قراءة مركزة في كتاب: “بناء الجملة العربية” للدكتور محمد حماسة – بقلم: عبدالإلاه القاضي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحبه التابعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛
إن عشق اللغة العربية – لغة القرآن – يفضي بصاحبه إلى التعلق بعلومها وآدابها، ويدفعه إلى البحث فيها والكشف عن أسرارها، ولعل هذا البحث والتنقيب لا يستقيم إلا عند الاطلاع على مجموعة من الدراسات المتعددة التي تبين جمال العربية من جهة، واتساع أفق البحث فيها من جهة ثانية، بيد أن هناك دراسات تحاول جاهدة تقديم صورة شوهاء عن اللغة العربية وتسعى إلى تقزيم هذا الفضاء الرحب على اتساعه وامتداده، وعليه استوجب على الباحث التبصر قبل الاخيار؛ فبقدر ما سيغني الكتاب فكره وينمي ثقافته بقدر ما سيفسدهما معا…
ومهما يكن من أمر فإن الحلال بين والحرام بين، ومن ثم كان الاختيار بين الصالح والطالح أمرا سهلا يرجع بالأساس إلى قوة البصيرة والإدراك… غير أنه أحيانا قد يكون الاختيار محض صدفة وجودية، وهكذا الشأن في علاقتي بكتاب د. محمد حماسة عبداللطيف – رحمه الله – “بناء الجملة العربية “؛ فبعد اِلتحاقي بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط وتحديدا شعبة اللغة العربية درست – شأني شأن باقي الطلبة – مادة تحت اسم: “ظواهر نحوية وصوتية” عند الأستاذة المحترمة: “ربيعة أشعبان”؛ حيث قدمت لنا الأستاذ كتاب” بناء الجملة العربية ” كمرجع أساس لدراسة ظاهرة “إطالة الجملة في اللغة العربية”، عندها كان أول لقاء لي بالكتاب، ولم أكن أعلم حينها أن مسيرتي العلمية الأكاديمية ستتحدد من خلاله؛ إذ بمحاولتي تحديد موضوع بحث نهاية التكوين بالمدرسة توجهت إلى أستاذي وقدوتي في العلم والمعرفة: “محمد اليملاحي” راجيا منه مساعدتي باقتراح موضوع شيق للبحث وإشرافه عليه، كانت الصدفة الثانية – ونعم الصدف – باقتراحه عليّ القيام بدراسة تحليلية تطبيقية لكتاب بناء الجملة العربية للدكتور محمد حماسة عبداللطيف نظرا لقيمته العلمية باعتباره كان مقررا على طلبة سلك التبريز في اللغة العربية بنفس المؤسسة فيما مضى، ومحاولة إيجاد أبعاد تطبيقية للمعرفة اللسانية الموجودة بالكتاب خاصة في مجال تدريس اللغة العربية بالمدارس المغربية…
كانت إذن هذه العلاقة القدرية في البداية مع نسخة معارة من خزانة المدرسة نظرا لتعذر العثور على نسخة تجارية في المكتبات المغربية، لكن شاءت الأقدار أن أحصل على نسخة خاصة بي بعد أن أهداني الأستاذ محمد اليملاحي واحدة جلبها له أحد أصدقائه من المعرض الدولي للقاهرة-2017.
ولعل رحلتي مع الكتاب طيلة مرحل إنجاز الدراسة زادت تعلقي به بل ودفعتني إلى تبني منهج د. حماسة في التفسير والتحليل وأصبحت بذلك من الأصوات المدافعة عن أطروحة الدكتور المتعلقة بربط النحو بالمعنى وتوظيفه كمدخل لدراسة النص الشعري خاصة وباقي النصوص عامة… كل هذا يذكرني ببيت أورده الدكتور حماسة في هذا الكتاب:
وقلت ادعي وأدعو إن أندى — لصوت أن ينادي داعيان
وعليه فإنني وددت اليوم تقديم خلاصة بسيطة عن رحلتي مع هذا الكتاب وذلك في شكل قراءة بسيطة تهم المستويات التالية:
أ‌. موقع الكتاب من مؤلفات الدكتور؛
ب‌. أقسام الكتاب؛
ت‌. المنهج المعتمد فيه.
أ – موقع الكتاب من مؤلفات الدكتور:
إن المسيرة الأكاديمية الحافلة للدكتور حماسة المرتبطة باللغة العربية وعلومها خاصة علم النحو كانت لها جذور عميقة تمتد إلى مرحلة طفولته؛ فحفظ القرآن والتعلم في المعاهد الشرعية لا سبيل إلى الشك في اِرتباطه الوثيق بتعلم العلوم اللغوية من نحو وصرف وبلاغة؛ فتعلمها في نظر الشرع فرض كفاية، وقد اِنعكس اِهتمام الدكتور بهذه العلوم منذ ريعان شبابه على إنتاجاته العلمية والأكاديمية.
بيد أن هذه الإنتاجات لم تسر وفق نسق واحد؛ بل كانت ذات مرجعيات مختلفة تتغير بتغير نظرة الدكتور إلى اللغة وتصوره لها، أيضا بتأثره – شأنه شأن باقي الدارسين آنذاك – بالمناهج الغربية في دراسة اللغة، ففي البداية تأثر بالمنهج الوصفي في اللغة وهذا أدى إلى نقده للتراث اللغوي العربي، وقد مثلت لهذه المرحلة المؤلفات التالية: “لغة الشعر دراسة في الضرورة الشعرية”، و” العلامة الإعرابية في الجملة بين القديم والحديث “… ، وقد درس الدكتور في المؤلف الأول ” ظاهرة الضرورة الشعرية “؛ حيث يقول في مستهل كتابه ” وقد تناولت في هذا الكتاب ما يسميه النحاة ضرورة شعرية من جميع الزوايا. فناقشت المنهج والأسس التي أنتجت هذه الظاهرة في الدرس اللغوي. وبحثتها من حيث هي خروج عن القاعدة؛ فدرست مراحل القاعدة المختلفة، وما يثيره كل منها من قضايا. وبحثتها من حيث مفهوم النحاة لها، واِختلاف هذا المفهوم ونتائجه… ” .
