مجلة العربي وتعليم العربية في كوريا – بقلم: أ.د. يوسف عبدالفتاح

المصدر: كتاب العربي73 الجزء الثاني – يوليو 2008م.

 أعده للنشر السيد شعبان جادو- باحث دكتوراه.

تدرس العربية وثقافة العرب في أربع جامعات كورية هي هانكوك وبوسان وميونجي وتوسون، ويهتم فيها الأساتذة والطلاب بالعربية لغة وثقافة، لكنهم يعانون معاناة شديدة في دراستهم لأسباب ترجع بالدرجة الأولى إلى العرب الذين يظن أغلبهم أن تعلم الأجانب للعربية مسألة تخص الأجانب وحدهم إن شاءوا تعلموها، وإن شاءوا أعرضوا عنها، فإذا ما اتخذوا قرارا بتعلمها فعليهم البحث والتأليف في بلادهم من خلال الكتب والصحف ومواقع العربية على شبكة المعلومات الدولية(الإنترنت) أو الحضور إلى البلاد العربية ليواجهوا مشكلة كبرى وهي الازدواجية اللغوية (العامية والفصحى).

والحق أن متعلم العربية ليس فقط هو صاحب المصلحة الأوحد في تعلمها وإنما العرب مستفيدون من ذلك؛ لأن تعلم العربية انفتاح على ثقافة العرب واستيعاب لحضارتهم، وفهم لحياتهم الاجتماعية ومشكلاتهم الاقتصادية والسياسية والتعاطف معها، فالإنسان- كما يقولون- عدو لما يجهل صديق لما يعرف.

ولذلك لا بد أن نعي أن تعلم الأجانب العربية عملية ذات أبعاد ثقافية وإعلامية تحدث دون صخب، لأنها تؤهل الأجانب لأن يطلعوا على أدبنا وثقافتنا بشكل مباشر بعيدا عن الترجمة أو الوسيط الذي يكون-غالبا- غير نزيه.

ولا أجافي الحقيقة إذا قلت إن المتعلمين الأجانب من أصبح مترجما قديرا منهم أخذ على عاتقه التعريف بالأدب العربي والثقافة الإسلامية.

في رأيي أن مجلة العربي قد أدركت هذه الأمور، فقام القائمون على أمرها بنشرها في هذه المناطق النائية التي تهتم بالعرب وثقافتهم،ومنها كوريا، فوجد الكوريون فيها مأربهم حيث اللغة الصحيحة الرفيعة والموضوعات التي تغطي الكثير من القضايا العربية والحضارات والفكر والإبداع والاستطلاعات التي تغطي بلدان الوطن العربي بل والعالم أجمع، فاتخذوها نموذجا للعربية الفصيحة الصحيحة المعاصرة.

فتعلموا منها وبدأت ألسنتهم تستقيم وتخرج منهم مترجمون مجيدون استطاعوا أن يترجموا عيون الأدب العربي إلى اللغة الكورية بل ويترجموا بعض الأعمال الأدبية الكورية إلى اللغة العربية.

وهكذا عملت مجلة العربي في هدوء ودون ضجيج على تعزيز مكانة العربية وتوسيع انتشارها إذ تنقل الحرف العربي وصورته وروحه إلى متعلمي العربية في هذه البقاع بعيدا عن الذين يتغنون بمجال العربية ويصفونها بأنها أصل اللغات ويتباهون بحقيقة نزول القرآن الكريم بها. وأن الله سيحفظها بحفظه تعالى للذكر، وهذا نوع من الفكر القدري الذي لا يخدم العرب أو العربية.

وسوف أعالج في هذه الورقة النقاط التالية:

  • تعليم العربية للأجانب ومشكلاتها
  • أهمية تعليم العربية للناطقين بغيرها.
  • العربية في كوريا
  • دور مجلة العربي الإيجابي في تعلم العربية وثقافتها

(1) أهمية تعليم العربية للناطقين بغيرها:

وعت كثير من الدول أهمية تعليم لغاتها للأجانب منطلقة في ذلك من أن تعليم لغاتها للأجانب هو لب نشاطها الثقافي الخارجي وركيزة من ركائز سياستها الخارجية.ونتيجة ازدهار تعليم اللغة للناطقين بغيرها ازدهارا كبيرا في تلك الدول، وتحول إلى ميدان يوفر فرص عمل لعدد كبير من الناس، وواكب ذلك ازدهار حركة التأليف والنشر في هذا المجال فأخذت دور النشر تتنافس على إصدار الكتب التعليمية والمواد الصوتية والبصرية والحاسوبية التابعة لها، وصدر العديد من الدوريات المختصة، وتأسست روابط وجمعيات علمية للأساتذة والباحثين الذين يعملون في حقل تعليم اللغة للناطقين بغيرها.

