“ضوابط تجديد الفقه الإسلامي” في دراسة جديدة بقلم: سالي جمال عبد الحفيظ

اعترافاً بمنطق التغيير الذي تفرضه حركة الحياة واختلاف ظروف الزمان والمكان، وبما تقتضيه التطورات التي تعرفها المجتمعات الإسلامية، فإن الفقه الإسلامي لابد أن يكون موصولاً بالواقع المعيش، متفاعلاً مع التحولات التي يعيشها العالم في هذه المرحلة على نحو لا يُقاسُ بما مضى من متغيرات، قادراً على معالجة مشكلاته المتجددة.
وبمراجعة الفقه الموروث، يتضح لنا جلياً أنه لا يفي بحاجات المسلم الذي يواجه قضايا ومشاكل تطرح أمامه أسئلة كثيرة، تجعله يتطلع إلى مخرج من الأزمة الحضارية التي يجد نفسه مُقْحَماً في دائرتها، الأمر الذي يستوجب توليد”فقه جديد”، قادر على التكيف مع هذا الواقع المتغير بتحدياته المختلفة، غير أن تحقيق ذلك متوقف على إعادة النظر في علم “أصول الفقه” الموروث، وتجديده بطريقة توفر للاجتهاد الفقهي المعاصر آلياته.
وبالرغم من أن الاهتمام بالجوانب الشكلية للعلم أمر مطلوب، إلا أن الاقتصار عليها لا يكفي لتحقيق التجديد المنشود الذي يسد حاجة المسلم؛ لأن هذا الأخير يستدعي جهوداً علمية، تعالج أوجه القصور على مستوى مضمون العلم الموروث، ويحذر من ذلك د/ عدنان محمد زرزور: “رغم كل السلبيات الكثيرة التي ينطوي عليها هذا التعامل ـــــــ وبخاصة في الجامعات الإسلامية العريقة ــــــــ أشير إلى أن تطويراً طرأ على هذا التعامل، ولكنه جاء في معظمه شكلياً لا يعدو إعادة إخراج المادة العلمية لأحد هذه العلوم المقررة بأسلوب جديد، وفي بعض الأحيان لا يعدو الأمر ـــــــــ مع محاولة التبويب المضطرب أو غير المنطقي، أو الذي يأتي تقليداً أو محاكاة في الغالب ــــــــ النقل من ورق أصفر إلى ورق أبيض، بدليل الاحتفاظ حتى بالأمثلة المنتزعة من الحياة اليومية لجيل سابق دون محاولة استبدالها بأمثلة من واقع الحياة من حول الطالب، أما التطوير الموضوعي، فلا أعتقد أنه يستحق الإشارة أو التنوية، إن التطوير المطلوب والمنهجية الإصلاحية لا يكفي فيها التطعيم أو الإضافة لبعض المقررات والبحوث المعاصرة، قلت أم كثرت، بل لابد من إعادة النظر في محتوى علوم الشريعة، وكيفية أدائها لوظيفتها الاجتماعية، وتفعيل هذا الأداء.” ، فيجب المحافظة على أركان العلم التي تشكل بناءً معرفياً هو ثمرة جهود عقلية بالغة الدقة والإحكام.
فمثلاً لا يجوز بحال من الأحوال المساس بالمرجعية العليا في الإسلام بمصدريها الأساسيين: القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والالتزام بضوابط فهمهما، وبِناءً على ذلك فإن أي دعوة تجديدية تهدف إلى استبعاد هذه المرجعية سيكون مصيرها الإهمال، يقول الأستاذ جمال سلطان: “القرآن والسنة هما مرجعية كل نشاط فكري تجديدي في الإسلام. وكل جهد يزعم التجديد، وهو يمارس عملية إسقاط النص أو تجاوزه، فهو فكر منحرف لا ينسب إلى الجهد التجديدي وفق المنهج الإسلامي وشروطه؛ وذلك أن الدين هو دين الله، فهو سبحانه واضعه وضابطه ومحدده. والطريق الوحيد لمعرفة دين الله هو الوحي المنزل على رسوله، فإذا أسقطت النص أو تجاوزته، فأنت في الحقيقة تتجاوز جزءاً من الدين مهما تكن مبررات هذا الفعل.” .
فهذه الأصول الثابته لا تندرج ضمن التراث الفكري القابل للفحص والاختبار، ومن ثم الانتقاء والإلغاء باسم التجديد، يقول محيي الدين عطية: “مصطلح التراث لا يضم في سلة واحدة مصدراً كالوحي الإلهي إلى مفاهيم الشارحين، واجتهاداتهم، ورؤاهم، وأفكارهم، والذي يعنون بالتراث كل ما ورثناه من أسلافنا، بما في ذلك القرآن الكريم، والسنة الصحيحة، أنما يضعون أنفسهم موضع الشبهة في أنهم يسعون إلى إنكار ونزع صفة الوحي الإلهي عنهما، ومن ثم إخضاعها للتطوير والتبديل بتغير الزمان والمكان.” .
