ولادة في القصر العيني – بقلم: هبة راشد

حدثت نفسي أني لن أتناول المزيد من القهوة وسأكتفي باستطلاع الرسائل هروبا من الشعور بالملل ليلة الجمعة. رسائل المحمول هي آخر وأول الطقوس اليومية ..أستطلعها حتى السقوط التام لقدرتي على الاستيقاظ ..وإذا ما تنبهت حواسي تسرع أصابعي لاستطلاعها قبل أن أضيء الغرفة..هي رفيق الدرب وربما هي الدرب ذاته .
قبل السقوط بدقائق أرسل لي زميلي : (أعتذر لإزعاجك ، هل تذكرين أم الطفلة التشادية مريضة اللوكيميا ..ستلد الآن ..هكذا أخبروني وليس معهم أية تكلفة للولادة، وهي ألف ومائتان جنيه ، وهو بالقطع مبلغ كبير لن يتوافر معهن ..هل أترك العمل وأذهب لزيارتها لدفع التكاليف؟ ثم أضاف مترددا .. لكني الوحيد الموحود بالعمل الآن فهل أغلق المكتب؟) حدثت نفسي لماذا لا ينتهي يوم الخميس نهاية سعيدة أفضل من استطلاع الرسائل؟ أخبرته أن يبقى ويرسل لي رقم هاتف جارتها السودانية بنفس دار الاستضافة وسأتولى الأمر.

– أين مشفى الولادة؟
– القصر العيني القديم ، مستشفى النساء والولادة.
شعرت بانقباض شديد ووددت لو أني تراجعت عن العرض ، زيارتي الأولى كانت لمصابي حادث رهيب ..ما زلت أتذكر الحديث الطويل الحزين مع أهل المصابين وأطباء الرعاية في طرقاته الطويلة ..حتى أسماء الأدوية وأسعارها ما زلت أتذكرها ..أذكر كذلك الحاج محمد الذي أقام في الرعاية 3 أشهر وأخبرني صديقه رث الثياب أنه أعد الكفن لنقله لموطنه وبأن الأطباء أخبروه بأنها أيام لا أكثر.. لكنه لا يعرف كيف سيوفر سيارة لدفنه في بلده بصعيد مصر وكم ستكون التكلفة. أمسكت بالهاتف ووددت أن أخبر زميلي بأني لن أذهب ..لكن شيئا دفعني للتراجع، ربما وددت أن أغير ذكرياتي مع المكان لحدث سعيد كالولادة أو وددت أن أقهر خوفي كما اعتدت لا أكثر.
مددت يدي هذه المرة لأحادث الجارة السودانية وأحدد موقعهما لأمر بسيارتي، فأخبرتني بأنهما بالفعل في المشفى، لكنها بالخارج بينما تم حجز الأم. الشابة السودانية ورفيقتها الشادية مهاجرتان أتيا لمصر لعلاج أطفالهما مرضى الأورام ، حيث قلعة الطب في أفريقيا، هكذا أخبراهما.
تركت السيارة بالخارج، واضطررت للسير بين المباني المظلمة مرة أخرى كزيارتي السابقة، وددت كثيرا أن أعود أدراجي، لكني أخذت أحث نفسي لاستكمال الطريق واستشعار البهجة بالمولود الجديد. حينما وصلت للباب الخلفي لمستشفى الولادة، وجدت تجمعا كبيرا لأهالي الأمهات بانتظار خروجهن أو الاطمئنان محدثين جلبة كبيرة في محاولة استعطاف الحارس للدخول لهن. صرت أبحث عنها في صمت حتى وجدتها.
الجارة شابة سمراء فارعة الطول، ترتدي ثيابا رثة يعلوها حجاب وابتسامة منهكة، حادثتها عن المريضة وعن آلية الدفع ، لكنها لم تعرف شيئا سوى أنها بالداخل وأنهم منعوها من الدخول .. (انتظريني هنا وسأسأله وأعود إليكِ). في التفاتي وقعت عيني على ابتسامة صغيرة لوجه أسمر ملائكي اختفت منه العين اليمنى تحت سطوة الورم واستبدلتها بحجاب طويل يخفي ما فعل الكيماوي بالطفولة.
– هل هذه ابنتك ؟
– لا ، ابنة جارتي ، وهي تعالج أيضا هنا.
مددت يدي للجسد الهزيل مبتسمة ..ما اسمك؟ هل تتحدثين العربية؟
تبدو مهمة الوصول للحارس مهمة صعبة، وسط هذا الزحام، لكن التقليد السائد جعل الأزواج يفسحن لي الطريق. أجابني الحارس بأن المرأة السودانية ستلد صباحا ويجب الدفع في الخزنة غدا. شكرته وعدت لهما، كان من العبث أن أشرح له الفارق الكبير بين الدول الأفريقية وبأن ليس كل سمراء سودانية بالضرورة. أخبرت الجارة بأن لا جدوى من الانتظار الليلة وسيأتي لها زميلي صباحا، لكنها ودت أن تنتظر على الرصيف حتى الصباح لتشعر رفيقتها بأنها هنا بجوارها وإن كانت بالخارج، لكني أصررت على الذهاب من أجل الطفلة الصغيرة، لابد أن تحصل على قسط كافٍ من النوم، تطوعت إحدى الجدات المصريات الجالسات على الرصيف (روحي معاها يا بنتي ملهاش لازمة الوقفة).
تنفست الصعداء وأنا أغادر هذه الطرقات المظلمة ولم أكن أعلم بأني سأخرج بذكريات أكثر إيلاما، أخذت أجاذبها الحديث عن قدومها لمصر ولماذا تحمست للعلاج هنا، بينما عقلي وقلبي مع الصغيرة. بما تشعر الآن؟ أبوها في وطنهم بانتظار انتهاء رحلة العلاج، أمها في مبنى كبير مخيف، وهي وحدها مع الجارة. كم يبلغ حجم فزعها؟ هل هو بحجم مباني القصر العيني أم أعظم. انتبهت قليلا، الشابة تتحدث وأنا برفقة خيالاتي. أخذت أحادثها عن العلاج بمعهد الأورام وبمهارة الأطباء وبأن ابنتها ستشفى إن شاء الله ..ثم بدأت هي بالبكاء. لا أدري ما هو سر الارتباك الشديد الذي يصيبني عند بكاء الآخرين، هل يجب أن أصمت احتراما لألمها؟ هل يجب أن أربت على كتفها ونجلس قليلا حتى تهدأ؟ أخذت أردد ببلاهة وارتباك : (صلي على النبى بقى، إن شاء الله هتخف وهترجعوا بالسلامة). لكنها استمرت بالبكاء وأنا غارقة في ارتباكي وتوتري. لا أحب هذه اللحظات، أنا أجيد فقط تقديم يد العون لا أجيد الدعم بالكلمات، ربما لأني تلقيت الكثير من الأذى من أصحاب الكلمات. وددت أن نصل للسيارة سريعا لينتهي هذا الأمر، فأخذت أسرع الخطى وأنا أخبرها بخوف من النكوص بالعهد (متخافيش احنا معاكي ومش هنسيبك لحد ما تخف، والدكاترة هنا كمان شاطرين قوي…)

