وقفة على بوابة المتولي – بقلم: فريد لطفي أحمد

وقفة على بوابة المتولي

22221908_868049526695967_5239185574366608854_n

إلى أستاذي الدكتور المتولي على المتولي في جوار رب كريم

 وجهك شديد القرب والألفة, يكاد المرء يجزم عند رؤيته للمرة الأولى أنه رآه وجالسه كثيراً وكان بينهما عِشرة طويلة و “عيش وملح”.

وجه صاغته شمس مصر الطيبة يحكي جمالها الآسر والبسيط معاً.

وكما تتفتح الزهرة مع ندى الفجر الجديد, وكما تتدفق مياه النهر عذبة شجية كان حديثك العذب.

 أعلم أن الطريق إليك هو البساطة والتلقائية والعفوية النبيلة البريئة التي لا تجرح أحداً.

أقف الآن على بابك كما وقفت ووقف غيري من قبل.

 واقفٌ  وفي القلب رجفة وفي العين دمعة, وفي النفس شوق لا ينطفئ  إلى يوم اللقاء.

على غير موعد كان اللقاء..

هذا هو ابني الجديد يا أم أحمد” قُلْتَــها لبائعة الصحف بعد لقائنا بأيام.

وسرنا معاً على الطريق صاحبين.

وجدتُ فيك أُلفة …ورقة … وعشقاً نادراً لكل فن أصيل مع سلامة الذوق، وجودة القريحة، ومَيْزِ الكلام.

أقلب صفحات عطائك.. أطالع دراستك عن “الجهود النحوية للفخر الرازي“, وأطروحتك حول “اعتراضات ابن عصفور على النحاة“, ودراستك الجميلة حول “شعر جرير“, وإلى جانب تلك الدراسات العميقة, كنتَ فارساً في سلسلة نبيلة من الأعلام, درست النحو العربي ودرَّسته وكتبت فيه للعامة كما كتبت للمتخصصين, أردتَ ــــ كما هي عادتك في كل شأن ـــــ أن تُبَسِّط النحو وتُقَرِّبه إلى أذهان شرائح متعددة من القراء لا تفهمه في الغالب إلا إذا قُدِم لها بلغة عصرية بسيطة تَمس العقل والقلب.

 وكم حشدت ملكاتك وقصصك الطريفة من أجل إدخال عنصر البهجة ودفع الملل عن دارس النحو ليفهم ما وراء القصة ويستوعب ما تلمح له الطرفة, وما زلت أتذكر أفكارك حول ” مسرحة النحو التعليمي” وتحويله إلى دراما حية تصل إلى القلوب, بل إنني مازلت أُعَلَّم النحو لطلابي بطريقتك وأنطق في قاعات الدرس بلسانك.

  كيف يا صاحبي أرتب الذكريات التي تترى؟!.. وكيف أحكي في ساعة ما سمعته منك في سنوات؟!  … لقاؤك بالمطرب عبد الحليم حافظ, أيامك في المحروسة وأنت طالب في كلية اللغة العربية, سنوات الإعارة في الصومال, محاضراتك بالمركز الثقافي هناك, حكايات معهد فتيات طلخا الثانوي, وأيامك فيه… الدراسات العليا, ورحلة الماجستير والدكتوراه, وقبل كل هذا بِرُّك العظيم بوالديك وبشيخك العلامة عبد الرحمن يوسف الضبع.

 مازالت ذاكرتي تحتفظ بكل كلمة قُلْتَها.. بنبرات صوتك وأنت تقص عليَّ, وتخرج ما في خزانة القلب المشع المتوهج بالحياة.

أعود إلى ما تحت يدي من مخطوطات كتبك, كنت قد كلفتني بقراءة ومراجعة تحقيقك لكتاب “شرح الفاكهي على قطر الندى” كنتَ تتمنى أن تراه مطبوعاً… لكن الله أراد شيئاً آخر.

أُعزي النفس المكلومة بعكوفك النادر على البحث والكتابة  الذي  كان من بركاته كتابك الضخم عن “الظرف: خصائصه وتوظيفه في النحو العربي” ثمرة  عامين كاملين من السهر والعمل المتواصل, (هل تذكر عندما حدثتك  عن الباحث الفلسطيني الذي جعله مرجعاً في رسالته وأثنى عليه أطيب الثناء ؟!)