أما المؤلف الثاني وهو: “العلامة الإعرابية في الجملة بين القديم والحديث” فيهتم بالعلامة الإعرابية باِعتبارها قرينة أساسية للجملة والتي بواسطتها يتم إيضاح المعنى؛ حيث بالرغم من حذف بعضها يبقى البعض الآخر مفيدا للمعنى المقصود، ويتكون الكتاب من أربعة أبواب، خصص الباب الأول للحديث عن الجملة، أما الباب الثاني فتحدث فيه عن العلامة الإعرابية وجذورها في التراث النحوي العربي، بينما الباب الثالث تحدث فيه عن العلامة الإعرابية واِتجاهات الدارسين فيها ونقد القدماء والمحدثين لها، أما الباب الرابع والأخير فتحدث فيه عن الترخص في العلامة عن طريق ذكر المواضع التي يترخص فيها بالإعراب في النثر والشعر.
وقد أخدت النزعة النقدية للتراث في الضمور إلى مجيء المرحلة الثانية والتي غلب عليها الطابع التأصيلي؛ حيث حاول د. حماسة تأصيل النحو العربي عن طريق موازنته بالمناهج اللغوية الحديثة، وبذلك قام بقراءة ثانية للتراث النحوي العربي على ضوء الدراسات اللسانية الحديثة محاولا عن طريقها إبراز العديد من الجوانب والظواهر التي كانت غامضة أو متخفية، ويقول الدكتور حماسة في هذا الصدد: ” وليس الجديد الحق مبتوت الصلة بالقديم منكرا له منسلخا عنه، ولكنه إضافة لبعض جوانبه، واِستكشاف لغوامضه، وإضاءة وتنوير لكثير من معمياته. والجديد الذي لا يعتمد على قديم، ولا يستمد اِستمراره من أصوله، ضرب من القفز العشوائي في الظلام، قد لا يفيد شيئا إن لم يكن تدميرا لكل شيء… ” وهذه القراءة الثانية جاءت على شكل تصور تطبيقي للنحو؛ حيث اِعتبر النحو أساسا ومدخلا في تحليل النصوص وقراءتها باِعتباره مفتاحا للدلالة والمعنى، يقول الدكتور حماسة: ” وإني لأؤمن إيمانا لا يخالجه شك بأن تفسير أي نص من نصوص العربية لابد أن يعتمد في مرحلته الأولى على فهم بنائه اللغوي وفهم بناء جمله النحوية.” .
بيد أن الدكتور حماسة لم يبتكر هذا التوجه، بل كان جزءا لا يتجزأ من التراث النحوي؛ فالنحو العربي منذ ظهوره مرتبط بالمعنى والدلالة، بل كان الاِهتمام بالمبنى أساسا لسلامة المعنى واِستقامته، يقول الدكتور محمود الجاسم: ” ومما لاشك فيه أن العلاقة بين النحو والمعنى واضحة لا تخفى على من يتأملها، إذ يظهر أن عناصر المعنى كانت من جملة الأمور التي أخذت بالحسبان منذ أن بدأ النظر النحوي… ذلك أن المفسرين حين أخدوا ينظرون إلى القرآن الكريم ويتفهمون مقاصدهم قادهم عملهم في تلمس المعنى، وتحديد المرامي والمقاصد إلى الحديث عن كثير من قضايا النحو.” .