في السيارة، أخذت أحادث الصغيرة باللغة العربية التي تجيدها، وعينها تجوب أضواء القاهرة ..ترى ماذا ستكون ذكرياتها عن هذه المدينة ..أم أنها ستكون آخر مشاهدها في هذا العالم؟ التفتت للأم الشابة هروبا من التفكير في مصير الفتاة أسألها عن دراستها وعملها بالسودان …ويا ليتني ما فعلت فقد نكأت جرحا آخر! أخبرتني أنها كانت خريجة جامعية وتود أن تجد عملا بالقاهرة، فرحبت بالسعي لها وتساءلت إن كانت قد مارست أي عمل من قبل.. فداهمتها الدموع مرة أخرى وهي تتذكر كيف تركت كل شيء لتعين أخاها الأكبر مريض الأورام، والذي تخشى من مصيره على الصغيرة. فعدت للهمهمة بكلمات مرتبكة لتهدئتها..
السيارة تصعد كوبري الجامعة باتجاه الدار، ابتسمت لها: هل يزعجك إغلاق المكيف؟ الهواء عليل اليوم ..وألقيت ببصري ناحية النيل عله يحمل لنا قليلا من البهجة في هذه الليلة الحزينة.

ودعتهما أمام البيت مرفقة بدعوات حارة من الصديقتين ، وددت أن أخترق الطرق سريعا إلى السرير ..لا أفكر في شيء ولا أتذكر شيئا من هذا المبنى القديم.
في الصباح وأنا أصعد السلم إلى غرفتي منهكة…قابلني أحد الزملاء مبتهجا .. (مش أم عائشة ولدت وجابت ولد .. الحمد لله !)

التعليقات مغلقة.