قراءة في ديوانَي: (خطوات على الأعراف) و (قبل الشتات) بقلم: الشاعر/ عبد القادر أمين – عضو اتحاد كتاب مصر

21270827_1733793483583484_1228258282299144203_n

بدايةً- نحن هنا أمام ذاتٍ تتحدث عن العالم, وعالَمٍ اختُزل في ذات.. ذاتٍ عاشت واقعها بكلّ ما فيه, تذوّقت حلاوةَ قربه, وتجرّعت مرارةَ فقده؛ فجاء سطرُها الشعري صادقًا حيًّا.

استقرّ في ذهني أنني أمام مدركَيْن لقيمة عتبةِ العنوان لشهية القارئ.. ثم حين بدأت القراءةَ شعرت أنني أمام كهلَيْن عركْتهما السنون, ولعبت بهما الأحداث حتى صنعت منهما هذه الشفافية الحالمة, والخبرةَ العقليةَ الشاعرة..

ثم كانت صدمتي حين علمتُ أنه الديوان الأول لكليهما, والذي جعلني أعيدُ القراءة للمرة الثانية؛ رغبة في الاستمتاع.. فيكذّبني سطرُهما ويثبتُ فحولتَهما؛ حين يقول الدكتور مصلوح:

20992916_10214617246964963_8591435669372327617_n

نُوَاحًا كَانَ أَمْ شَدْوَا صُرَاخُكَ لَيْلَةَ المَهْوَىٰ
وَمَنْحَا كَانَ سِرُّ المَوْتِ وَالـمــيــلادِ ؟ أَمْ بَـلْـــوَىٰ !
وَصِدْقًا كَانَ أَمْرُ العِشْقِ وَالأَشْوَاقِ أَمْ دَعْوَىٰ؟
كِتَابَ العُمْرِ ! يَا نَصًّا شَقِيْتُ بِهِ بِلَا فَحْوَىٰ
تُحَاجِيْنِي بِأَلْغَازٍ وَلَسْتُ لِحَلِّهَا كُفْوَا
أُغَالِبُهَا فَتَغْلِبُنِي وَأَحْسَبُ أَنَّنِي الْأَقْوَىٰ
وَأَحْسَبُ ضِلَّةً أَنِّي بِجِدٍّ بَالِغٌ شَأْوَا
     

لا يا سيدي, لقد- والله- بلغتَ الشأوَ الكريم في قلوب محبيك وتلاميذك وقرّائك بهذا الديوان.

ويقول الدكتور بريك:

يا أيها الوطنُ الذي قد ضاعَ في لغْوِ الكلام

إنَّا هنا نقتاتُ صمتًا مفزعًا من ألفِ عام

يتضاءل العمرُ المولِّي

مثلَ ظلٍّ آخذًا نحو الزّوالْ

نمضي إلى اللاشيء

نغرسُ خِنْجرًا في جبهةِ البَيْداءِ

حتَّى تنبِتَ الشجرَ المُحال!!

الديوانان- مع اختلافِ طبيعة كلٍّ منهما- قد توافقا- عن غيرِ قصدٍ وترتيب- وكأنهما كانا معًا وقتَ الترشيح للطباعة, ولي شاهدٌ أقوله بعد قليل, الديوانان أقولُ هما حالةٌ من الشعرية العذبة, مذاقٌ خاص يجمع بين المتضاداتِ في انسيابيّة طاغية. حين يتجلّى القربُ والبعد, والحبُّ والصدّ, والأملُ والإحباط, والبراءةُ والوحشية في ديوانٍ واحد؛ فاعلمْ أنك أمامَ شاعرٍ صادق مع نفسه ومع عالَمِه وما بينهما, وبالتالي فهو صادقٌ مع سطره الشعري. أمّا الشاهد على تواردِ الخواطر, بل والحميمية الشعرية حينَ البَوْح؛ فقول الدكتور مصلوح:

نُوَاحًا كَانَ أَمْ شَدْوَا صُرَاخُكَ لَيْلَةَ المَهْوَىٰ
إِلَىٰ كَوْنٍ أَوَادِمُهُ تَلُوذُ بِأُمِّهَا حَوَّا
فَرَاشًا نَحْوَ نِيْرَانٍ لَظَاهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ
       

ثم تعالَ إلى الدكتور بريك حين يقول:

أنـا إنْ غضَّـن الزمـــــانُ إهـابـــي

فـفـؤادي يظـــلُّ غضـــًّا جميــــــلا

عاش طفلًا يهوى الجمالَ ضحوكًا

وفراشـــــًـــــــا يعانــــق القنديـــلا

نحن هنا أمام فطرةٍ نقية تبوحُ لك بمكنونها في شاعريةٍ طبيعية سجية, ربما تصلُ إلى الجِبِلّة بلا تكلفٍ ولا تجمّل, إنها الفطرةُ النقية التي لم تتلوّث رغم طول عمرها النسبي, حيثُ بدتْ قائدةً للعقل والأفكار, مستصحبةً معها جيشًا جرّارًا من المشاعر والأحاسيس لتخوضَ غمارَ الكلمة, وتنتصر- في الختام- للإنسانية الحالمة المعذَّبَة بحلمها, يقول الدكتور مصلوح:

يَا نَفْسُ ! أَنْتِ عَوَالِمٌ أَدْرَىٰ بِهَا
دُوْنَ الْبَرِيَّةِ مُبْدِعُ الْأَشْيَاءِ
سِرٌّ خَبِيءٌ أَنْتِ ، عَنْ إِدْرَاكِهِ
أَبَدًا تَقَاصَرَ كُلُّ رَبِّ ذَكَاءِ
وَتَدِفُّ أَجْنِحَةُ الْخَيَالِ حِيَالَهُ
تَمْضِي وَتَرْجِعُ دُوْنَ بَعْضِ غَنَاءِ
النَّفْسُ ، يَا لَلنَّفْسِ ! إِنِّي حَائِرٌ
فِي ذَلِكَ السِّرِّ الْخَفِيِّ النَّائِي

وفي السياق نفسه, بل وبحرف الرّويّ نفسه، مع الاختلاف بين الإطلاق والتقييد, يقول الدكتور بريك:

هذي الحياة خيالٌ

هذي الحياة فناءْ

العارفوها قليلٌ

والجاهلوها غثاءْ

لذاتها محضُ وهمٍ

محضُ هوًى وادعاءْ

أعطت قليلًا وأكْدت

يا بؤسَ ذاك العطاءْ!

وتبقى مصرُ هي العشق والهوى في حنايا كلِّ شاعر حرٍّ, ويبدو نسيجُ مصر واضحًا متواصلًا ومنسربًا في ثنايا قصائده بصورةٍ مستترة فاضحة!! ولكنْ حين تختلطُ الرؤى على الرائي تبدو الحيرةُ بين الشك واليقين, وتتنازعه حالتان, فيكون التعبيرُ في صورة هزْلٍ يستهزئ فيها وبها مِن الذين يدركون الطريقَ والصواب ولكنهم يتنكَّبونه, حين يتساءل الدكتور مصلوح:

يَا مَوْطِنًا هُوَ مَعْدِنُ الأَسْرَارِ جَادَتْكَ الغَوَادِي
أَنَّى يَلَدُّ لِقَامِعِي أَحْرَارِهِ طَعْمُ الرُّقَادِ
والنَّاهِسُونَ لُحُومَ أَهْلِيهِمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادِ
البَائِعُونَ جَمَاجِمَ الشُّهَدَاءِ فِي حَلَقِ المَزَادِ
لَمْ يَكْفِهِمْ سَلَبُ الجِمَالِ فَقَايَضُوْهُم بِالقُرَادِ
شَدُّوا الرَّغِيْفَ إِلَىٰ ألْهِرَاوَةِ وَالصُّدُوْرَ إِلَىٰ الزِّنَادِ
بَاعُوا السَّنَابِلَ بِالقَنَابِلِ وَالمَقَامِعَ وَالعَتَادِ
فَعَتَا الجَلَاوِرَةُ الغِلَاظُ فَأَنْطَقُوا صَمْتَ الجَمَادِ
وَسَقَوْا بِشَوْبِ حَمِيْمِهَا الغَسَّاقِ أَكْبَادًا صَوَادِي
مَعْبُودُهُمْ طَاغُوتُ أَرْضِ أللهِ وَالسَّبْعِ الشِّدَادِ
فَإِذَا أَهَلَّ؛ فَطَلْعَةُ الْقَمَرِ المُطِلِّ عَلَىٰ البَوَادِي
وَإِذَا أسْتَذَلَّ؛ فَكُلّهُم جَرْوٌ تَحَفَّزَ لِلْطِّرَادِ
وَإِذَا أسْتَهَلَّ؛ فَدُوْنَهُ قُسُّ بنُ سَاعِدَةَ الإِيَادِي
وَكَأَنَّ رَجْعَ نُهَاقِهِ لِلْقَوْمِ حَمْحَمَةُ الجَوَادِ

وكذلك لم يخلُ ديوانُ الدكتور بريك من مثل هذا, فيقول:

الطيرُ في مصرَ تغدو

ثم تعودُ خماصا !!

كم كذَّبت من صدوقٍ

وصدَّقت خرَّاصا

وصادقت أفعوانًا

مصَّ الدماء امتصاصا

يا غافلًا ليس يرجو

إلى النّجاة خلاصا

هل يأمنُ الطيرُ دارًا

إنْ صاحب القنَّاصا ؟!

إن القارئ المتذوّقَ للشعر الهادفِ المحترم ليُدركُ للوهلةِ الأولى أنّ الشاعر يحمل مهمةً ومشغلَةً سامية توجبُ احترامَ سطره وشاعريته, وهي ربما تعدُّ القضية المحورية التي يدور حولها الديوان, ألا وهي الانتصارُ لقيم الحق والحرية والجمال والحب, تلك المعاني والمبادئ الجميلة التي تسرَّبت في وجدانه الشعري لتأتي كلُّها منسجمةً ومنسابة تترَّس خلفها, لكنها تكشف عن تعمُّدٍ وإلحاح مقصودَيْن كاشفَيْن عن الارتباط الكامل والحميمية الصادقة بمحدِّدَات رسالة الشعر ونزوعِه إلى الخلاص, وهي معانٍ كلُّها تجعلُ من الديوان صورةً ناطقة لمعنى الصمود. ولا يخفَى على القارئ للديوانين أنَّ هنا رسالةْ يحملها الشاعرُ بين جنبيْه وبين دفَّتَي سطره, فيقول الدكتور مصلوح للشعراء:   

 وَأَنَامِلُكُمْ

 أَبْرَعُ مَنْ حَرَّكَ أَوْتَارَا

أَعْتَىٰ مَنْ فَجَّرَ إِعْصَارَا

وَأَقُولُ لَكُمْ:

يَا لَيْتَ رَنِيْنَ الْكَلِمَاتْ

رَعْدٌ وَبُرُوقٌ وَصَوَاعِقْ!

يَا لَيْتَ حُرُوفَ الْكَلِمَاتْ

أنْتَصَبَتْ أَعْوَادَ مَشَانِقْ!