وعليه جاء مؤلف ” بناء الجملة العربية ” – وهو موضوع هذا البحث – حيث سلك فيه د.حماسة مسلكا مغايرا لذاك الذي تبناه في السابق تحت تأثير أستاذه تمام حسان، ويشير إلى ذلك في مقدمة كتابه؛ حيث تجاوز وصف الظاهرة إلى تفسيرها وهو ما اِشتهر به القدماء من النحاة عند حديثهم عن الكثير من المسائل النحوية مما أدى إلى اِختلاف اِجتهاداتهم في التأويل، ومن المحقق أن هذا يفسر اِختلاف المدارس النحوية كالكوفة والبصرة… وقد اِنطلق من مصطلح الجملة باعتبارها موضوع علم النحو، وقد حاول الدكتور حماسة في كتابه هذا – كما أشرنا سابقا – تحديد عناصر بناء الجملة ووسائل الترابط بين هذه الأجزاء وما يعرض للجملة من حذف ونفي. ثم ختم بفصل تطبيقي حـاول فيه أن يقدم نماذج من بناء الجملة في الشعر العربي القديم، فالكتاب جله بمثابة أدوات إجرائية لمعالجة العلاقة بين بناء الجملة والمعنى خاصة في تحديد دلالة النصوص الشعرية…
ولم يقف الدكتور حماسة عند هذا الحد بل اِستقر على نفس المنهج والتصور في تأليف العديد من الكتب والدراسات الأخرى ذات الصلة ومن بين هذه المؤلفات نذكر: ” النحو والدلالة، مدخل لدراسة المعنى النحوي الدلالي”؛ حيث يبين في تمهيد هذا الكتاب تخليه عن المنهج الوصفي واِنتقاله إلى المنحى التفسيري قائلاً: ” واِذا كانت هذه النظرية التي عرضها “تشومسكي” في كتابه “الأبنية النحوية” قد تمثل بصورة أساسية في شرح التركيب؛ أي في تعيين القواعد النحوية الكامنة وراء الجمل، فإن النظرية قد بلغت نضجها في كتابه “وجوه النظرية النحوية”، فقد غدت الأهداف أكثر طموحا: تفسير كل العلاقات اللغوية القائمة في اللغة بين نظام اللغة ونظام الدلالات. ولبلوغ هذه الغاية كان على النحو الكامل للغة معينة بالمعنى الفني الذي يعطيه “تشومسكي” للكلمة، أن يتضمن ثلاثة أقسام: القسم التركيبي الذي يولد ويشرح البنية الداخلية لعدد الجمل اللامتناهي في لغة معينة، والقسم الفونولوجي الذي يشرح البنية الصوتية للجمل التي ولدها المكون التركيبي، والقسم الدلالي الذي يشرح بنية معناها. وهنا تلتقي النظرية التوليدية من حيث المفهوم والغاية في إجمال مع النحو العربي بالمفهوم الذي قدمه سيبويه (ت180هـ ) واِبن جني ( ت392 هـ ) وغيرهما من نحاتنا الأوائل؛ حيث كان مفهوم النحو وغايته يتسمان عندهم بالنضج. ” وقد جاء هذا الكتاب تعبيراً عن رغبة ملحة من صاحبه في لفت الاِنتباه إلى الدور الذي يقوم به المعنى النحوي الدلالي في بيان النص، وقد شغله أن تكون لدينا – نحن العرب – نظرية خاصة تقوم على معطيات من ثقافتنا ومن تراثنا، ومن تجارب الآخرين في الوقت نفسه؛ فيكون لنا كيان خاص نؤمن به ونثق ونعتز.
ثم هناك كتاب: ” الجملة في الشعر العربي “، ويقول في مقدمة هذا الكتاب: ” إن تعاون هذه الجوانب المتعددة ] يقصد الجانب الإيقاعي والتركيبي والبلاغي [ أمر ضروري] الحديث هنا عن الشعر[؛ لأنه يوقفنا على أسرار الإبداع اللغوي. إني أعتقد أن قدرة النحو عظيمة، وطاقته عظيمة على إخصاب التفسير اللغوي عامة، والشعري منه على وجه الخصوص. وعلى المشتغلين بالنحو أن يستنقدوه من الزاوية الضيقة المظلمة التي أريد له أن يقبع فيها… إن كل ما يجري على سطح الجملة المنطوقة في الشعر وفي غيره يقبع تحته البناء النحوي الذي يوجه ويربط ويؤدي إلى التفاعل ويفسر ويتعاون مع هذه العناصر في الشعر ومع هذا البناء النحوي والبناء العروضي… ومن هنا كان لابد من محاولة كشف هذا التعاون الفعال. ” وعليه فقد حاول في هذا الكتاب الحديث عن خصائص الجملة في الشعر في الفصل الأول، ثم تحدث عن العلاقة بين الجملة والقافية معتبرا الوزن والقافية من محددات البدائل المناسبة للجملة بشكل يحقق الاِنسجام والتناسب بين المستويين، أما الفصل الثالث فقد تحدث فيه عن الجملة والبيت الشعري، وأخيرا خاتمة بين فيها دور النحو في البناء الشعري.
وبالإضافة إلى هذه القائمة هناك كتاب: ” ظواهر نحوية في الشعر الحر، دراسة نصية في شعر صلاح عبد الصبور”؛ حيث يحاول الدكتور حماسة في هذا الكتاب إثبات ما للشعر الحر من صلات وثيقة بالشعر العمودي، فطريقة تطويع الشعر العمودي للبنى التركيبية هي نفس الطريقة التي يعتمدها الشعر الحر وخير دليل على ذلك شعر صلاح عبد الصبور، ويقول المؤلف في هذا الصدد: ” وقد اِخترت في هذه الدراسة شعر صلاح عبد الصبور للتطبيق عليه. واِخترت زاوية الظواهر الصرفية والنحوية التي كانت توصف قديما في الشعر بأنها ضرورة؛ لأكشف أن حرية الشعر الحر لم تخرج عن كونه شعرا عربيا ينطبق عليه ما ينطبق على سلفه من حيث تركيب الجملة ونظامها النحوي.” .
نجد أيضا كتاب: ” الأنماط التحويلية في النحو العربي وموضوعه ” هو: ” إلقاء الضوء على بعض التراكيب في العربية التي تحولت من أصل اِفترضه النحويون من خلال نظريتهم التي تفترض وجود ” أصل ” مقدر، وتركيب ظاهر منطوق أو مكتوب يحاكم؛ أي ذلك الأصل المقدر من خلال عدد من القواعد التي تحكم هذه العلاقة ” وهو بذلك يحاول الإشارة إلى بعض الأنماط التحويلية في اللغة العربية على النحو الذي عالجها به النحاة القدامى، وهذا من خلال ثلاثة مستويات: المستوى الأول: مفهوم التحويل وسياقه في الدرس اللغوي الحديث، ثانيا : مفهوم التحويل في نظرية النحو العربي القديم، ثالثا : أنماط من التحويل في العربية.
