونه أميرهم ، وكم من قصيدة استقام وزنها ، وسلمت قافيتها ، وجاءت رشيقة معبرة، وكم قصيدة هجرت بحور الخليل وقوافي شعرائه كانت مفعمة بالعاطفة معبرة عن مضمونها موصلة لرسالتها أشد ما يكون التعبير ، وأوضح ما يكون التوصيل ، ولعل نظرة سريعة لبعض قصائد صلاح عبد الصبور وأمل دنقل والسياب ونازك ونزار وغيرهم كافية بما لا يدع مجالا لشك أنهم مبدعون متمكنون ، وان الشعر تيار نفسي مسكون بالرغائب والهواجس والانفعالات مسكوب في قوالب لفظية ودرجة الانفعال وحدته هي التي تتحكم في طول البيت (السطر) أو قصره ، وأنه” صورة من الحياة ونسل من رحمها ، وهو ترجمان الشعور ، وفيض من توتر الروح وسبحات الوجدان،. ألم يقل شكري :
ألا يا طـــــــائر الفردوس إن الشعـــــــر وجــدان
جمودنا حول القوالب الجامدة آفة من آفات مجتمعنا العربي كافة ، فأنصار القديم يودون حرق كل حديث وإزالته من الوجود ، وأنصار الجديد لا يكفون عن تحقير القديم وتزييفه ورميه بكل نقيصة ، وما هكذا تورد الإبل ، وما هكذا يصل النقاش إلى علاج ، ورحم الله ابن قتيبة أنصف في تقييم شعرائه إذ قال : ” ولا نظرت إلى المتقدم … بعين جلالة لتقدمه وإلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره ، بل نظرت بعين العدل على الفريقين وأعطيت كلا حظه ووفرت عليه حَقَّه ، ومثله أبو العباس المبرد ” ليس لقدم العهد يفضل القائل ، ولا لحدثان عهد يُهْتَضم المصيب ، ولكنْ يعطي لكل ما يستحقه . دام الانصاف منهجا !

التعليقات مغلقة.