ونظراً لأهمية موضوع التجديد الفقهي، وتقديراً لما له من عظيم الأثر في إحياء التراث الفقهي وتوسيع مجالاته، اتجه كثير من الأساتذة للكتابة في هذا الموضوع؛ محاولةً منهم لضبط العملية التجديدية تأصيلاً وتنزيلاً.
ومن هؤلاء الأساتذة الأجلاء الأستاذ الدكتور/ حسن السيد حامد خطاب، أستاذ الدراسات الأسلامية بكلية الآداب، جامعة المنوفية؛ حيث كتب بحثاً رائعاً بعنوان: (من ضوابط تجديد الفقه الإسلامي، دراسة تطبيقية)؛ الذي حاول فيه رسم حدود لذلك التجديد، من تعدَّاها أصبح ـــــ من حيث لا يدري ــــــــ مُتَّبعاً للهوى، وليس مجدداً، ومن أهم تلك الحدود والضوابط ما صدَّرت به مقالي من حتمية عدم المساس بالمرجعيات الأساسية كالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وكذلك عدم الاكتفاء بالتجديد الشكلي وإن كان له جانب من الأهمية، وغير ذلك من ذكرت آنفاً.
ففي بداية هذا البحث قرر الدكتور حسن أن الخطاب الديني متجدد بشكل عام، مستدلاً على ذلك بقوله ـــــــ صلى الله عليه وسلم ــــــــــ: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها”
ومؤكداً على أهمية قضية تجديد الخطاب الديني؛ لما يعود بسببها من نفع عظيم على الإسلام والمسلمين، ولما يحدثه من انسجام وتناغم بين الخطاب الديني وبين ما يشهده هذا الزمن من ثورة تكنولوجية على كل الأصعدة.
ويذكر من أهم أسباب اختياره لهذا الموضوع أن هناك دعوات متكررة لتجديد الخطاب الديني يُلَبِّيها الصالح والطالح، فكان لزاماً على أئمة العلم رسم ملامح التجديد الفقهي المشروع، وإعداد كوادر تتحقق فيها ضوابط المجدد، لها القدرة على مسايرة التطور الحضاري والجمع بين القديم والحديث، وقد نوَّه فضيلته في غير موضع على أن إعداد المجدد ليس أمراً سهلاً، وعلى قدر إعداده يكون التجديد، ومن ثم فإن الركن الأهم في التجديد يقع على عاتق المجدد.
وقد قُسِّمَ البحثُ إلى ثلاثة مطالب، مسبوقةٍ بمقدمةٍ وتمهيدٍ، متبوعة بالخاتمة والنتائج.
تناول في التمهيد معنى التجديد لغة واصطلاحاً، والفرق بين التجديد عموماً وتجديد الخطاب الديني خاصة؛ مستنداً في ذلك إلى أقوال العلماء القدامى والمحدثين، مبيناً اختلاف آرائهم حول معنى التجديد، فمنهم من رأى أن المراد من تجديد الدين إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات.
ومنهم من يرى أن التجديد يعني الاجتهاد المطلق، أي: الاجتهاد الإنشائي الذي يكون فيه معنى الابتكار والإبداع.
مثَّل للأول بالخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وكذا الإمام الشافعي، وللمعنى الثاني بأعلام الصحابة، وأصحاب المذاهب الفقهية المشهورة.
وعند تعريفه لتجديد الخطاب الديني أشار إلى أن لذاك التجديد مرتكزين:
الأول: ويتعلق بتجديد الخطاب الديني عن طريق تصحيح المفاهيم، وإيقاظ ما ضعف من همم المسلمين، والعمل على إعادة تشكيل وبناء وعي إسلامي حضاري،
أما الثاني: فيتعلق بمسائل العقيدة وضرورة تخليصها من الشوائب والإضافات البشرية.
ثم تعرض لأكثر نقطة محورية في هذا الموضوع، وهي مشروعية تجديد الدين أو عدم مشروعيته.
وقد أكد على مشروعية هذا التجديد، بل على أنه ضرورة شرعية؛ مدللاً على تلك المشروعية بالقرآن الكريم والسنة النبوية والأثر والمعقول.
فالكاتب يرى أن قوله ــــ تعالى ـــــ: ﭽ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﭼ (التوبة: 122) فيه دلالة على وجوب التفقه في الدين، مما يضع على الأمة في كل وقت مسؤولية التفقه في الدين؛ لمواجهة مشكلاتها المتجددة والمتطورة.
بل إننا نجد التصريح بذلك في السنة النبوية، قال رسول الله ـــــ صلى الله عليه وسلم ــــــ: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها.” ، فالتجديد سنة إلهية للأمة المحمدية.
كما أُثِرَ عن الإمام علي ـــــــ كرم الله وجهه ــــــــ أن الأرض لن تخلو من قائم لله بحجته.