وفي نفس السياق نجد كتاب: ” الإبداع الموازي: التحليل النصي للشعر”، ويحاول د. حماسة في هذا الكتاب تحليل المناهج النقدية لقراءة النصوص الشعرية مبينا ضرورة تأصيل هذه المناهج؛ فالشعر الممثل لفن العربية بحاجة إلى نظرية عربية تسايره وتقوم على معطياته وتتجاوب مع خصائصه يقول: “وإذا تتبعنا الكتابات المعاصرة عن المناهج النقدية لا نجد بينها منهجا واحدا عربي الوجه واليد واللسان” ويقدم بذلك بديلا أصيلاً عبر الحديث عن منهج التحليل النصي للقصيدة، بالإضافة إلى الاِستعانة ببعض القصائد الشعرية لاِستخراج ما بها من مفارقات مختتما ببيان مدى صعوبة العلاقة بين عَرُوض الشعر ومادّته وفقا لآراء الأستاذ محمود شاكر.
والملاحظ من مجموع هذه المؤلفات أن الدكتور محمد حماسة اِهتم فيها بالجانب التأصيلي فـ”ليست غاية النحو هي معرفة الصواب والخطأ في ضبط أواخر الكلم فحسب، وإن كان المتتبع لتحديد غاية النحو يلحظ أن النحاة المتأخرين هم الذين يجعلون غاية النحو هي تمييز صحيح الكلام من فاسده.” وقد اِنطلق الدكتور من هذه الفكرة ليؤسس منهجا جديدا في تحليل النصوص وتذوقها ينطلق من بنائها خاصة النصوص الشعرية، فالشعر في نظره فن لغوي والسبيل الأنجع لفهم هذا الفن هو الاِنطلاق من لغته واِتخادها مدخلا لدراسته، وكتاب “بناء الجملة العربية” من مظاهر هذا التوجه لدى الكاتب، فإذا كانت المؤلفات التي قبله نزعت إلى التجديد عن طريق نقد التراث، فكتاب بناء الجملة كان منطلقا للتجديد عن طريق التأصيل وإنصاف التراث النحوي الزاخر وإعطائه نفسا جديدا شبيها بذاك الذي قدمه الجرجاني(ت471هـ) للنحو العربي قديما…
ب- موضوع الكتاب:
نلاحظ أن العنوان يشير إلى أن المؤلف سيتناول البناء والتركيب والعناصر المكونة له ومظاهر اِئتلافه وعوارض هذا الاِئتلاف وذلك داخل الجملة المنتمية إلى اللغة العربية، فلا يمكن الحديث عن جملة عربية دون معرفة بنائها وتفكيك هذا البناء لمعرفة عناصره المكونة له وطرائق اللغة في ربط هذه العناصر فيما بينها لأجل سلامة بناء الجملة، وإن كان هناك عارض يحول دون تأليف عناصر الجملة فيما بينها على النحو الذي سطرته اللغة فسيحاول كشف أسباب ذلك ودواعيه ومذاهب المتكلمين فيه.
ولعل ما يمكن ملاحظته هو أن المادة المعرفية التي تشكل معظم الكتاب ليست إلا أداة إجرائية وعدة معرفية ستساعد المتذوق للنصوص الشعرية كيفما كان نوعها سواء قديمة أو حديثة على الاِنطلاق من بناء الجمل في هذا التذوق والتحليل ومحاولة دراسة هذا البناء اللغوي، فالشعر “فن أداته اللغة” وأنه لكي نفهم هذا الفن علينا أن نفهم طريقة تركيبه وبنائه قبل الاِنصراف للحديث عن أغراضه وغير ذلك، وهو بذلك مثل فن النحت، فالخبراء في النحت عند رؤيتهم لتمثال معين يحددون نوع الحجر الذي نحت منه وكيف نحت كل جزء من التمثال، كل هذا قبل حديثهم عن الأغراض الاِجتماعية والسياسية وغيرها من الأغراض الخارجية والتي ساهمت في إفراز هذا الإبداع، ومادام الشعر فنا لغويا فما علينا إلا الاِهتمام بلغة هذا الفن، وقد حاول د. حماسة إبراز ذلك في العديد من المؤلفات، فإذا كان مؤلف ” بناء الجملة العربية ” يقدم الأدوات والمفاهيم الأساسية لتحليل لغة الشعر ودراسة جمله، فإن د. حماسة إضافة إلى تطبيق هذه المفاهيم وأجرأتها في الفصل الرابع قدم إلى الخزانة العربية مجموعة من المؤلفات تحاول ترسيخ هذا المبدأ وتبيان نجاعته وجدواه في تحليل النصوص ومن بين هذه المؤلفات نذكر: “الجملة في الشعر العربي “، “ظواهر نحوية في الشعر الحر: دراسة نصية في شعر صلاح عبد الصبور”، ” اللغة وبناء الشعر “…
ولم يدخر المؤلف جهدا في تأكيد صحة دعواه، حتى إننا نجده يؤكد ذلك في العديد من المحافل العلمية لعل أبرزها إحدى الندوات المنظمة في ” كلية دار العلوم ” بالقاهرة التي دَرَسَ ودَرَّسَ بها، وكانت هذه الندوة تحت عنوان ” النحو : مدخلا للنص الشعري ” ؛ حيث يؤكد فيها المسوغات التي تجعل من علم النحو مدخلا أساسيا لدراسة هذه النصوص الشعرية أبرزها النضج الذي وصل له علم النحو باِعتباره علما قائما بداته، ووجود الكثير من الدارسين أهملوا هذا المعطى بالرغم من أهميته، وأخيرا ما لربط النحو بالنص من فائدة معنوية كبيرة في تعليم اللغة العربية وذلك حتى لا يكون هذا العلم فارغا من الدلالة.
