سنة أولى مدينة جامعية (1) – بقلم: هبة راشد

الساعة تخطت السابعة.. يكفي هذا القدر من النوم، فلدي قائمة طويلة من المهام، ولا بد أن أستيقظ باكرًا؛ عليّ أن أتواجد بمحاضرة التاسعة منذ بدايتها هذه المرة…
هكذا حادثت نفسي وأنا أغلق المنبه للمرة الرابعة منذ عودتي من الكلية. وبينما أحاول النهوض، كان صوت هالة يتردد في الغرفة بإيطالية ممزوجة بلهجة ريفية أصيلة. هالة زميلتي بالغرفة وبالكلية، غير أنها بالقسم الإيطالي، وتستعد للتخرج قريبًا. أربع سنوات في كلية الألسن لم تكن كافية للتخلص من لكنتها الأصيلة وهي تقرأ نصوص الأدب الإيطالي. لكنها تتفوق عامًا بعد عام بتقدير جيد جدًا، وكيف لها ألا تفعل ذلك وهي تدرس ساعات متواصلة، منذ عودتنا من الكلية حتى نهاية الليل؛ ليس هناك وقت للراحة، ولا إجازات في عطلة الأسبوع، ولا تتحدث إلينا كثيرًا.
– هالة، سأعد فنجان قهوة، هل تودين أن تحتسي شيئًا؟
– لا، شكرًا.
ثم تعيد وجهها للكتاب مرددة الكلمات الإيطالية كشيخ مخلص بأحد كتاتيب القرى. كثيرًا ما كانت لهجتها موضع سخرية من الزميلات بالغرفة، لكنيّ لم أحب سخريتهم يومًا، ولم أشارك بها. الحقيقة أنه لم يكن موضع السخرية الوحيد؛ شخصيتها الانطوائية، وحديثها المقتضب، ورفضها لدعوات الجميع لتناول الطعام، والساعات الطويلة التي تقضيها بالغرفة دون تواصل مع أي غرفة أخرى، كما اعتدنا أن نقضي ليالينا، ولا تسافر لأسرتها سوى مرتين كل نصف عام دراسي، رغم قرب مدينتها. وحدي كنت أشعر بأن هذه الصفات مدعاة للحسرة والألم، لا السخرية؛ حتى هذه النظرة الجافة بعينيها، رأيت خلفها حزنًا عميقًا، لكن صغر سني جعلني أخجل من أن أبادرهم بما أظن.
في كل مرة أعد القهوة أو أي طعام أحضرته معي من مدينتي، وددت لو أصررت أن تأكل منه شيئًا، وأن أقسم لها أني لن أطالبها برد الدعوة. لم يكن الأمر يستدعي ذكاء متقدًا لأفهم أنها تتجبنا وترفض دعواتنا لأنها تستحي أن تقبل هدية لن تستطع أن تحضر مثلها، حتى لو كانت الهدية علبة عصير زهيدة الثمن. كل هذه المخالب والنظرات الجافة ما هي إلا ستار خشن كثيابها تخفي بها فقرها وتعففها. عام كامل شاركتنا غرفتنا بأربع صور لا تتغير: للشتاء طاقمان؛ أحدهما للكلية والآخر للغرفة، ومثلهما في الصيف. كل شيء فيها يوحي برقة الحال وعزة النفس. جلبة كبيرة تقترب من الغرفة، ريم ورشا تقتحمان الغرفة بكثير من الأكياس الجديدة. سيبدأ عرض الأزياء بعد قليل، ووصلات التباهي بالثياب الجديدة، سينقبض وجه هالة أكثر وتنكفئ لمزيد من الساعات في كتب الإيطالية، بينما سأقدم أنا المجاملات بهمهمة غير واضحة وابتسامة باردة.
مددت يدي لفنجان القهوة ولرواية قشتمر، لن يحدث شيء إذا ما بدأت الدراسة بعد قليل.

التعليقات مغلقة.