ومن هنا نشأ الصراع بين الدول المتقدمة في مجال تعليم لغاتها للأجانب تسعى فيه كل دولة لتعليم لغتها بطريقة أفضل تتيح لها مزيدا من الانتشار لأن هذا الانتشار سيضمن لها البقاء والنمو والتطور، وهذا ما دعا حكومات هذه الدول الواعية لأن تلقى بثقلها المالي والبشري والثقافي والتكنولوجي في أتون هذه المعركة الشرسة.

نعم لقد حسم هذا الصراع جزئيا لمصلحة الإنجليزية التى صارت لغة التعامل العالمية، لكن كثيرا من الأمم لم تسلم بهذا الوضع، واستمرت في بذل الجهود الجبارة لتحسين وضع لغتها في العالم ومن هذه الأمم: فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيران وكوريا الجنوبية.

وأمام النظرة الضيقة العميقة تبدو هذه الدول وهي تخوض صراعا خاسرا، لكن النظرة المتأنية تظهر الأمور على حقيقتها وهي أن الاستقلال السياسي والاقتصادي لا بد له من استقرار ثقافي ومن ثم لغوي، والأمة التي تسعى إلى رفض الهيمنة السياسية والاقتصادية لا بد أن ترفض أيضا الهيمنة الثقافية واللغوية.

ومهما يكن من أمر ذلك الصراع أو نتائجه ستحاول كل دولة تحترم نفسها وثقافتها التمسك بلغتها الوطنية بالرغم من العولمة التي حولت الكون إلى قرية صغيرة، لأن اللغة من أهم مكونات الهوية التى لا يتخلى عنها أي شعب مهما تعرض للضغط، وأحدث مثال على ذلك أمم آسيا الوسطى التى هبت بعد انهيار ما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي مطالبة بحقها في الدولة والهوية واستقلالها اللغوي مما أدخلها في صراع مع روسيا.

والآن أين تقف العربية في خضم هذا الصراع؟ وما مستقبلها؟

العربية لغة مهمة وهي مرشحة لأن تتبوأ مكانة مرموقة في المجتمع الدولي، لأنها لغة ما يربو على مائتي مليون نسمة، ووعاء إحدى الحضارات الكبرى هي الحضارة الإسلامية، وهي لغة مهمة لمن يهتم بمقارنة الأديان وسياسة واقتصاد الشرق بل العالم الإسلامي بأكمله.

هذا من الناحية النظرية أما من الناحية العملية فإن تقدم العربية لن يتحقق إلا عن طريق وعي العرب بأهمية لغتهم وعيا حقيقيا بعيدا عن التباهي بأنها لغة القرآن الكريم، وهذا يجعلهم يدركون مشكلات لغتهم وضرورة العمل على حل تلك المشكلات ومن أهمها التواصل في كل المجالات والأماكن والمناسبات اعتزازا بها واتساقا مع روح المسئولية القومية، لأن التعامل بلغة أجنبية مع متعلم العربية أو داخل أوطان العرب أو خارجها يشعر الآخرين بمدى احتقار العرب للغتهم وعدم جدوى تعلمها.

يضاف إلى الوعي اللغوي الدعم المالي الذي يضمن تطورا للكوادر والأدوات والتنسيق والتعاون بين المراكز التي تعمل في هذا المجال للإفادة من الخبرات والبحوث في هذا المجال ولا ننسى أيضا دعم المراكز الأجنبية أو الجامعات التى تدرس العربية، لأن التقصير في هذا الأمر قد أدى بالفعل إلى تخلف طرق تدريس العربية عن اللغات الأجنبية.

(2) اللغة العربية في كوريا

ارتبط الكوريون بالثقافة العربية والإسلامية منذ عصر مملكة كوريو القرن الثالث عشر الميلادي حينما وفد التجار العرب إليها عن طريق الصين، وظلت هذه العلاقة تتأرجح بين القوة والضعف حتى العصر الحديث بعد الاستقلال الكوري عن اليابان في أوائل القرن العشرين وبداية النهضة الكورية،إذ أدرك الكوريون أهمية دراسة العربية وثقافتها لاعتبارات عدة لا داعي لذكرها الآن.