ولعل اِهتمام علماء النحو بالإعراب هو السبب وراء هذا الإهمال، فإذا كان النحاة القدامى يهتمون ببناء التراكيب ووظائفها وأن اِستقامة المعنى عندهم أهم من اِستقامة التركيب، فإننا نجد في المقابل أن هناك من علماء النحو المتأخرين مَنْ اِهتموا فقط بالإعراب ونظموا فيه المتون المطولة وجعلوا من هذا العلم علما جافا لا حياة فيه، ولعل من المبررات أيضا التي تدفعنا إلى اِعتماد النحو كمدخل لتحليل النصوص نظرية النظم عند الجرجاني (ت471هـ)، فالنظم عنده يقوم على أساس نحوي، وهذا الأساس النحوي بتظافره مع العنصر البلاغي يبين لنا مظاهر الإعجاز في النص، والنص الذي يدرسه الجرجاني (ت471هـ) هو النص القرآني، والنص كيفما كان نوعه ليس إلا متوالية متسقة ومنسجمة من الجمل التي قد تطول أو تقصر حسب السياق وحسب القصد الذي يريد المتكلم إبلاغه من خلالها؛ حيث إن الإعجاز لا يظهر إلا داخل الجملة المكونة للنص، وهكذا فإعجاز نص ما لا يستقيم إلا بإعجاز جمله، والجملة لا تكون معجزة إلا من خلال نظم المتكلم لعناصرها اللغوية وتأليفه بينها بشكل مبدع يولد دلالة بلاغية لها؛ فالتقديم والتأخير له دلالة والحذف له دلالة وهكذا…
ويتضح أن كتاب ” بناء الجملة العربية ” للدكتور حماسة عبد اللطيف يحاول التعريف بالعناصر المكونة لبناء الجملة العربية ومظاهر ترابطها وعوارضها، والاِختلاف الحاصل بين البنية الأساسية للغة والبناء المتحقق لدى المتكلم، كل هذا لأجل أن يمتلك القارئ أدوات إجرائية وعُدَّة معرفية تُسعفه في تحليل النصوص ودراسة لغتها وبنائها، والكشف عن قدرة المبدع في تطويع هذه اللغة لتصبح صالحة للتعبير عن مشاعره من جهة، وقابلية اللغة للتمدد ودرجة مرونتها في خلق نص إبداعي معجز في تركيبه من جهة ثانية، وهذا ما يؤكده ” رولان بارت ” ” Roland BARTHES ” باعتباره أن المتكلم يعيش في علاقة اِزدواجية مع اللغة، فهو عبد للغة وفي الآن ذاته حر فيها، فعندما يتحدث شخص ما بلغة معينة فهو يخضع لقواعدها وتراكيبها ولنسيجها الثقافي، وفي نفس الوقت يوظف هذه اللغة ويطوعها جماليا وفنيا بشكل يخدم إبداعاته…
ت – المنهج المعتمد في الكتاب:
قبل الشروع في تحديد منهج الكتاب لابد من تحديد مصطلح المنهج أولا، ففي اللغة قال اِبن منظور(ت711هـ) : “طريقٌ نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ، وهو النَّهْجُ” ، المنهج في اللغة إذاً عبارة عن الطريق والسبيل الواضح المؤدي إلى مكان أو نتيجة معينة، وهذا المعنى لا يختلف عن المدلول الاِصطلاحي للكلمة؛ حيث يعرف د. صلاح فضل المنهج قائلا: ” أما تعريفه اِصطلاحا فقد اِرتبط بأحد التيارين: الأول: اِرتباطه بالمنطق وهذا الاِرتباط جعله يدل على الوسائل والإجراءات العقلية طبقا للحدود المنطقية التي تؤدي إلى نتائج معينة… فالمنهج في هذه المرحلة يطلق عليه المنهج العقلي… الثاني: اِرتباطه في عصر النهضة بحركة التيار العلمي.” ، وعلى العموم فإن المنهج في الاِصطلاح يعني الطريق والمسلك العقلي المعتمد للوصول إلى مجموعة من النتائج والبرهنة على صحة فرضية ما.
وبما أن التفكير العلمي يتسم بنوع من التنظيم والمنهجية، وهو الذي يقصده د. فؤاد زكريا بـ: “التفكير المنظم، الذي من الممكن أن نستخدمه في شؤون حياتنا اليومية، أو في النشاط الذي نبذله حين نمارس أعمالنا المهنية المعتادة… وكل ما يشترط في هذا التفكير هو أن يكون منظما، وأن ينبني على مجموعة من المبادئ التي نطبقها في كل لحظة دون أن نشر بها شعورا واعيا.” ، فإن هذ التنظيم لابد أن يُترجم على الكتابة التي تعد صوتا ناطقا واِنعكاسا واضحا له، وبالتالي فأي كتاب كيفما كان نوعه يعبر عن طبيعة تفكير صاحبه، ويكسبه صفة العلمية والتنظيم لقيمة ما يورد من أفكار وآراء من جهة، ولطريقة ترتيبها وعرضها من جهة ثانية، لذلك يعتبر المنهج وسيلة لعرض هذه الأفكار وتصنيفها ومحاولة لتحليلها وتفسيرها، وعليه فمن البديهي أن نحدد المنهج المعتمد في كتاب ” بناء الجملة العربية ” لما له من دور في الكشف عن طبيعة التفكير العلمي لدى د. حماسة.