لَعَناتُ اللهِ عَلَىٰ أَوَّلِ بَيْتٍ قَدْ عَرَفْ الْإِلْغَازْ

لَعَنَاتُ اللهِ عَلَىٰ أَوَّلِ تَوْرِيَةٍ كَانَتْ وَمَجَازْ

أَحْبَابِي فُرْسَانَ الْكِلْمَهْ

مَا أَمْجَدَٕ يَوْمًا نَحْيَاهُ

لَوْ كُنَّا شُهَدَاءَ الْكِلمَهْ

 

ويقول الدكتور بريك:

الشعرُ يجلو هازِئًا 
 زيفَ المساحيقِ على وجهِ الصَّنَمْ

الشعرُ ليسَ تَرَفًا 
 الشعرُ فَيضُ النورِ في عصر السَّأَمْ

هو الشُّرودُ في عيونِ طِفلةٍ تائهةٍ
تحضُنُ جِذْعَ الخَوفِ
 في دربِ الألمْ

هو الشفاءُ بالكلامِ
 والهروبُ من براثن العَياءْ

هو اِلْتِماعُ دمعتينِ في الجفونِ 
 لحظةَ العُرُوجِ للسماءْ

هو انتزاعُ بسمةٍ بريئةٍ 
في ذلك الكُوَيكِبِ 
 الذي غَدَتْ غيلانُهُ تُعوِلُ في الفضاءْ

هو اختراعُ لغةٍ جديدةٍ
في عالَمٍ تقودُهُ جحافِلُ الغباءْ

ختامًا, فإن الشعرَ والشعراء غالبًا ما يبحثون عن الحبيبةِ المفقودة, التي تتعدد دلالتُها لتصل إلى مصرَ معشوقةِ الجميع, ولكننا هنا أمامَ فحولةٍ قلبية غير خافية وربما تعمَّد صاحبُها إظهارَها!! تنسرب بين حنايا الشاعريْن ليثبتا أنّ العشق والحبَّ لا يرتبطُ بعمرٍ ولا زمن, وأبدأ بالدكتور بريك في لقطةٍ تمهيدية للحْظةِ التوهُّج السعدِي, يقول الدكتور محروس:

يا فتنتي,

هيّا ارفعي الحُجُبا

لا تسألي كيف الغرامُ غزا قلبي وأوردتي

لا تشرحي السّببَا

أنا طائرٌ غَرِدٌ

حرَّرتِه من سجْنِه

فلرَوْضِك اقْتربَا

تبًّا له..

هذا الفؤادُ أذاقني في حبِّكِ الوَصَبا

يا رحمةً لمعَذَّبٍ

قلقٍ جَوٍ

في الوصْلِ قد رَغِبَا

ثم أختم بالدكتور مصلوح في ليلة عرسه الآني والماضي حين يقول:

وَعِنْدَمَا يَضُمُّنَا اللِّقَاءْ

فِي لَيْلَةٍ عُرْيَانَةِ الْأَضْوَاءْ

بِهَمْسَةٍ أَهِيْمُ عَبْرَ الْأَنْجُمِ

بِلَمْسَةٍ مِنْ يَدِكَ الْمَعْرُوقَةِ الْمُخْشَوْشِنَهْ

تُزَحْزِحُ السِّتَارْ

بِقُبْلَةٍ تُفَجِّرُ الْإِعْصَارْ

وَعَبْرَ دَرْبِ النَّشْوَةِ الْمُضْطَرِمِ

يَنْهَلُّ فَيْضُ الْكَهْرُبَاءِ فِي دَمِي

فَأَرْتَمِي…

وَفِيكَ مِنْكَ أَخْتَبِي وَأَحْتَمِي

يَا سَاحِرِي ! وَسِرُّكَ الرَّهِيبْ

فِي حَبَّةٍ مِنْ عَرَقٍ يَذُوبْ

تَنْسَلُّ عَبْر الْجَسَدِ الْخَصِيبْ

لِتُزْهِرَ الْوُرُودْ

وَتَغْتَلِي الدِّمَاءُ فِي الْوَرِيدْ. وأكتفي بهذا القدر.

____________________________

عبد القادر أمين… عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية, عضو اتحاد كتاب مصر.

أضف تعليقك