العاصفة – بقلم: هبة راشد

يقول الأديب الياباني هاروكي موراكامي “وما أن تنتهي العاصفة، فإنك لن تذكر كيف تمكنت من الصمود أمامها والنجاة منها ، بل إنك لن تكون على يقين من انتهائها بالفعل. شيء واحدٌ فقط سيكون مؤكدًا، وهو إنك لن تكون نفس الشخص الذي كنت عليه حين دخلتها. ولهذا الغرض هبت العاصفة”.
ما زلت أذكر خطواتها القاسية وهي تسحق الأرض بقدميها، تكاد ثيابها تتمزق من وطأة الخطى ، صوت الأرض وهي تستصرخ يوقظني من نومي.. أشعر بقليل من الامتعاض لقدومها ، ثمة رائحة توتر تنبثق في المكان بدخولها له. أتراجع في الفراش بعد أن أوشكت للخروج للحمام الوحيد المشترك بين الغرف ، حتى تدلف إلى غرفتها ، لا أود الاحتكاك بها اليوم. سأبقى بسريري حتى تنتهي العاصفة اليومية لدخول مي غرفتها. مددت يدي للوحة التقويم الملقاة على الطاولة ( يا الله ! متى ينتهي هذا الفصل الدراسي وأطالب بنقلي بعيدا عن غرفتها ؟ ) ..سرعان ما قاطعني صوتها الغاضب من تأخر المطعم في توصيل طعام الغداء لنا وهي لديها عمل مسائي. 
لست أدري حقيقة شعوري تجاه مي هل هو الغضب ..التعاطف …الخوف. لكني على ثقة من احترامي العميق لها. كلنا مكافحات بدرجات مختلفة ، أتينا للقاهرة من مدننا البعيدة لنتلقى دراستنا هنا في هذا المبنى المكتظ بنا ، نعاني من غربة مصغرة ومن شظف العيش بهذا المكان الفقير. لكنها ليست مثلنا ! أتت إلى هنا بطريق دامٍ وعواصف لم تتركها كما كانت !
دائما ما كانت خطواتها القاسية ومشاجراتها الدائمة تثير فضولي ، كانت تبدو أقرب لقطة استولوا على أبنائها ، كلما رأت بشرا أنشبت أظافرها. أرادت شريكتها بالغرفة أن ترضي فضولي يوما لولعي بقصص البشر ، وأخبرتني بأنها كانت إحدى الطالبات المتفوقات أثناء المدرسة الإعدادية ، إلا أن أباها كان معلق الفوائد بأختها الكبرى ، يرسم لها أحلاما عريضة، فشلت في تحقيقها جميعا ولم تلتحق بالجامعة، فأخذ قرارا مجحفا بألا يلتحق أحد بالجامعة بعد اليوم ! وأجبر مي أن تحيل أوراقها للتعليم المتوسط رغم تفوقها. وما إن انتهت من دراستها المتوسطة حتى التحقت بأحد الأعمال المتواضعة ثم .. دخلت العاصفة أو لعل العاصفة بدأت قبل ذلك ، حين التحقت بالتعليم المتوسط.
أعادت التحاقها بالتعليم الثانوي العام ، وأخذت تدرس من دخلها المحدود وتصارع للبقاء حية بجنيهات قليلة دون أن تعلم أسرتها. كثيرا ما مرت أيام متتالية تتناول نفس الطعام لتبقي الراتب للدروس الخاصة حتى تعوض غيابها عن المدرسة . وكان لها ما أرادت ونجحت بالثانوية العامة بتفوق والتحقت بالكلية التي أرادتها ، وحينها فقط أخبرت أباها بما حققت ، وأنها لا تحتاجه بعد اليوم ! ولم تعد هي نفس الشخص الذي دخل العاصفة. 
فرقتنا الأيام ، ولا أدري حقا هل انتهت عاصفتها أم لا ومن انتصر. لكني وددت كثيرا لو عرفتها قبل العاصفة !

أضف تعليقك