وتتميز الوسائل والتقنيات التي اِعتمدها د. حماسة في عرض ومعالجة أفكاره بالكتاب بالتعدد والتنوع.
وعليه يمكننا الكشف عنها اِنطلاقا من أربعة مستويات أساسية وهي:
1. مستوى اللغة:
يتميز كتاب د. حماسة ” بناء الجملة العربية ” بلغته الواصفة الدقيقة، فأبرز ما يمكن أن ننعتها به هي أنها لغة سهلة ممتنعة في الآن ذاته؛ سهلة لتوظيف ألفاظ واضحة وجمل إخبارية مرتبة ناتجة عن طبيعة وصف تراكيب الجملة العربية؛ يقول في أحد مواضع كتابه: “تقييد التبعية أنواع، بعضها يخص الِاسم وحده وهو تبعية النعت، وبعضها الآخر، وهو تبعية البدل وتبعية العطف، لا تخص الاِسم وحده بل تكون في الاِسم وغير الاِسم.” ، ويتضح لنا من هذه العبارة كيف تدرج د. حماسة في تعريف تقييد التبعية مستعينا بلغة واضحة، وذلك لما يقتضيه أسلوب التعريف من تحديد ووضوح.
أما الممتنع فيتجلى في تعدد المصطلحات النحوية؛ “البنية الأساسية” كمصطلح رئيسي، وغيرها من المصطلحات الفرعية كـ”البناء” و”الِاستبدال” و”التعقيد التركيبي”… حيث يقتضي فهمها إلماما وإحاطة بالمعرفة اللغوية اللسانية الحديثة، هذا ونلاحظ أيضا حضورا كبيرا للغة القدماء؛ حيث يتحدث د.حماسة في معظم الأحيان بلسانهم كالرضى (ت 686 هـ) وسيبويه (ت 180 هـ) واِبن هشام (ت218هـ) وخير دليل على ذلك العبارة التالية: “… وأسماء الزمان كلها صالحة للظرفية، المبهم منها والمختص، (والمبهم كقولك: صمت يوما، واِنتظرته شهرا، وسكنت الدار سنة. والمختص، كقولك صمت يوم الجمعة، واِنتظرته شهر رمضان، وسكنت الدار السنة السالفة)” ، ونلاحظ هنا تداخل كلام د.حماسة مع كلام اِبن مالك (ت672 هـ) دون إعلام المتكلم بذلك، ويكتفي هنا بالأقواس والإحالة كاِستراتيجية للإشارة إلى صاحب الكلام، ما قد يصيب المتلقي ببعض التشويش، لكن مهما يكن من أمر فإنه أحيانا يشير إلى صاحب الكلام قبل الخوض في سرده كقوله: “… وهو يقوم أساسا على فكرة أن الخبر هو المبتدأ في المعنى أو منزل منزلته. يقول سيبويه: ( واِعلم أن المبتدأ لا بد أن يكون البني عليه شيئا هو هو) الكتاب 2/147، ويشرح اِبن يعيش كون الخبر هو المبتدأ في المعنى أو بمنزلته قائلا: (فالأول نحو قولك: زيد منطلق…)شرح المفصل 1/87 ” .
ونلاحظ هنا أن د. حماسة غالبا ما يذكر أسماء النحاة القدامى وأصحاب الأقوال المقتبسة في المتن عندما يحتج بهم لتأكيد مسألة ما كما رأينا في القولة السابقة؛ حيث أكد من خلالهم على أن الخبر هو عين المبتدأ أو في منزلته… كما قد يستعين بهم في تبيان بعض الاِختلافات لدى النحاة القدامى: ” ويقول سيبويه…. ويقول أيضا في التدليل على ترابط أجزاء التركيب… وينقل سيبويه عن الخليل رأيه في ترابط هذا الأسلوب… واِختلاف النحاة في تفسير جزم المضارع…” ، ولا يهمنا هنا إيراد أقوال القدماء في حد ذاته لأننا سنوضح دوافع د. حماسة من ذلك لاحقا، لكن ما يهمنا هو إبراز تداخل لغة د.حماسة الواصفة أحيانا والمفسرة أحيانا أخرى والتي تتميز بنوع من البساطة نظرا لِانتمائها لمعجم الفصحى المعاصرة مع لغة القدماء المعقدة التركيب.
ولعل المتانة المتجلية في بعض مواضع الكتاب ترجع بالأساس إلى لغة القدماء الزجلة والمعقدة من جهة، وإلى الشواهد الشعرية والقرآنية التي يوردها د. حماسة والتي تحتاج من المتلقي تركيزا وتبصرا دقيقا في معانيها من جهة ثانية، بيد أن لهذا ما يسوغه في طبيعة البحث النحوي الذي يقوم بالأساس على الأثر اللغوي البليغ الذي يعبر عن اللغة السليمة الصحيحة والتي يعتبر القرآن الكريم والشعر القديم مستقرا لها.
