سيبويه وشركاه في مترو أنفاق الجيزة- بقلم د.السعيد بدوي

نشر هذا المقال في جريدة الأهرام في11/4/2007م. وأعده للنشر: السيد شعبان جادو (باحث دكتوراة).

Screenshot_٢٠١٧-٠٨-٢٠-١٤-٢٥-٣٠-1
بدأت استخدام مترو أنفاق الجيزة منذ دخوله الخدمة في أبرل 1999م، ولاحظت منذ البداية أن السائقين ونظار المحطات يستخدمون في تخاطبهم عبر الميكروفون مع الركاب ومع بعضهم البعض لغة عربية سليمة التراكيب، سليمة الألفاظ لا تخالف قوانين الفصحى” على السادة الركاب الابتعاد عن الأبواب”،”نأسف للانتظار،أمامنا قطار، السيد فلان، نرجو سرعة الحضور إلى مكتب ناظر المحطة” في البداية قلت لنفسي هذا شيء عظيم، وعلامة من علامات الدقة في التخطيط فالإدارة قد تنبأت سلفا بالمواقف التي يمكن أن تستدعي التخاطب عبر الميكرفون وصاغت لكل منها عبارة مكتوبة وأعطتها للعاملين لاستخدامها عند الحاجة كما يفعل أطقم الطائرات.
ولكن وردت عبارات شككتني في الأمر:”الراكب المستند على الباب أرجوك الابتعاد منعا للخطر”، “على الطفل محمد الذهاب فورا إلى مكتب ناظر محطة رمسيس”؛ قلت لنفسي من المستبعد أن تكون الإدارة قد تنبأت بهذه المواقف غير المعتادة وأيضا من المستبعد أن تكون قد وضعت في كل محطة أستاذا في اللغة العربية لصياغة العبارات حسب الحاجة، وحتى لو كانت الإدارة فمن غير المعقول قد تكون وضعت أستاذا في اللغة العربية بجانب كل سائق في كابينة القيادة.
ثم وقعت واقعة حولت الشك إلى يقين: في محطة الأوبرا تجاوز وقوف القطار ذات صباح عشرين ثانية(مدة طويلة جدا في عرف المترو) فحل على الركاب وعلى الرصيف بطوله صمت عميق ثم جاء صوت السائق مجلجلا “السادة الركاب أعتذر لوجود عطل أمامي وسوف نستأنف المسير بعد دقائق”(لاحظوا”سوف”والمصدر الميمي “المسير”)
وتتابعت النداءات من السائق وناظر المحطة “السادة الركاب نعتذر لوجود بعض التأخير وسوف نستأنف المسير بعد قليل”السادة الركاب أمامنا خمس دقائق قبل استئناف المسير”وأخيرا جلجل الميكروفون” برجاء السادة الركاب ركوب القطار لاستئناف المسير”في محطة السادات زعقت الميكروفونات بمعلومات سريعة لا يمكن أن تكون مكتوبة في ورقة “السادة الركاب القطار متجه إلى محطة العتبة فقط ” “القطار الموجود الآن برصيف شبرا الخيمة متجه فقط إلى العتبة” (لاحظوا استخدام الباء وكلمة فقط)، سوف يتم تدوير القطار في محطة العتبة”.
قلت لنفسي”تدوير القطار”هذه لايمكن أن أن تكون صحيحة، ولكي أثبتها عليهم بالدليل سارعت إلى معجمي”لسان العرب”و”تاج العروس”فأفادا بأن التدوير هو جعل الشيء على هيئة الدائرة ولا يعني أبدا تغيير الاتجاه من الأمام إلى الخلف.يعني أن الناطق باسم الهيئة قد أخطأ في الفصحى!
غير أنني لم أطمئن إلى هذه النتيجة، فهيئة المترو قد سبق لها أن ابتكرت عبارة “سرعة التقاطر” تعبيرا عن المدة بين كل قطارين دون إخلال بقواعد الفصحى ودون أن تدوس لسيبويه على طرف. فلعل تحت أيديها كما قلت لنفسي وثائق لغوية ليست تحت يدي.
اتصلت باللغوي الحجة مصطفى حجازي عضو مجمع اللغة العربية وذاكرته الحية وعرضت عليه القضية. أفاد بأن المجمع أجاز(ربما في دورته الرابعة والثلاثين) قياسيا على وزنى أفعل وفعل(بالتشديد)، وأباح لمن يعنيهم الأمر أن يوسعوا دلالة الموجود منها، أي بعبارة غير اصطلاحية لهيئة المترو الأنفاق أن تكون القطارات خلفا وأماما ما شاء لها التدوير. سرحت بخاطري وتساءلت: لماذا يجد العاملون بالمترو أنفسهم يستخدمون الفصحى بهذه التلقائية؟ ولماذا يتصرف الجمهور بطريقة مختلفة تماما في مترو الجيزة؟ لا خناقات ولا ضجيج ولا حتى كلام بصوت عال؟ ولماذا اختفى رجال البوليس الذين كانوا ينتشرون على الأرصفة والمحطات في السابق؟ هل لذلك علاقة بالنظافة والانتظام وحسن الأداء؟ وهل الفصحى قرين الانضباط وتوءم النظافة وشقيقة لحسن الخلق؟ إن لدينا من الشواهد ما يدل على أن” نشر الفصحى وتقويتها وإعادتها إلى سالف العهد بها لا تكون بزيادة ساعات القواعد في المناهج الدراسية…بل بنشر أنماط الحضارة ومستويات السلوك التي ترتبط تلقائيا بالفصحى والمستويات العليا من التعبير اللغوي(كما جاء في كتاب مستويات العربية المعاصرة في مصر). وما يحدث في مترو الجيزة من التآخي الطبيعي بين الفصحى والانتظام خير شاهد على صحة هذا الكلام الذي قيل منذ أكثر من ثلاثين عاما. وإذا كان ذلك صحيحا فلماذا لا تتولى هيئة مترو الجيزة(هذه الجزيرة المنعزلة من النظام والنظافة والفصاحة في مصر) الإشراف على بعض المدارس لعل هذا النموذج ينتشر ويسود بيننا؟

التعليقات مغلقة.