 22290150_867593900074863_2130690175_n

ثم كتابك عن “الإعلال والإبدال” الذي أحال باباً من أعقد وأصعب أبواب الصرفي العربي, إلى قطع أدبية جميلة… تشرح وتطبق وتحلل في أسلوب شديد البساطة شديد العذوبة.

 والبقية تأتي: “التوكيد في النحو العربي“”و”الألف واللام في كلام العرب” و”العدول عن الأصل في أبنية الكلم”  و” تخفيف الهمزة بين النحويين والقراء“وغيرها كثير.

 كنت أرى شوق المعرفة الذي يلتمع بين عينيك .. كنتَ مسكوناً بهم البحث والسؤال الدائم الذي لا يتوقف عن التخلق  والتشكل في أثواب جديدة ليصنع دراسات جديدة  تثري المكتبة النحوية.

  كنت يا عمنا المتولي نقياً على فطرتك,لم تشارك يوماً في صراعات الناس حول المكاسب والمناصب, ولم تسمح لنفسك السمحة بالدخول في شيء من ذلك, ورغم هذا لم تتسلل إلى قلبك المرارة أو الغضب ..كنت دوماً سعيداً راضياً .

لذا لم أشعر أبداً أنك استسلمت للهم والحزن, حتى في أزمة مرضك الأخير, كنت تعيش في نشوة العلم والمحبة, وكان مذهبك هو أن تعاشر الناس والحياة بالحسنى.

هكذا كانت أيامنا معاً.

 تحمل لي بهجة الروح، وسعادة النفس،
ومتعة العقل،
تسعد فتسعد روحي،
وتمرض .. فأرتبك وأشعر بالمرض العضال.
وتقبل فيتهلل الخاطر فرحاً

ثم رحلت . ..

وآه يا عمنا المتولي على الغربة الموحشة التي سكنت فؤادي  بعدك, كأنني فقدت بفقدك أركان استقراري النفسي وثباتي الانفعالي.

فقدت الجدية والالتزام واحترام الوقت والتعبد بأداء العمل,

أدخل الكلية والقِسم حـزيناً غريباً لا أرى شخصك الذي رباني

ولا قيمك التي علمتني إياها,

كل الوجوه غريبة …

ليست مني ولست منها في شيء

 أفتش في الرفوف وفي الأدراج وبين طيات الأوراق المنسية عن شيء يحمل لي رحيق أيامك النظرات.

هل أنت بحاجة الآن إلى أن أذكرك بأن أكثر من مددت لهم يد العون, قد تنكروا لك وانقلبوا على القيم التي علمتها لهم.

لعلك الآن ستقابلني   بابتسامتك الراضية المطمئنة, التي  كنت تقابل بها ثورتي وأنا أحدثك عن شيء من هذا في حياتك, ستقول لي “واجبنا أن نقول كلمتنا ونمضي … وسوف تنبت بذور الصدق أجمل الأشجار يوماً, وإن طال الزمان.”

رحلت يا عمنا وتركت صاحبك في طريق غربة مظلمة قبل أن تصل به إلي شاطئ النجاة..

 هل تذكرت يوم قرأت عليك شيئاً من  كتاب الخصائص لابن جني, ووعدتك أن أكون وفياً لك كوفاء أبي الفتح لشيخه أبي على الفارسي, فضحكت دون أن تعلق..

ثم جاءني صوتك: اقرأ يا فريد..

فأغص بدمعتي وتتحرك شفتاي المرتعشتان:

“ولله هو وعليه رحمته فما كان أقوى قياسه وأشد بهذا العلم اللطيف الشريف أُنسه. فكأنه إنما كان مخلوقًا له….” الخصائص: (1/278).

هل تراني فرطتُ وخنت العهد؟!

هل تغفر لي تقصيري ؟!

آه يا عمنا المتولي. لو تُفتح مغاليق القلب ..

لو تبوح المواجيد بما يختفي في قراره السحيق..

لكن الأيام ضنينة..

وطائر الأمس لم يعد كما كان.!!

 

أضف تعليقك