2. مستوى البحث النحوي:
سبق وأن أشرنا في موقع الكتاب من مؤلفات الكاتب أن د. حماسة اِعتمد في كتابه هذا منهجا مغايرا لذاك الذي نشأ عليه في ظل التجديد النحوي؛ حيث ترعرع في كنف المنهج الوصفي الذي اِتسم بنقده للتراث النحوي العربي وخير دليل على ذلك كتابه: ” لغة الشعر، دارسةٌ في الضرورة الشعرية “، ومعلوم أن المنهج الوصفي هو منهج يقوم على الوصف الآني للغة وصفا دقيقا موضوعيا في مختلف المستويات، وقد أدى به هذا الوصف في كثير من الأحيان إلى مخالفة النحاة القدامى خاصة في ما أسموه أحيانا ضرورة شعرية مستدلا بما يفنده من شواهد قرآنية ونثرية…
غير أن النزعة الوصفية لا تنفك تتراجع أمام ميله إلى منهج جديد وهو منهج يقوم على إنصاف القدماء ومحاولة ربط جهودهم النحوية بالدراسات اللسانية الحديثة يقول في كتابه: ” بناء الجملة العربية”: “غير أن الوصفيين من علماء اللغة العرب المحدثين لم يهتموا إلا بـ(الكلام)… وقد كانوا متأثرين بذلك بآراء بعض العلماء الغربيين… ولذلك وجهوا – في فترة قريبة سالفة – كثيرا من النقد للنحو العربي ونحاة العربية القدماء… ولعل موجة ( الوصفية ) آخذة الآن في الاِنحسار اِستجابة لنزوع العقل البشري للتفسير وعدم الاِكتفاء بوصف الظاهرة وصفا مجردا.” ، وهو بذلك يقصد بالتفسير منهجا تأصيليا يؤسس لرؤية جديدة تقوم على فكرة أنه: “ليس الجديد الحق مبتوت الصلة بالقديم منكرا له منسلخا عنه، ولكنه إضافة لبعض جوانبه، واِستكشاف لغوامضه… والجديد الذي لا يعتمد على القديم، ولا يستمد اِستمراره من أصوله ضرب من القفز العشوائي في الظلام، قد لا يفيد شيئا إن لم يكن تدميرا لكل شيء.” .
والتفسير في الكتاب يتجلى في الاِنطلاق من المبنى إلى المعنى، وعدم الاِكتفاء بوصف الظاهرة وصفا مجردا ظاهريا، وهذا يذكرنا بنظرية النظم الجرجانية، فالمزية ليست في اللفظ وحده أو في المعنى وحده، بل فيهما معاً، ومن دلائل ذلك في الكتاب قوله: “وإلصاق الفعل بالمفعول أو وقوعه لأجله أو فيه أو معه؛ أي بمصاحبته هو معنى تحديد الجهة المرادة للفعل.” يقول في موضع آخر: ” والجملة الاِعتراضية من حيث التحليل النحوي لا محل من الإعراب… ولكنها من جانب آخر لا تنفك عن الجملة الأصلية ولا تزول عنها من حيث معناها، لأنها تعترض بين عنصرين متضامين متلازمين.” …
أما من ناحية إنصاف النحاة القدامى فيتجلى ذلك بشكل واضح في اِعتباره فكرة البنية الأساسية؛ حيث يقول: “وليس القول بالبنية الأساسية دعوة جديد للتحليل النحوي في العربية، ولكنها محاولة لفهم التفسير الذي قدمه نحويو العربية لنظام اللغة في جهد وإخلاص يدعوان للإعجاب… وصحيح أن هذا المصطلح لم يقع في تعبيرهم، ولكنه يتبدى بصور مختلفة في كثير من اِصطلاحاتهم الذي يوحي به ويومئ إليه، وما قولهم (أصله كذا) أو(قياسه كذا) أو(هو عل تقدير كذا) أو(تأويله كذا) إلخ، إلا رجوع إلى ذلك النموذج أو الأصل، أو – إن شئت – البنية الأساسية.” .
فإذا كانت البنية الأساسية تحيل إلى فكرة البنية العميقة في النحو التوليدي، فإن د. حماسة يوازن وبشكل غير مباشر بين اللسانيات الحديثة ( المدرسة التوليدية ) والنحو العربي القديم، وهي بذلك محاولة تأصيلية بامتياز ويتضح ذلك في غير موضع واحد من كتابه : ” وإنما اِفترق البدل عن البيان في هذا لأن البنية الأساسية في البدل جملتان، والبنية الأساسية في عطف البيان جملة واحدة.” ويقول أيضا: “…وقولهم ( أي النحاة العرب القدامى ) غلام زيد بمعنى غلام لزيد؛ أي من حيث ملاحظتهم معنى اللام في كل فقط، فمرادهم به مجرد تفسير جهة الإضافة في المثال المذكور من الملك والاِختصاص، وهكذا القول في كل بنية أساسية، إنها لمجرد تفسير التراكيب فحسب، وهذه هي مهمة النحاة الأساسية: تفسير الأبنية.” .
وعليه يتضح لنا أن د. حماسة في كتابه: “بناء الجملة العربية” يتبنى منهجا تجديديا يقوم على التفسير، وهذا التفسير في حد ذاته إنصاف للنحاة العرب القدامى، وتأصيل للجهود النحوية المعاصرة، كما أنه رَبْط للنحو بالمعنى بعد قطيعة تسبب فيها الاِهتمام بالإعراب وحده وتغير العلامات والوصف الظاهري للبناء اللغوي.
3. مستوى العرض:
تميز عرض د. حماسة لمحتوى الكتاب بنوع من الترتيب المنطقي والتنظيم المحكم؛ حيث اِعتمد منهجية اِستنباطية تقوم على الاِنتقال من العام إلى الخاص؛ إذ بعد المقدمة التي أبرز فيها أهمية الدراسة وأبعادها وطموحاتها، يقوم بالتوطئة لكل فصل حتى يهيئ المتلقي معرفيا ووجدانيا لما سيأتي في مباحثه، وكما أشرنا سابقا في الفصل الأول، حاول الكاتب أن يحدد المصطلح الأساسي: ” الجملة ” والذي يعتبر مدار الدرس النحوي بصفة عامة، وهذه الدراسة بصفة خاصة؛ حيث فصّل في تطو مدلول هذا المصطلح من لغوي إلى آخر، وبل وتخصيص هذا المدلول في حد ذاته…
ثم اِنتقل بعد ذلك للتفصيل في بناء هذه الجملة عن طريق ذكر مكوناته، ومتحدثا عن العناصر الأساسية أولا ثم اِنتقل إلى العناصر الزائدة أو الفضلات مع تبيان ما لها من فضل في الإفادة، كذلك الحال بالنسبة لطول الجملة؛ حيث تحدث عن أقرب الوظائف إلى العناصر الإسنادية وهلم جراً.