فافتتح في كوريا عام1965 قسم اللغة العربية في جامعة هانكوك للدراسات الأجنبية بناء على طلب الحكومة الكورية التي أرادت أن تحسن علاقتها الخارجية مع دول العالم الثالث لاسيما دول العرب والمسلمين؛ لأن النمو الاقتصادي جعل التجار الكوريين يجدون أسواقا واسعة لصادراتهم في دول العرب والمسلمين الغنية بدولارات النفط.

ثم تلا افتتاح هذا القسم، افتتاح أقسام أخرى في ميونجى وبوسان وكوانجو وأخيرا افتتح المركز الكوري للثقافة العربية والإسلامية في إنتشون.

وهذه الأقسام بالإضافة إلى المركز تهتم بتعليم العربية وثقافتها والقضايا العربية السياسية- الاقتصادية- الدينية- الاجتماعية.

أما المؤسسات الأخرى من أمثال معاهد الشرق الأوسط وكليات الدراسات الإقليمية فيوجد بها أقسام تهتم بدراسة قضايا الوطن العربي باللغة الكورية أو الإنجليزية.

وقد نتج عن ذلك إصدار مجلات لنشر البحوث والدراسات الجادة عن العرب والإسلام منها:

  • مجلة اللغة العربية وآدابها
  • مجلة دراسات الشرق الأوسط
  • مجلة معهد الشرق الأوسط
  • معهد كوريا والشرق الأوسط

وكان من المهم افتتاح أقسام للدراسات العليا، فافتتح قسمان في جامعة هان كوك للدراسات الأجنبية وقسم في جامعة ميونخ حتى أنتجت هذه الأقسام الثلاثة دراسات جادة في الأدب العربي والدراسات اللغوية والاقتصادية والسياسية، وترجمت العديد من أعمال الأدباء العرب أمثال نجيب محفوظ والعقاد وطه حسين وسلوى بكر وصنع الله إبراهيم، ومختارات من الشعر العربي في العصور المختلفة وإن زاد الاهتمام بشعراء العصر الحديث من مثال نزار قباني ومحمود درويش.

(3) دور مجلة العربي في تعليم اللغة العربية في كوريا:

 كثيرا ما سمعت من الكوريين الأساتذة والطلاب الذين يدرسون العربية عن صعوبات تعلم العربية ومن ذلك :

  • الازدواجية اللغوية: فما من دولة عربية إلا ويحار فيها الأجنبي والكوري بطبيعة الحال كيف يتواصل فيها مع الناس بالعربية الفصحى أو بالعامية، فهو قد تعلم الفصحى لكن الناس في كل هذه البلاد لا يتعاملون بها وإنما بالعامية، فعليه أن يتعلم جميع عاميات الوطن العربي أو العامية التي يدرك أهمية التحدث بها.
  • ضعف المستوى اللغوي في الصحافة العربية عموما فلا تكاد تجد صحيفة تنتهج الفصحى أسلوبا، وتخلو صفحاتها من الأخطاء اللغوية، وهذا نتيجة طبيعية لضعف الصحفيين الجدد في العربية وكذلك المراجعون.
  • عدم وجود كوادر مؤهلة لتدريس العربية للناطقين بغيرها في كوريا، من الملمين بثقافة العرب والإسلام لدرجة أن أحد الأساتذة الكوريين كان يدرس في إحدى الدول العربية وأدرك أهمية مجلة العربي في تعلمه للعربية فحمل الكثير من أعدادها ولم يكن يعرف أن “العربي” تصل إلى كوريا وتوزع على أقسام العربية مجانا.

وبفضل وصول مجلة العربي إلى كوريا استطاع دارسو العربية الحصول على مصدر مهم من مصادر العربية المعاصرة النقية التي تمده بمعين ثر من المعلومات في شتى مجالات الأدب واللغة، بل وأعطته معلومات عن العالم أجمع من خلال الاستطلاعات الرائعة التى تقدمها في أسلوب رشيق وليس فقط صحيحا من الناحية اللغوية.

وبدأ الطلاب يتدربون على الترجمة من خلال نصوص العربي في جميع الحقول، وبخاصة تلك الاستطلاعات التي قمت بها المجلة عن كوريا الجنوبية.

أضف تعليقك