كذلك يُستدل على ذلك بالمعقول حيث إن الحاجة ماسَّة إلى تجديد الدين في كل عصر؛ لمواجهة المشكلات التي تستجد في مختلف العصور.
ثم تتطرق إلى شروط مجدد الخطاب الديني، وهذا من الأهمية بمكان، فمدار نجاح عملية التجديد على مدى توافر شروط المجدد وصفاته وآدابه.
ومن هذه الشروط ما هو عام في كل مجتهد كالإسلام والبلوغ والعقل والعلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، كذا العلم باللغة العربية، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وأن يعرف وجوه القياس، ومعرفة المسائل المجمع عليها والمختلف فيها، والعلم بقواعد أصول الفقه، وتشترط أيضا العدالة.
ومنها ما هو خاص بالمجدد كمعرفة مقاصد الشريعة في موضوع البحث أو المسألة المراد البحث فيها، كذلك معرفة أحوال الناس وأعرافهم وتقاليدهم.
يقول الشاطبي: “إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين:
أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها.
الثاني: التمكن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها.” .
أما المطلب الثالث والأخير فقد جعله الباحث للمقارنة بين نوعي التجديد المشار إليهما في بداية البحث ـــــــــ المأمور به والمنهي عنه ـــــــــ، فقسم المطلب إلي فرعين تبعاً لاستيفاء الضوابط وعدمه.
فجاء الفرع الأول خاص بصور التجديد غير المستوفي لضوابطه، وقد مهَّد له البحث بالتفريق بين من بذل وسعه وجهده ليصل إلى حكم الشارع ولكنه أخطأ، وبين من زعم الاجتهاد وهو من غير أهله أو لم يبذل قصارى جهده، وكذا من تعمد لَيّ أعناق النصوص ليصل إلى الحكم الذي يريده لا إلى ما يريده الشارع، فالأول معذورٌ في خطئه مأجورٌ على جهده، أما الثاني فلا يعذر في الجهل آنذاك، بل يكون مأزوراً على فعله، وأمثلة ذلك كثيرة، ذكر منها الباحث:
ــــــــ قصر تحريم الربا على المضاعف دون غيره.
ــــــــ الفتوى بإباحة فوائد وأرباح شهادات الاستثمار.
ـــــــــ التسوية بين الذكر والأنثى في الميراث.
ولم يقتصر البحث على ذكر تلك القضايا فقط، بل تناولها بالدرس والتحليل الفقهي الذي يدلل على عدم استيفاء الشروط لدى من اجتهد في تلك المسائل.
ثم كشف الفرع الثاني عن الجانب المشرق للتجديد الفقهي، وهو الذي توافرت فيه الضوابط على تعدد أنواعها، ومن أعلام ذاك الجانب من العلماء المعنيين بالفقه وتجديده: الشيخ الشعراوي، والشيخ جاد الحق، والغزالي، والقرضاوي، وغيرهم، ومن مؤسسات الفتوى: دار الإفتاء المصرية والسعودية، والمجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
ومن أهم الصور التجديدية الذي أشار إليها البحث:
ـــــــــ وجوب توثيق عقد الزواج.
ـــــــــ جواز إخراج صدقة الفطر بالقيمة.
ــــــــ تحريم الزواج بغير المسلمة.
ــــــــ جواز البيع المؤجل والمقسط مع زيادة في السعر عن البيع النقدي أو الحال.
ـــــــــ جواز بيع التورق، وتحريم التورق المصرفي كما تجريه البنوك المعاصرة.
ــــــــ الفحص الطبي قبل الزواج.
وفي كل قضية من هذه القضايا كان يؤصل أولاً للفتوى أو الرأي الفقهي، ثم يبين مدى مسايرته للواقع المتغير، وكيف أنه يحقق المصلحة في الدارين.
وفي نهاية بحثه نبَّه الدكتور خطاب على أهمية إعداد مجدد الخطاب الديني، وضرورة مراعاة كل ما له أثر في تكوين شخصيته حتى لا يختلط الفقهاء بالجهلاء وحتى لا يحرف الدين باسم التجديد.
ثم أكد فضيلته على خطورة الخلط بين من ينادي بالتجديد الموضوعي ومن ينادي بالتغيير والتبديل دون التقيد بالقواعد الأصولية والفقهية، مما يوقعنا في ضرر رفض بعض النصوص الشرعية لموافقة الواقع.
ومما يليق بأن يُذَيَّل به هذا المقال بيان دور الأزهر الشريف في تجديد الخطاب الديني، بل إنه ليس من العدل أن نسميه دوراً، فمنوط بالأزهر أن يكون المرتكز الرئيس لهذا التجديد؛ حيث إنه الحصن الحصين للتراث الإسلامي، والمربِّي لطلابه في معاهده وجامعته، تِلْكُم المؤسسات التي عُنيت بتدريس كتب التراث، وجعلت من القضايا المعاصرة مناهجاً أساسية تُدرس في كلياتها الشرعية، فجمعت بين طرفي التجديد المنشود.

التعليقات مغلقة.