كما تحدث في الفصل الثاني عن ترابط العناصر الإسنادية ثم اِنتقل إلى ترابط العناصر غير الإسنادية، وعلى نفس المنوال سار في الفصلين الثالث والرابع فبعد التوطئة يهيئ المتلقي بمبحثين عامين يحدد فيهما المصطلحات الأساسية لفهم المباحث الموالية ” البنية الأساسية ” نموذجا، أو ضرورة دراسة البناء الجملي للشعر في الفصل الرابع.
لكن ما يمكن ملاحظته هو نوع من “التشتت المنهجي” في الفصل الثاني خاصة عندما نتحدث عن ترابط العناصر غير الإسنادية؛ حيث كان يفضل الاِنطلاق من العلاقات المعنوية إلى العلاقات اللفظية، غير أن د. حماسة لم يسر وفق هذا النهج واِكتفى أحيانا بالتلميح إلى العلاقة المعنوية الرابطة مع التفصيل في العلاقات اللفظية وسرد اِختلافات النحاة حولها…
بيد أن د. حماسة تميز في هذا الكتاب بالمزاوجة بين جانبين اِثنين؛ الجانب النظري، ويمثله كل من الفصل الأول والثاني والثالث، والجانب التطبيقي، وهو محصور في الفصل الرابع.
ويجوز القول إن الفصول الثلاثة الأولى عبارة عن عدة معرفية وأدوات إجرائية تسعفنا في تحليل النصوص الأدبية بصفة عامة والنصوص الشعرية القديمة بصفة خاصة، فالمعرفة النظرية ليست كافية، فلكي تترسخ لابد من تطبيقها والكشف عن أبعادها التجريبية، وهذا شأن المعارف اللغوية اللسانية عامة، وسيتضح ذلك من الشق التطبيقي لدراستنا.

4. مستوى التطبيق:
تحدثنا سابقا عن تصنيف أحد الدارسين لكتاب د. حماسة في خانة الدراسات النظرية التي ناقشت بناء الجملة العربية نظريا، ونحن بذلك لا ننكر تضمن هذا الكتاب لجانب نظري يضم ثلاثة فصول من أصل أربعة، غير أنه من المجحف حقا تصنيفه ضمن باب الدراسات النظرية، وأبرز مبرر لذلك الفصل الرابع المعنون ب: “بناء الجملة في الشعر القديم”، وتحديدا المبحثين الثاني والثالث يقول: “… حاولت للتدليل على ذلك في غير هذا الموضع، وسوف يجد الكاتب إشارة أخرى في الفصل الأخير من هذا الكتاب. ” ؛ حيث بين تآلف النسج الشعري مع بناء الجملة عن طريق العديد من النماذج التطبيقية من الشعر الجاهلي، كما كشف عن مظاهر طول الجملة بهذا الشعر من خلال تطبيقه على بعض النماذج الشعرية القديمة، ويقول في مطلع هذا المبحث: ” ومهما يكن من أمر، فهذه المحاولة في اِستلفات الاِنتباه إلى بناء الجملة في الشعر القديم خطوة ضرورية ينبغي أن يقوم بها النحويون – كما أعتقد – حتى يكون هناك تعاون بين دارسي العربية على فهم النص الشعري وطريقة تناوله.” .
وبذلك يتضح أن ما جاء في الفصول الأولى خاصة تلك المتعلقة بطول الجملة عبارة عن أدوات إجرائية تساعد في تحليل البناء الجملي للقصائد العربية بصفة خاصة وباقي النصوص الأدبية بصفة عامة ويتضح ذلك من خلال هذين الاِقتباسين من تطبيقاته: “… ولكن الشاعر تدرج في وصف كل من الثلاثة وصفا خالف فيه بين النعت المفرد والنعت الجملة، واِستخدم الوسائل التي يتيحها النظام اللغوي لبناء الجملة من العطف والحال وغيرهما… ” ، ” هنا يستغل الشاعر الإمكانات اللغوية المختلفة في إطالة هذه الجملة، فيعدد النعت وينوع في النعت بالمفرد والجملة، ويطيل الجملة الفرعية في داخل هذه الجملة الطويلة نفسها… ” .
وعلى العموم يتضح لنا أن د. حماسة اِعتمد منهجا مركبا يقوم بالدرجة الأولى على ما هو تراثي مما يبين المنحى التأصيلي في الكتاب وخير دليل على ذلك المستوى اللغوي باعتماده على لغة القدماء في كثير من الأحيان، ومستوى البحث النحوي في تأسيسه لفكرة البنية الأساسية التي تحاول تأصيل البحث النحوي وإنصاف النحاة العربي القدامى، أما على مستوى العرض فتتضح طبيعة التفكير العلمي التي
يتعامل بها د. حماسة مع مادة كتبه ومحاولة عرضها وفق قالب منهجي محكم يقوم على التدرج من العام إلى الخاص.

التعليقات مغلقة.